سوء الجوار

22/07/2016 - 15:37
سوء الجوار

للجوار أهمية كُبرى للدول والأشخاص على حد سواء..فأحكامه الشرعية والاجتماعية ثابتة وواضحة بالنسبة إلى العلاقات بين الأفراد، أما الدول فمكانة الجوار فاصلة بالنسبة إلى استقرارها ونمائها. لذلك، حين ننظر إلى تصويت دول جوار المغرب على المقترح الإفريقي الخاص بـ « تجميد عضوية » ما يسمى « الجمهورية الصحراوية »، خلال الاجتماع السابع والعشرين الملتئِم في العاصمة الرواندية  » كيغالي » يومي 17 و18 من هذا الشهر، حيث رفضت أربع دول، هي: الجزائر وتونس وموريتانيا ومصر، قرار التجميد، ما يعني تأكيدها على استمرار الوضع على ما هو عليه منذ العام 1984.
لم يكن مفاجئا أن تُصوت الجزائر لصالح استمرار الوضع القائم، فهي كانت في أصل ميلاده، بل أشرفت على تأسيس ما يُسمى « الجمهورية الصحراوية »، ورعتها بالدعم، والتوجيه، والإشراف المباشر، ما كان غير متوقع بشكل فائق هو الموقف التونسي، الذي ظلت سياسته الخارجية على قدر كبير من التوازن والحياد الإيجابي، قبل سقوط نظام « بنعلي » في 14 من يناير 2011، وحتى بعده. أما موريتانيا، فيمكن للمتابع لمواقفها الأخيرة حُيال ملف الوحدة الترابية للمغرب أن يُرجح انحيازها إلى قرار رفض المقترح الإفريقي، والأمر نفسه بالنسبة إلى مصر، بالنظر إلى شبكة العلاقات التي ربطتها بالجزائر في سياق ما سُمي « الربيع العربي »، لاسيما بعد سقوط حكم « الإخوان المسلمين ». لذلك، يمكن للمرء أن يطرح فرضيات عدة لتفسير مواقف الجوار السيئ للمغرب. فهل مثلا أن طبيعة النظم السياسية الحاكمة في كل من الجزائر وموريتانيا ومصر مسؤولة عن قرار بلدانها الأخير، حيث تشترك الدول الثلاث في الجوهر « العسكراتي »، على الرغم من « التعددية الحزبية » التي تتحكم في حياتها السياسية والمدنية؟ وإذا كان لهذه الفرضية قدر من الصدقية في التفسير، فهل تَفرُّد المغرب بتجاوز « الحَراك العربي » بقدر لافت من السلاسة والذكاء، وإقدامه على إصلاحات سمحت بضمان الاستقرار والاستمرار، كان سببا لحصول مثل هذا الاصطفاف المضِرّ بمصالح المغرب. لكن بالمقابل، لماذا صوّتت تونس لغير صالح المقترح الإفريقي على الرغم من أنها قادت ما سُمي « الربيع العربي »، وشهدت ومازالت تشهد خطوات انتقالية من أجل توطيد عملية الدّمقرطة في ربوعها؟ هل يُفسر هذا بوجود تأثير إقليمي، وتحديدا ضغط أو إغراء جزائري أقنع الخارجية التونسية بالاصطفاف إلى خانة مؤيدي بقاء « الجمهورية الصحراوية » داخل حظيرة الاتحاد الإفريقي؟
الآن، وقد حصل ما حصل، ما الممكن استخلاصه من عملية التصويت على المقترح الإفريقي الخاص بتجميد عضوية « الجمهورية الصحراوية »؟
لابد من التأكيد أولا على أهمية واستراتيجية الموقف الجديد للمغرب تجاه « الاتحاد الإفريقي » وعزمه العودة إلى هذه المنظمة التي غادرها منذ العام 1984. فالزمن الفاصل بين تاريخ الانسحاب واليوم، كفيل بتقييم سياسة بلدنا حُيال العمل المؤسسي الإفريقي، وموازنة الأرباح بالخسائر، بُغية صياغة سياسات جديدة تجاه هذه القارة. والواقع أن الحكمة تقول إن أداءنا خلال العقدين الأخيرين كان منتظما، ومُثمرا، وفعالا تجاه دائرتنا الإفريقية، وإننا استطعنا ترجيح الكفة باقتدار لصالح ملف الوحدة الترابية، وإن علاقاتنا البينية مع المحيط الإفريقي، ولاسيما في جناحه الغربي، راكمت وأنجزت الكثير، وإن المستقبل واعد ومطمئن بالنسبة إلى شركائنا الذين ما انفك يتوسع حجمهم ويتزايد عددهم. والأكثر من هذا أصبحت لدينا مبادرات محترمة وفعالة وناجعة تجاه هؤلاء الشركاء، وحتى في نظر الأطراف الدولية من داخل أوروبا وخارجها. وبذلك، يحق لنا استثمار أرصدة القوة التي حققناها لبناء موقع جديد أكثر تأثيرا داخل الاتحاد الإفريقي، عوض أن نستمر في ترك مكاننا فارغا.. والطبيعة لا تقبل الفراغ كما يُقال.
لقد انتزعنا ثمانية وعشرين صوتا لصالح مقترح تجميد عضوية « الجمهورية الصحراوية »، من أصل أربع وخمسين دولة عضو في الاتحاد الإفريقي، وحيث إن قوانين هذا الأخير تشترط نسبة ثلثي الأعضاء لقبول مقترح من هذا النوع، فإن المعركة مازالت مفتوحة أمامنا، وهي في كل الأحوال معركة تستلزم منا، ومن صناع القرار بمختلف درجاتهم في بلدنا جهودا أكثر، وصبرا أقوى، وحنكة في الاجتهاد والتفكير والإقدام على المبادرات الخلاقة.. وهذا ليس بصعب على بلدنا.

شارك المقال