إسبانيا تتشبث بجلدها القديم

29/06/2016 - 13:24
إسبانيا تتشبث بجلدها القديم

نبيل دريوش

لقد انهزم شباب السياسة الإسبانية وكانت الغلبة لحيلة الشيخ على عزيمة الشباب وعنفوانه، وحتى يحركوا السكين في الجرح جيدا لم يسرق أنصار الحزب الشعبي الإسباني، ليلة الأحد الماضي، الفرحة فقط، من صدور قياديي وأتباع حزب « بوديموس »، بل سرقوا، أيضا، شعارهم وهم يهتفون »نعم، نستطيع » احتفالا بنصر انتخابي لم تحلم به استطلاعات الرأي التي ذهبت في واد آخر، فلم تؤثر 500 قضية فساد التي يتورط فيها الحزب الشعبي على نتائجه الانتخابية التي تحسنت بـ14 مقعدا وربح نصف مليون صوت انتخابي مقارنة مع انتخابات 20 دجنبر الماضي. مشهد الاحتفال بالنصر ذاته الذي عاشه مقر الحزب اليميني بشارع جنيف قبل ستة أشهر تكرر ليلة الأحد الصيفية، لكن مع تفصيل صغير ومعبر، فقد أضيفت إلى أعلام إسبانيا الوطنية وأعلام الحزب الشعبي الزرقاء بضعة أعلام للاتحاد الأوروبي، وفي ركن منها علم إسبانيا في إشارة إلى اعتزاز الإسبان وتمسكهم بالبقاء في الاتحاد الأوروبي، فالانتخابات بالمملكة جرت بعد يومين من قرار الإنجليز خروجهم من الاتحاد الأوروبي، وما خلف ذلك من خوف لدى شرائح من الإسبان الذين يدركون مقدار فضل أوروبا عليهم.
وعاد راخوي وهو أكبر المرشحين لرئاسة الوزراء سنا ليقفز مثل الشباب أمام أنصاره، لقد فشل الحزب الفتي « بوديموس » وحليفه اليسار الموحد في نزع جلد إسبانيا القديم وكسوتها بجلد جديد بعدما نجحت استراتيجية الخوف، كان الألم والحسرة ظاهرين على محيا آل حزب « بوديموس » الذين آمنوا بالتغيير والتحول إلى القوة اليسارية الأولى في البلاد بإزاحة الحزب الاشتراكي العمالي من مكانه، كان رهان رفاق « بابلو إيغليسياس » هو التحول إلى القوة اليسارية الأولى في البرلمان وإزاحة الحزب الاشتراكي العمالي من مكانه، لكن صفعة النتائج جعلت « بابلو إيغليسياس » يدرك أنه باع للإسبان جلد الدب قبل اصطياده.
لم يحصل تحالف « بوديموس » واليسار الموحد في النهاية إلا على 71 مقعدا، وهي المقاعد نفسها التي حصل عليها في انتخابات 20 دجنبر، والواقع أن النتيجة تبين أن التحالف اليساري عوض أن يمكن مريدي « بابلو إيغليسياس » من تحسين النتيجة، إلا أنه لم يفعل شيئا غير تعويض الأصوات التي خسرها الحزب مقارنة بالانتخابات السابقة، جاء نبي « بوديموس » أمام الصحافيين ليعبر عن حسرته وتذمره من نتائج لم تكن بمقاس الحلم.
85 مقعدا هي أسوأ نتيجة في تاريخ الحزب الاشتراكي العمالي، وهي أسوأ حتى من نتيجته الكارثية التي حصل عليها في انتخابات 20 دجنبر الماضي (90 مقعدا)، لكن الفرحة كانت بادية على محيا « بيدرو سانشيث »، الذي اعتبر بقاء الحزب في المرتبة الثانية حفظا لماء الوجه أولا، وتذكرة لخروج مشرف له من زعامة الحزب قريبا بعدما كان يُجافيه النوم بسبب ما تنبأت له به استطلاعات الرأي من مصير، لقد تحول الغريم في بيت الاشتراكيين من الحزب الشعبي إلى حزب « بوديموس » الذي شمت فيه رفاق « يبدرو سانشيث » واحتفلوا بأكبر هزيمة لهم وكأنها فتح مبين، فرغم خسارتهم لـ 200 ألف صوت إلا أن الأسوأ لم يحدث، فلم يتهدم البيت فوق رؤوسهم رغم كل الشروخ والتصدعات التي تخترقه يوم 26 يونيو الذي انتظروه كأنه زلزال محقق.
كان ثاني أكبر الخاسرين بعد « بوديموس » الحالم حزب « المواطنون » بزعامة الشاب « ألبير ريبيرا »، الذي خسر 8 مقاعد كاملة بسبب سوء تدبيره لمرحلة التحالفات واصطفافه إلى جانب الحزب الاشتراكي في محاولة فاشلة ووحيدة لتشكيل حكومة خلال أقصر ولاية تشريعية في تاريخ إسبانيا التي لم تستمر إلا 111 يوما، وبات عليه اليوم، مراجعة استراتيجيته رغم أنه حاول تعليق فشله على مشجب النظام الانتخابي وفي ذلك بعض الصحة، هذا الوضع السيئ لا يمنع من القول إن أصدقاء « ألبير ريبيرا » يمتحون قوتهم اليوم من امتلاكهم لمفتاح تشكيل حكومة راخوي فرقبته بين يديهم، إذ سيستحيل عليه تشكيل حكومة بدونهم.
هناك خاسر آخر في هذه الانتخابات وهي استطلاعات الرأي التي فشلت جميعها في توقع الاتجاهات الانتخابية التي جاءت بها النتائج، وضربت مصداقيتها في مقتل.
غالبية الإسبان يبرهنون اليوم على تعلقهم بجلد إسبانيا القديم رغم أوساخه وعيوبه، ولم يغرهم بريق الجلد الجديد، انتهى فصل الانتخابات المعادة على هذا المنوال، وبدأ فصل آخر لا يمكن التكهن بنتائجه مرتبط بكيفية رتق ثوب مناسب لحكومة جديدة تسكن قصر « المونكلوا » خمس سنوات مقبلة، إنها السنوات التي تلوح صعبة من الآن.

شارك المقال