«النفايات الإيطالية» بين سؤال الحق في الولوج إلى المعلومة والديمقراطية البيئية

18/07/2016 - 13:46
«النفايات الإيطالية» بين سؤال الحق في الولوج إلى المعلومة والديمقراطية البيئية

نبيل مدني
تبذل في الوقت الراهن مجهودات حثيثة لتطوير حقوق الإنسان، التي ارتقت من الحقوق المدنية والسياسية (أو ما يصطلح عليه بحقوق الجيل الأول)، مرورا عبر الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ووصولا إلى حقوق الجيل الثالث أو ما يصطلح عليه بحقوق التضامن، والتي يندرج ضمنها حق العيش في بيئة سليمة. وإن تكريس هذا الحق هو رهين بتيسير الولوج إلى المعلومة، عموما، والبيئية منها، خصوصا.
فقبل ذلك عرفت الساحة الحقوقية خلال السنوات الأخيرة تغيرات جوهرية جعلت من الحق في الولوج إلى المعلومة حقا أساسيا، بل وضروريا لتحقيق الحقوق الإنسانية الأخرى.
ويندرج في نطاق المعلومة البيئية، التي أصبح الولوج إليها حقا إنسانيا، كثير من أشكال المعلومة، حيث يمكن أن ترتبط بالحالة البيئية، أو بالعوامل المؤثرة على الحالة البيئية، أو بالتدابير والإجراءات، ولاسيما الإدارية منها، لحماية البيئة أو التخفيف والحد من تدهورها، أو بالحالة الصحية للإنسان، وبالأمن البيئي وبظروف حياة الأفراد، وأخيرا بالتقارير حول تطبيق التشريعات وبالنصوص التنظيمية البيئية، أو بالدراسات الاقتصادية التحليلية، وكذلك تقارير التحاليل المخبرية حول الوضع البيئي.
ومن خلال البحث في مختلف مصادر التشريع الدولي للبيئة حول الحق في الولوج إلى المعلومة البيئية، نجد أن أغلبها ركز على أهمية الولوج إلى المعلومة البيئية، ويمكن اليوم تأكيد أن هذه الأخيرة تشكل العنصر الأساس في تقييم البيئة وحمايتها.
أما في ما يتعلق بالحق في الولوج إلى المعلومة البيئية في التشريعات الوطنية، فقد نص الفصل 27 من الدستور بشكل عام على الحق في الولوج إلى المعلومة كحق دستوري لجميع المواطنين. وفي ما يخص المعلومة البيئية، فإن الوثيقة الدستورية أشارت إليها مرات عديدة، إن بشكل مباشر أو غير مباشر، انطلاقا من الفصول 31، 35 أو 151 أو من خلال التشريعات الوطنية البيئية (القوانين 11.03، 12.03، 13.03، 28.00 أو غيرها) التي نصت بصريح العبارة على ضرورة توفير المعلومة البيئية وجعلها متاحة للمواطنين.
وعلى سبيل المثال، فمن المبادئ الأساسية التي يرتكز عليها القانون 11.03، المتعلق بحماية واستصلاح البيئة، «إن حماية البيئة واستصلاحها يشكل منفعة عامة ومسؤولية جماعية تتضمن المشاركة، الإعلام وتقاسم المسؤوليات» (المادة 2). كما أن، حسب النص القانوني نفسه، كل متضرر له الحق في أن يطلب من الإدارة فتح تحقيق في الموضوع يتم إخباره بنتائجه في أجل لا يتعدى الستين يوما (المادة 76).
ومن جهة أخرى، أشارت مجموعة من الدراسات القانونية الحديثة إلى بروز شكل جديد من الحكامة البيئية، يرتكز على توفير المعلومة البيئية على نطاق واسع وشامل، ويؤكد أهمية الولوج إلى المعلومة البيئية في تكريس مبدأ المشاركة في مسلسل اتخاذ القرار المتعلق بالشأن العام البيئي. ويعتبر كثير من الباحثين أن هذا الشكل الجديد يمثل الموجة الثالثة من الحكامة البيئية التي يطلق عليها «التنظيم عن طريق الكشف» (regulation by revelation).
كما أن اتفاقية آريس (Aarhus) الدولية حول الإعلام البيئي، الذي يعد المغرب أحد أطرافها، تتجاوز الإطار البيئي لتلامس أيضا أسئلة الديمقراطية وتقاسم ممارسة السلطة بين الدولة، وأصحاب القرار الاقتصادي والمواطنين، وهو ما يعتبر شرطا أساسيا للتنمية المستدامة وللحكامة الجديدة التي تفرضها.
وعلى صعيد آخر، يندرج الحق في الولوج إلى المعلومة أيضا في سياق الأبحاث الحديثة المحيطة بفلسفة القانون، وخصوصا نظرية الديمقراطية التداولية، أو ما يصطلح عليه «التفاعل التواصلي». بالإضافة إلى ذلك، يمكن الإفشاء الكلي للمعلومة أن يسهم في تنوير مختلف الخيارات الممكنة التي تعتبر شرطا ضروريا لإعداد المعايير العمومية البيئية وضمان مشروعيتها.
وبالتالي، فإن المتأمل للنقاش الدائر حاليا في المجتمع المغربي، من خلال الندوات الصحافية وعبر المنابر الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي وغيرها، حول استيراد النفايات الإيطالية، ليعتبره نقاشا صحيا، ولعل من أهم ثمراته تشكيل وعي بيئي جمعي حول المشاكل البيئية التي لا تقل ضررا وخطرا عن غيرها من المشاكل الأخرى، بحكم أن البيئة هي المحيط الذي نعيش وسطه، ونقتات منه ونتكاثر فيه، ومنه التحسيس بأهمية الحصول على الحق في الولوج إلى المعلومة البيئية.
فالنقاش المذكور آنفا حول جدوى وسلامة الإجراءات المتعلقة باستيراد النفايات واستعمالها كوقود بديل في أفران مصانع الإسمنت، بغض النظر عن الرأي في سلامة وصحة ادعاءات الجهتين، يطرح إشكالية الولوج إلى المعلومة البيئية التي تعتبر أساس الديمقراطية البيئية. فإذا كانت بلادنا تسعى إلى إرساء مقاربة تشاركية في تدبير الشأن العام والترابي من خلال إشراك المواطنين في اتخاذ القرار السياسي، فإنه بالمنطق والمنطلق نفسيهما، ينبغي إشراكها أيضا في اتخاذ القرار البيئي، من قبيل، على سبيل المثال لا الحصر في علاقة بهذا الموضوع، توفير التحاليل المخبرية حول طبيعة هذه النفايات، وكذلك تحاليل عينات من الهواء المحيط بمداخن أفران مصانع الإسمنت بعد عملية الحرق، وتقارير الشرطة البيئية، وغيرها من المعلومات البيئية، والعمل على إتاحة الولوج إليها.
ومنه، ينبغي أن يرتكز النقاش الديمقراطي على قواعد سليمة في ما يتعلق بالمعلومة واتخاذ القرار. فتحقيق أهداف سياسية فعالة وناجعة يعتمد على معطيات ومعلومات كاملة وموثوقة. والمعلومة البيئية تشكل جزءا من هذه القواعد.
وخلاصة القول، فالديمقراطية لا تتحقق إلا من خلال إدارة كاملة الشفافية وقريبة من المواطن، وهما شرطان مرادفان للحكامة العمومية الجيدة، وبالتالي، فإن تيسير الحصول على المعلومة البيئية والولوج إليها يشكل تكريسا لديمقراطية بيئية ترتكز على إشراك المواطن في سيرورة اتخاذ القرار المتعلق بحكامة تدبير الشأن العام البيئي. ففي نهاية المطاف، فإن الحق في الولوج إلى المعلومة البيئية هو قبل كل شيء آلية في خدمة الديمقراطية والبيئة.
ومن هذا المنطلق، فإن الجدال والنقاش الحاد الذي رافق استيراد النفايات الإيطالية يوضح بشكل ملموس مدى أهمية إعلام المواطنين بالمعلومة البيئية في مجتمع ينبغي، وفقا للالتزامات الدولية والتشريعات الوطنية الحالية، أن تشكل حماية البيئة فيه هما كبيرا ومستعجلا.
فإذا كانت «المعلومة مرادفة للسلطة»، فإن تقاسم المعلومة هو تقاسم للسلطة، وبالتالي، فمن الطبيعي أن توجد توترات سوسيوسياسية حول الموضوع، وأنه لا يمكن الفصل بين تطور الدفاع عن «حق المعرفة» عن المعركة غير المنتهية حول توسيع مجال الديمقراطية. فالبيئة والديمقراطية مرتبطتان بشكل متواز، ولا بد، للحفاظ على الأولى، تعزيز الأخرى.

شارك المقال