الإرهاب حالة أوروبية أم إيديولوجية أوروبية

26 يوليو 2016 - 10:47

تفاجأ الجميع من تباطؤ السلطات الألمانية عن تقديم معطيات حول الهجوم على مركز “ألمبيا” التجاري بمدينة ميونيخ، هذا مع وجود شهود عيان أعطوا تفاصيل دقيقة عن الحادث ونشروا عبر وسائل التواصل الاجتماعية مقاطع فيديو توثق للهجوم.
البعض علّل هذا السلوك بطبيعة الألمان المتسمة بالهدوء وعدم التسرع حتى استكمال التحريات، فيما علّل تأخر تفاعل الحكومة الاتحادية بالبيروقراطية الألمانية ووجود أغلب مسؤوليها في فترة إجازة.
لكن في الأخير اضطرت أن تعلن ألا صلة للمسلمين بالهجوم، وأن الأمر يتعلق بألماني من أصل إيراني، مريض نفسيا، استدرج أصدقاءه الذين كانوا ينتقصون من ألمانيته لأسباب عنصرية ليقوم بتصفيتهم، دون أن تذكر ضمن التفاصيل معتقده المسيحي!
والواقع أن هذا السلوك ليس إبداعا ألمانيا، بل هو يشكل حالة أوروبية، إذ يختلف التعاطي مع الإرهاب سياسيا وإعلاميا بحسب مبرراته، فإذا ظهرت مؤشرات على صلته بالمسلمين، يتم تهويل الموقف واستثماره، وإذا أظهرت التحريات طابعه الأوروبي، يتم الجنوح لأسلوب التباطؤ وإقحام علماء النفس والاجتماع وتفسير الحادث بالاختلال النفسي وضعف التكيف والاندماج لمرتكب الهجوم!
المعطيات الرقمية تقول بأن الإرهاب في أوروبا منذ 1970 إلى سنة 2016، هو حالة أوروبية، وأن ما يسمى بالتطرف الإسلامي فهو طارئ ومحدود بالمقارنة مع السجل الطويل من الإرهاب الذي تعرضت له دول أوروبا.
تشير معطيات قاعدة بيانات الإرهاب العالمي أن أغلب الهجمات التي استهدفت فرنسا، طيلة هذه الفترة تندرج ضمن خانة العنف السياسي (الجبهة الوطنية لتحرير كورسيكا، ومنظمة “إيتا” الباسكية، وجبهة تحرير بريستون، والجناح اليميني المتطرف، والجيش السري لتحرير أرمينيا ومجموعة النازيون الجدد..) وأن هجمات التطرف الإسلامي ما بين 2015 و2016 تبقى جد محدودة بالقياس إلى السجل الحافل من العنف السياسي ذي الطبيعة الأوروبية.
الملاحظة نفسها تسجل في إسبانيا، وبلجيكا وبريطانيا، وتظهر المفارقة في ألمانيا التي عرفت أكبر موجة إرهاب – حسب ما توفره قاعدة البيانات نفسها، ما بين 1990 و1997، والتي كان سببها الرئيس مجموعات النازيين الجدد أو حزب العمال الكردستاني أو اليمين المتطرف الإرهابي…، وأن فترة ما بين 2013 و2016 التي عرفت تصاعد التطرف الإسلامي في عدد من البلدان الأوروبية، كان الإرهاب في المانيا إما مجهول المصدر أو منسوبا إلى اليمين المتطرف أو مجموعة النازيين الجدد.
لا تشذ حالة بريطانيا في أوروبا عن الحالات السابقة، وتبقى الأكثر وضوجا من حيث غلبة عمليات العنف السياسي ذات البعد الانفصالي، مثل إسبانيا.
تقرير المؤشر العالمي للإرهاب لسنة 2015 أكد هذا التوجه، إذ كشفت معطياته تصدر الهجمات التي ينفذها أفراد لم يثبت انتماؤهم إلى أي تنظيم (lone wolf attacks) بـ 164 هجمة في مقابل 74 هجمة من جهات متعددة، وذلك ما بين 2006 و2014، وكشف أن نحو 67 في المائة من هذه الهجمات مصدرها العنف السياسي، وأن ما يتعلق بالتطرف الإسلامي لا يتعدى 19 في المائة.
معطيات السوسيولوجيا تؤكد أن سجل الإرهاب في أوروبا أوروبي قبل أن يتحول في بعض منعطفاته إلى تطرف إسلامي، وأن شكل تعاطي صناع القرار السياسي معه لا يستند في كثير من الأحيان إلى أسس علمية، لكن، للأسف، تريد أوروبا لاعتبارات أمنية وسياسية، وربما عنصرية أيضا، أن تجعل من الإرهاب إيديولوجيا تستعملها ذريعة ضد المسلمين للتخفف من التزاماتها الحقوقية.
هل من المصادفة أن يضرب الإرهاب بلجيكا، مقر الاتحاد الأوروبي، ثم يتوجه ثانيا إلى ضرب فرنسا، ويأتي حادث الهجوم على ألمانيا، أي رمز الاتحاد، والدولتين اللتين لا تزالان تتشبثان بقوة باستمراره، هذا في الوقت الذي تتذرع فيه عدد من الدول الأوروبية بالهجرة للتنصل من التزاماتها داخل الاتحاد الأوروبي.

شارك المقال

شارك برأيك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

التالي