فجرت قضية تجهيز إقامة عامل سيدي إفني «صالح دحا»، وقبلها سيارات رئيس جهة الراشيدية، الحبيب الشوباني، جدلا حادا، كشف حساسية كبيرة لدى الرأي العام المغربي تجاه مختلف أشكال «الإسراف» و«المبالغة» في صرف المال العام.
فتجهيز بيت عامل سيدي إفني بـ360 مليون سنتيم، أو شراء سيارات رباعية الدفع لمجلس جهة درعة-تافيلالت بـ40 مليون سنتيم للواحدة، أو كراء سيارات لمجلس جهة الدار البيضاء-سطات بـ600 مليون سنتيم على مدى ثلاث سنوات، وقبلها منح تعويضات عن السكن للولاة والعمال تصل إلى 32 ألف درهم شهريا (تعويض رئيس الحكومة 15 ألف درهم فقط)، كلها خطوات رأى فيها الرأي العام استفزازا يستوجب الاحتجاج والرفض.
وأفرز الجدل المتكرر حول تلك القضايا خلاصتين أوليتين؛ من جهة، أظهرت «النخبة» (المسؤول العمومي) الكيفية والمنطق الذي يحكمها في تدبير المال العام، وهو منطق يقوم على استغلال المنصب للتمتع وتحصيل أكبر قدر من المصالح والمنافع. ومن جهة ثانية، كشف ذلك الجدل وجود رأي عام مواطن وفقير يستكثر على مجلس جهة فقيرة امتلاك سيارة بـ40 مليون سنتيم، كما استكثر من قبل على وزراء أو مديري مؤسسات عمومية التوفر على غرفة نوم «فاخرة»، ويلح على إعمال قواعد شفافة ونزيهة تتناسب مع المستوى الاقتصادي العام.
كما برزت نخبة مترفة دأبت على إبداع طرق شتى للاستفادة من المال العام، وشعب يتنصل تدريجيا من الخوف والخضوع للأمر الواقع. ثمة ما يشير، حسب فؤاد عبد المومني، رئيس فرع المغرب لمنظمة الشفافية العالمية، إلى «المجتمع بدأ يفرض على الدولة الخروج من منطق الإقطاع والريع» نحو منطق دولة الحق والقانون.
هناك عامل رئيس يفسر هذا التحول، يتمثل في دمقرطة الخبر، رغم استمرار سلطة الرقابة والمنع. لقد أصبح «الخبر في متناول أوسع الفئات من الناس»، يقول فؤاد عبد المومني، نتيجة انتشار وسائل الإعلام خارج رقابة السلطة، وانتشار استعمال وسائل التواصل الاجتماعي خاصة الفايسبوك، وهو تطور ترتب عليه ارتفاع في منسوب الوعي السياسي والوطني لدى المواطنين، أسهم فيه بشكل أساس عامل آخر يتمثل في انتشار التعليم. كلها عوامل أدت إلى فرض حضور المواطن في الفضاء العام، يناقش ويحلل ويراقب كيفية التصرف في مصالحه.
الامتيازات مقابل خدمة النظام
من المتفق عليه، أنه قبل دستور 2011، كان التصرف في المال العام يتم بعيدا عن مراقبة المواطنين، ويكاد ينحصر في يد فئة ضيقة من نخبة الدولة (الضباط السامون، السياسيون، الولاة والعمال…)، تتمتع فيه كما تشاء بشرط «خدمة النظام السياسي» يقول عمر الكتاني، أستاذ الاقتصاد بجامعة محمد الخامس بالرباط. الكتاني أعاد التذكير، في هذا السياق، بما ورد في تقرير سابق للبنك الدولي صدر سنة 1995، وأحصى أزيد من 100 امتياز تمنح للموظفين الكبار في الإدارة، فضلا عن أجورهم الشهرية.
إن إغراق «النخبة» في الامتيازات لم يكن نتيجة هفوات أو فلتة في التدبير، بل كان يعبّر عن سياسة في تدبير الحكم. خلال السنة الأولى من توليه رئاسة الحكومة، قال عبد الإله بنكيران، من على منصة مجلس النواب: «إن الريع كان أسلوبا في الحكم»، أسلوب اعتمده الملك الحسن الثاني لشراء ولاءات النخب، وتوسيع القاعدة الاجتماعية لنظامه. وبالنسبة إلى عمر الكتاني، فإن «الريع نظام كامل وُجد لفائدة النخبة، مقابل خدمة النظام السياسي».
يصعب الرجوع إلى سنوات الستينات والسبعينات لكشف الكيفية التي كانت توزع بها الأراضي والمناصب، وحتى الأموال العمومية، لكن أثر كل ذلك مازال قائما حتى اليوم. ذلك أن نظام الريع مازال يعمل بفاعلية، رغم دستور 2011. ويمكن تتبع ذلك من خلال أحد أهم المداخل التي تعيد إنتاج الريع وتدافع عنه، أي النظر في الامتيازات التي يتيحها المنصب للمسؤول العمومي، سواء كان واليا، أو عاملا في وزارة الداخلية، أو ضباطا ساميا في أجهزة الأمن والجيش، أو سفيرا في وزارة الخارجية، إضافة إلى مديري المؤسسات والمقاولات العمومية.
في هذا الإطار، فإن واقعة إقليم عامل سيدي إفني، الذي ارتأى تجهيز إقامة فخمة بـ360 مليون سنتيم، ووقائع سبقتها استطاعت الإفلات من رقابة السلطة، مثل الحادثة الشهيرة التي تتعلق بالتعويضات التي كان يتبادلها وزير المالية السابق، صلاح الدين مزوار، والخازن العام للمملكة، نور الدين بنسودة، وقدرها 8 ملايين سنتيم شهريا كانت تذهب إلى الحساب البنكي لمزوار، كلها تكشف سياسة الريع التي كانت متبعة ولاتزال من خلال المنصب وامتيازاته.
يُميّز عبد الحفيظ اليونسي، أستاذ القانون الإداري بجامعة الحسن الثاني بسطات، بين نوعين من الامتيازات التي يحصل عليها المسؤول العمومي: الأولى، امتيازات ومنافع يسمح له بها القانون، وينظمها بشكل واضح ويستفيد منها المسؤولون العموميون في الوظيفة العمومية، مهما كانت إطاراتهم أو درجاتهم، فيما الثانية امتيازات لا يسمح بها القانون، لكن قد يستغل المسؤول العمومي منصبه للوصول إليها والتمتع بها دون وجه حق.
بخصوص الامتيازات والتعويضات المنظمة بالقانون، والتي ترتبط بأداء مهمة محددة (وال، عامل، سفير، رئيس مدير عام…)، فهي تعبّر، من جهة، عن خلل عميق في سياسة الأجور، ذلك أن الراتب الأساسي في الوظيفة العمومية مرتبط بالسلم، وأقصى ما يصل إليه الإطار في القطاع العام هو «متصرف ممتاز» أو «مهندس ممتاز»، وأجرهما الأساسي قد لا يتجاوز 30 ألف درهم في أحسن الأحوال. ومن جهة ثانية، فالدولة بدل أن ترفع الأجر الأساسي، تلجأ إلى سياسة التعويضات، بالرفع منها وتنويعها، بغرض أن يستفيد الموظف العمومي، سواء كمسؤول أو إطار عال، ويعيش في نمط عيش مريح، لكي لا يمد يديه إلى المال العام، أو يستغل المنصب في أشياء غير قانونية.
على المستوى الأول، أي رفع وتنويع التعويضات بما يضاعف الأجر الأساسي عدة مرات، يمكن ملاحظة ذلك بدقة لدى رجال السلطة، من ولاة وعمال وسفراء ومديري مؤسسات عمومية، فالوالي، مثلا، وطبقا لمرسوم صادر بتاريخ 24 أكتوبر 2008، يقضي بتغيير مرسوم سابق عليه صدر بتاريخ 29 شتنبر 1986، يتقاضى تعويضات متنوعة (التعويض عن الأعباء، والتعويض التكميلي، والتعويض الخاص، التعويض عن التمثيل)، قيمتها مجتمعة تصل إلى 67376 درهما، أي قرابة 7 ملايين سنتيم كتعويضات فقط، إضافة إلى أجره الأساسي الذي لا يتجاوز 5 آلاف درهم. أما العامل، فيدخل حساباته البنكية 62712 درهما، أي أزيد من 6 ملايين سنتيم كتعويضات فقط، إضافة إلى أجره الأساسي الذي لا يتجاوز 4500 درهم.
ولو أن الحكومة صادقت على مشروع المرسوم المتعلق بالتعويض عن السكن، الذي نشره الموقع الإلكتروني للأمانة العامة للحكومة في فبراير 2015 قبل أن تثار ضجة حوله ويتم حذفه وتأجيله، لكان بعض الولاة (خصوصا من لا يتوفرون على سكن تمنحه الدولة) يستفيدون اليوم من تعويض جزافي قدره 32 ألفا و260 درهما، كما يستفيد العامل من تعويض مماثل قدره 26 ألفا و460 درهما عن السكن. وهذه التعويضات تفوق ما يحصل عليه رئيس الحكومة كتعويض عن السكن (15 ألف درهم)، وإن كانت تعويضات الولاة والعمال تخضع بدورها للضريبة ولاقتطاعات أخرى، مثل التقاعد التكميلي.
لكن تلك التعويضات هي مما تم التصريح به قانونا فقط، وليس كل الامتيازات التي يحصل عليها المسؤول العمومي، سواء كان رجل سلطة أو غيره، إذ تُضاف إليها امتيازات عينية، تمثل دخلا إضافيا مهمّا بالنسبة إلى بعض المسؤولين العموميين، تمول من خزينة الدولة، مثل، الاستفادة من السيارات مع سائقها، والبنزين، ووسائل الاتصال (هواتف، الأنترنت، الحواسيب…)، إضافة إلى السكن الفخم (فيلات مجهزة بالكامل والخدم). وهي امتيازات إن كان الهدف منها راحة المسؤول العمومي وأسرته، فإن تنوعها وتعددها وضخامتها جعلت من بعض المسؤولين العموميين رجال مال وأعمال وأصحاب ضيعات فلاحية وشركات ومقاولات خاصة.
استغلال المنصب للاغتناء
أما المثير للاستغراب أن تلك الامتيازات، سواء المنظمة بالقانون أو الامتيازات العينية، لا تشبع نهم وطمع المسؤول العمومي، ويلجأ البعض منهم إلى استغلال منصبه من أجل الحصول على امتيازات إضافية. عبد الحفيظ اليونسي، أستاذ القانون الإداري، يؤكد أن المنصب يسمح بالاطلاع على المعلومات الحيوية، المالية والعقارية وغيرها، كما يسمح بالولوج إلى النفوذ، وتكوين شبكة علاقات عامة مع رجال المال والأعمال، والمشكل الذي يُثار في هذه الحالات أن القانون يقف عاجزا، أحيانا، عن تكييف بعض الوضعيات وضبط بعض الممارسات.
من الأمثلة الدالة، في هذا السياق، تبادل الهدايا بين المسؤول العمومي وصاحب المصلحة، سواء كان من رجال المال والأعمال أو المنعشين العقاريين أو كبار التجار، أو غيرهم. فالهدية التي يمنحها مقاول عقاري، مثل سيارة أو شقة أو قطعة أرضية في مدينة أخرى، لا يضبطها القانون، وقد تستغل من قبل الطرفين لتبادل منافع أخرى.
كما أن قانون التصريح بالممتلكات لا يسد باب هذه الحِيَل، ويسمح بهذه التلاعبات، فهو ينص على أن يصرح المسؤول بممتلكاته الخاصة أو تلك التي تتعلق بالأصول (الأب، الأم…) والفروع (الزوجة، الأبناء)، لكنه لا يشمل الأصهار والأعمام والأخوال والأحفاد. ومن جهة أخرى، لا ينص هذا القانون نفسه على أن تصرح المرأة، إذا كانت في مواقع المسؤولية العمومية (والية، عاملة، سفيرة، مديرة عامة…)، بممتلكاتها كاملة كذلك، علما أن المسؤوليات التي تتولاها النساء في ارتفاع منذ سنة 2012 (حوالي 12 في المائة).
لقد التفت واضعو دستور 2011 إلى استغلال المنصب العمومي لمراكمة المنافع والثروات، وقد نص الفصل 36 منه على أن القانون يعاقب «على المخالفة المتعلقة بحالات تنازع المصالح، وعلى استغلال التسريبات المخلة بالتنافس النزيه، وكل مخالفة ذات طابع مالي»، وأكد في الفقرة الثانية أنه «على السلطات العمومية الوقاية، طبقا للقانون، من كل أشكال الانحراف المرتبطة بنشاط الإدارات والهيئات العمومية، وباستعمال الأموال الموجودة تحت تصرفها، وبإبرام الصفقات العمومية وتدبيرها، وزجر هذه الانحرافات»، وأكد أن القانون «يعاقب على الشطط في استغلال مواقع النفوذ والامتياز، ووضعيات الاحتكار والهيمنة، وباقي الممارسات المخالفة لمبادئ المنافسة الحرة في العلاقات الاقتصادية»، ونص على إحداث هيئة وطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.
يرى اليونسي أن هذا الفصل من الدستور يسعى إلى معالجة ما هو موجود في الواقع الفعلي، ذلك أن مجموعة من المسؤولين العموميين، وانطلاقا من مواقعهم، تتاح لهم معلومات لا يمكن أن تتاح لغيرهم. منها على سبيل المثال إمكانية الولوج إلى المعلومات المتعلقة بالصفقات العمومية، فالموظف المسؤول يعلم قبل غيره بقرار الدولة تفويت عقارات أو سيارات وغيرها، وهي المعلومات التي قد يوظفها لصالحه ولو بطريقة غير مباشرة، كأن يدفع أحد أقربائه من الأحفاد أو الأعمام أو الأخوال أو الأصهار إلى التعرض لتلك الصفقات والاستفادة منها.
كما أن رئيس مجلس جماعة محلية (مجلس جماعي، مجلس إقليمي، مجلس جهة)، يخوله موقعه في المسؤولية العمومية أن يعلم باتجاه توسيع المجال الحضري على سبيل المثال، وبالتالي، التعرض له بطريقة غير مباشرة عبر المقربين إليه.
ويتيح المنصب لصاحبه كذلك «كفاءة خاصة»، حسب اليونسي، تتمثل في القدرة على استغلال ثغرات القانون، بشكل قد لا يخطر على بال أحد. من الأمثلة في هذا السياق، أن يلجأ مسؤول عمومي، في مقاولة عمومية أو شركة خاصة، قد يتقاضى كمدير عام بها 10 ملايين سنتيم شهريا كأجر صافٍ ناهيك عن التعويضات، إلى تنظيم سفريات في الداخل والخارج، بحجة أن مصالح الشركة أو المقاولة تتطلب ذلك، وقد ينظم على سبيل المثال «عشاء عمل» لفائدة شركائه، لكن في كثير من الأحيان تتحول مثل هذه السفريات إلى عطلة أسرية، ويتحول عشاء عمل من المفترض أن يكون بسيطا ورمزيا إلى عشاء أسري باذخ.
وإذا كان قانون الضريبة ينص على أن تؤدي المقاولة العمومية أو الشركة الخاصة ضريبة على تكاليف «عشاء عمل» أو السفر -يؤكد اليونسي- فإنه ينص على ذلك في إطار نظام التصريح وليس الخصم من المنبع كما هو معمول به في الوظيفة العمومية، «الوضع الذي يطرح مشكلا أخلاقيا كبيرا»، بمعنى أنه يفتح الباب للتلاعبات.
أما في القطاع العام، فإن التحايل يقع بطريقة أخرى، فالمسؤول العمومي قد يلجأ، لتجهيز مكتبه أو سكن وظيفي، إلى تجزيء التكلفة حتى لا تخضع العملية برمتها لنظام الصفقات العمومية، وإذا اضطر إلى ذلك غالبا ما يكون السعر متفاوضا بشأنه في اتجاه تضخيمه، علما أن الصفقة تفوز بها في الغالب جهة معلومة مقدما لدى هذا المسؤول أو ذاك.
كما أن المسؤول العمومي نفسه قد يلجأ إلى العمل ساعات إضافية أكثر، وبدل أن تعمل الحكومات المتوالية على تنظيم ذلك وتخصيص تعويضات واضحة عن الساعات الإضافية، يتم الالتفاف على كل ذلك بطريقة أخرى. هناك «تواطؤ ضمني بين وزارة المالية وباقي القطاعات الحكومية على أن تمنح تعويضات للمسؤولين عن التنقل داخل أو خارج الوطن، رغم أنه قد لا يحدث ذلك فعليا. إنها صيغة التفافية على وضع يصعب إثباته»، يقول مدير مركزي بأحد القطاعات الحكومية.
وإذا كانت الممارسات المتعلقة باستغلال المنصب للاغتناء غير المشروع قد أصبحت مدانة ويعاقب عليها القانون بنص الدستور، فإن فؤاد عبد المومني يرى أنها كانت أساسا في الحكم خلال العقود الماضية، حيث «كانت النخب تستحوذ على جهاز الدولة، وتطلق يدها في المال العام، دون حسيب أو رقيب».
ويضيف عبد المومني: «كان منطق الاستحواذ والاستبداد بالثروة شائعا ومهيمنا، وكان المسؤولون مطلوقي الأيدي في المال العام، من أعلى مستوى إلى أدنى مستوى، وطبعا لا يصل سوى الفتات إلى الفئات الدنيا». ويضيف: «كانت الدولة تسمح، مقابل الولاء للنظام السياسي، بالارتشاء والاغتناء السريع وغير المشروع». لكن عبد المومني، وانطلاقا من الوقائع المتوالية التي دفعت المواطنين إلى الاحتجاج، يرى أن «المجتمع شبّ عن الطوق، ولم يعد يقبل بالخضوع والخنوع، رغم أن النخب المتحكمة لم تقتنع بعد بأن كلفة استمرار النهج السابق قد تكون باهظة، وعليها أن تقبل بالمرور إلى قواعد جديدة أساسها دولة القانون