أسرار نجاح المدن

08/07/2016 - 10:52
أسرار نجاح المدن

عصام واعيس
طيلة شهر رمضان المبارك حاولت هذه الصحيفة تقريب قرائها من مشروع إعلامي متميز ينبش في أسباب نجاح المدائن، في قيم العيش المشترك بالحواضر، في ما يصنع مدنا قوية وجميلة ومستدامة وصديقة للبيئة وعامرة بفرص الشغل، ويجعل منها واحة للاندماج والازدهار وإنتاج الفرح، مركزا للإبداع ومشتلا للحلول، ثم نموذجا ملهما لباقي حواضر الأرض.
ويمكن تلخيص هذه الأسباب في ثلاثة متداخلة هي: العلم (علم التخطيط الترابي)، والغيرة على التراب، وبعد النظر. وهي عوامل نجاح متداخلة، ومتباينة الترتيب من مدينة إلى أخرى.
أما العلم، فالمدن التي تسحر اليوم زوّارها بجمالها العمراني وتناسقها المجالي ومساحاتها الخضراء وشوارعها الفسيحة وغيرها من جماليات التمدن، تجر وراءها قصة تخطيط علمي محكم، قادته نخبة من الأسماء المتألقة في مجال علم هندسة المدن، وتصورت قبل عقود خالية شكل المستقبل، وفكرت في أخطاره وتحدياته، ورسمت التصاميم على « مكث »، وغيّرت وبدّلت، واستبدلت طرقا سريعة، بساحات خضراء، وعمارات شاهقة بحدائق، ومساكن عشوائية بعمارات متراصة، وجسورا معلقة، بفضاء رحب مفتوح على سماء ربك، ولم يخرج التصميم النهائي إلا بعد مخاض عسير، وأخذ ورد ومشورة، انتصر فيه في آخر المطاف صوت الحكمة والعِلم النافع، ذلك العلم الذي يخدم الإنسان ويمد له من أسباب الرخاء مدا.
وأما الغيرة على التراب، فهي أن كل مدينة من المدن التي تعتبر اليوم مدينة ناجحة في العالم، وتحتل كل عام مرتبة متقدمة ضمن مؤشرات رفاه المدن أو عافيتها الاقتصادية أو صداقتها مع البيئة أو سعادة أهلها، يقف وراءها جيل من الرجال والنساء الذين ناضلوا بصدق منقطع النظير من أجل ترابها، ضحوا بكل شيء من أجل مصالح المدينة. سياسيون لم ينخرطوا في سباق المسافات القصيرة والمصالح الضيقة. تعج قصص المدن الناجحة بأسماء سياسية فضلت الاستقالة من المنصب على أن يكتب التاريخ أنها ممن كانوا وراء إهدار فرصة، أو تمرير صفقة غير نظيفة، وبالحركات الاحتجاجية التي ناضلت بالعلم والاقتراحات البديلة ووسائل الإعلام، فأسقطت تحالفات مصالح من عروشها، ولازالت تذكر بخير ومنها من غادر المدينة والحياة معا ولازالت أسماؤها منقوشة بمداد من ذهب في شوارعها وتاريخها..
وأما بعد النظر، فألخص معناه في قصة أحد أعظم أنظمة الصرف الصحي في العالم. وهو نظام الصرف الصحي الخاص بمدينة لندن. عرفت عاصمة الضباب أزمة بيئية وصحية غير مسبوقة في القرن التاسع عشر، عرفت تاريخيا باسم « كارثة الرائحة الكريهة »، بسبب تلوث مياه المدينة واختناق مجاري الصرف الصحي وتراكم المخلفات البشرية والنفايات. جوزيف بازالغيت كان العالم العبقري الذي طوّر البنية التحتية الجديدة للصرف الصحي التي خلّصت العاصمة من الأزمة. غير أنه صمم البنية الجديدة وفي عقله أسوأ التوقعات (الفيضانات أو الأمطار الطوفانية) التي يمكن أن تلم بالمدينة في المستقبل البعيد جدا. فكان من نتائج هذا التفكير بعيد المدى أن أخرج إلى الوجود نظاما لازال يحفظ صحة المدينة إلى اليوم، ومن الطرائف أن تعلم بوجود جولات سياحية تعريفية للراغبين في التعرف على عظمة البنية التحتية التطهيرية للعاصمة، تتم داخل مجاري بازلغيت العملاقة.
وعموما من سمات المدينة الناجحة اليوم، معاداة السيارات والطرق السريعة والإسمنت، ومحاباة الراجلين والدراجات الهوائية والمساحات الخضراء، وولوجيات الأشخاص في وضعية إعاقة، والسياسات المبدعة، والوجوه السياسية الشابة، والأفكار المتمردة، والفنون والهدوء والسكينة. باختصار أكبر، العالم اليوم يشعر بأن كل شبر من إسمنت أو حديد يبنيه في فضاء فارغ يحد أفقه ويقصر نظره ويقيّد وجوده، لذا صار يعمل بجد من أجل حفظ ما تبقى من هذا الفضاء الرحب الطليق..

شارك المقال