لعل الجديد الذي حملته العملية الانقلابية بتركيا التي أعلن الرئيس طيب رجب أردوغان فشلها، ليس هو تحرك بعض عناصر الجيش ومحاولتهم الاستيلاء على مقاليد السلطة، دون أخذ الإرادة الشعبية بعين الاعتبار، وإنما هو سياقها السياسي وطريقة التفاعل معها، سواء من خلال ردود فعل مؤسسات الدولة أو نخبها الحزبية والإعلامية، وكذا تفاعل الشعب.
لقد عاشت تركيا طيلة سنوات على وقع الانقلابات والحكم العسكري، وعرفت فيها الديمقراطية والتمكين لسلطة الانتخابات والاختيار عبر صناديق الاقتراع مخاضا عسيرا، تراوح بين المد والجزر، إلى أن وصلت اليوم التجربة التركية إلى مستوى جعلها تُعتبر نموذجا يُحتذى سياسيا واقتصاديا.
وفي ثنايا هذا المخاض تحولت أشياء كثيرة، سواء على مستوى بنية الدولة، أو على مستوى فاعلية المجتمع السياسي والمدني، أو على مستوى نضج باقي مؤسسات التنشئة المجتمعية، وتوجهها نحو تعزيز المشترك الضامن لاستقرار البلاد المُفضي إلى التنمية الاقتصادية كما تشهدها اليوم تركيا.
هذا على المستوى الداخلي، أما على المستوى الخارجي، فلم يكن الفاعلون في النظام الدولي يتابعون بعين الرضى تقدم تركيا، وربحها درجات على سلم الدمقرطة والتنمية في الآن نفسه، لذلك ظلت مواقف هؤلاء الفاعلين متوجسة من النجاحات المتوالية التي حققتها البلاد بقيادة حزب ينطلق من مرجعيات قيمية وأخلاقية تختلف بشكل كبير عن القيم المؤطرة لمواقفهم ونظرتهم إلى مستقبل المنطقة والعالم بأسره.
مرجعية حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، المنتصرة للديمقراطية كأسلوب للوصول إلى الحكم، والمعلية من شأن إرادة الشعب، والمنفتحة على القرب الجغرافي والديني والتاريخي، زادت من توجس الفاعلين الدوليين الماسكين بخيوط استراتيجية تدبير جغرافيا العالم واقتصاده، فكان طبيعيا أن تتم معاكسة تركيا، وإيجاد تناقضات بينها وبين جوارها ومن لهم علاقات القرابة الدينية والتاريخية معها، وتعميق هذه التناقضات إن وُجدت، وهذا ما أشرت عليه محاولات الإيقاع بينها وبين دول أوروبية، وبينها وبين المملكة العربية السعودية وإيران وأخيرا روسيا، وكان الفاعلون الدوليون، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، يستغلون في كل مرة الأحداث الجارية المتفجرة لأسباب موضوعية أو المصطنعة، لجر تركيا إلى التدخل السياسي أو العسكري من أجل الإلهاء والإنهاك، كما حدث ومازال يحدث في المسألة السورية، أو كما تم استهدافها بعمليات إرهابية متتالية.
لكن الأتراك أبانوا عن وعي كبير بما يُحاك ضدهم وضد الفاعل السياسي الإسلامي عموما من خلالهم، باعتبار التجربة التركية باتت ملهمة للكثير من التيارات الإسلامية في عدد من الأقطار، ومطلب تكسير النموذج كان ملحا، سواء بالمحاصرة في مناطق النفوذ المفترضة، أو تعزيز التعاون والتنسيق مع خصوم حزب العدالة والتنمية في الداخل لإرباك التجربة، ولمَ لا الوصول إلى تفجيرها من الداخل، أو للضغط والابتزاز طلبا لمواقف معينة، أو تنفيذا لنصيب في استراتيجية إعادة ترتيب المشهد السياسي في منطقة الشرق الأوسط تحديدا.
وقد برزت التحديات، وظهرت التناقضات بشكل أكثر وضوحا بعد موجة الربيع العربي، من خلال دعم تركيا للشعوب العربية التي ثارت ضد حكامها، ورفضها المتواصل للانقلاب العسكري الذي عرفته مصر سنة 2013، وصمودها في الموقف المبدئي الرافض لنظام بشار الأسد، وإسنادها للشعب السوري على الرغم من التكلفة المالية والاجتماعية الباهظة، أو استمرار دعمها للشعب الفلسطيني لنيل حقوقه، يتم هذا بموازاة مع استمرار ترسيخ الخيار الديمقراطي داخليا، وهو ما عبرت عنه الاستحقاقات الانتخابية التي عرفتها البلاد، سواء الرئاسية أو البلدية أو التشريعية خلال السنوات القليلة الماضية، استحقاقات انتخابية ومكاسب اقتصادية مكنت تركيا من ربح مساحات إضافية داخل رقعة النفوذ الدولي، وهو ما أدى إلى تزايد حدة حنق الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ضد أردوغان وحزبه وكل الدولة التركية.
في هذا السياق، في اعتقادي، ينبغي فهم المحاولة الانقلابية الفاشلة التي عرفتها تركيا ليلة الجمعة 16 يوليوز 2016، سياق عززته شواهد كثيرة، منها تلكؤ الولايات المتحدة في التعبير الصريح من موقفها من محاولة الانقلاب فور إعلان بدايتها، والاكتفاء بتصريح ملتبس لوزير خارجيتها، جون كيري، بقوله إن الولايات المتحدة تتمنى استمرارية الحكومة المنتخبة، بما تستبطنه كلمتا «تتمنى» و«الاستمرارية» من دعم ضمني للعملية، أو على الأقل الوقوف موقف المتفرج المتردد في انتظار حسم السيناريو لصالح الانقلاب.
وفي هذا السياق أيضا لا يمكن الاعتداد بأي مواقف من الانقلاب الفاشل في تركيا، إلا ما كان في بدايته ولحظة التفاعل معه، أي قبل حسم المحاولة لصالح المؤسسات المنتخبة صاحبة الشرعية في ممارسة السلطة، وهنا نسجل مواقف دول قليلة منها قطر والمغرب اللتان أعلنتا على الفور رفضهما للانقلاب، ودعوتهما إلى الحفاظ على الشرعية والاستقرار بتركيا.
يمكن إذن القول إن تركيا نجحت في صد عدوان حقيقي استهدف ديمقراطيتها ومواقفها من الظلم والاستبداد العالميين، نجاح سيكون له ما بعده داخليا وخارجيا، أما داخليا فمن المؤكد أن الجبهة الوطنية ستزداد توحدا، خاصة مع مواقف المعارضة السياسية الرافضة للانقلاب، وأن الانسجام والاتفاق من أجل المصلحة التركية سيتقوى بين مختلف مؤسسات الدولة، خاصة المؤسسات التي تمثل الإرادة الشعبية ومؤسسة الجيش، ثم ستكون الفرصة أمام الرئيس طيب أردوغان لمواصلة تصفية من يعتبرهم خصوما له، خاصة جماعة الخدمة، وسيجد الفرصة مواتية لفضح اختراق أعضائها والمشتغلين لصالحها في مؤسسات الدولة، وطردهم منها عن طريق المحاكمة.
أما خارجيا، ففشل الانقلاب في تركيا سيُربك حسابات خصومها، وسيُبطئ، في أسوأ الحالات، تنزيل مخطط التمكين لإيران في بعض مناطق الصراع، وفق تقسيم ترعاه أمريكا لمحاصرة المد الديمقراطي الذي يتصدره الفاعل الإسلامي بعد الربيع العربي، وسيربك أيضا تقارب وتنسيق النظام المصري مع إسرائيل الخادم للتقسيم المشار إليه.
وثمة أمل كبير في أن ينعش فشل الانقلاب في تركيا ويحفز آمال الشعوب العربية في مواصلة معركتها ضد أنظمة الاستبداد، ويبت روحا جديدة في محاولات الانعتاق المتواصلة بطرق سلمية، خاصة بتأمل الدور الكبير والمفصلي الذي لعبه الشعب التركي ونخبه الطلائعية في إفشال الانقلاب، وإبطال مفعول تثبيت نظام عسكري كان سيُرجع تركيا إلى الوراء، ويُحبط معنويات من يُتابع بإعجاب مسارها الديمقراطي والتنموي.
شريط الأخبار
وفاة الصحفي في القناة الأولى شهاب زريوح
فركوس يعود إلى القاعات السينمائية بفيلم “الخطّابة” تكريماً لفضيلة بنموسى
مراد أسمر يطرح جديده الغنائي « راجع لي تاني » بروح شعبية عصرية
نقابة العدول التابعة لحزب الاستقلال تُنوه بالمعارضة جراء إحالتها مشروع قانون المهنة على القضاء الدستوري
وعكة صحية تُدخل عادل بلحجام غرفة العمليات
أولمبيك الدشيرة يعلن فك الارتباط مع المدرب مراد الراجي بالتراضي
المركز الروسي للعلم والثقافة بالرباط يحتفل بالذكرى81 لانتصار الشعب السوفيتي
القناة الأولى تراهن على الدراما التراثية من خلال سلسلة « بنت_الجنان »
ندوة دولية بالدار البيضاء تضع الهجرة تحت مجهر البحث الأكاديمي
2500 درهم لحضور حفل وائل جسار بالدار البيضاء يثير الجدل