الإرهاب والديمقراطية

28/07/2016 - 15:47
الإرهاب والديمقراطية

في لحظة جوهرية من الحياة الوطنية، يُتحفنا القادة السياسيون الفرنسيون بمشهد مؤسف. إذ بينما أبانوا عن حرفية ووعي بالمصلحة الوطنية عقب هجمات (نونبر) 2015، يبدو اليوم، أنهم نسوا جميعهم أنه يجب عليهم، في هذه الساعة الجليلة، تجسيد القيم الأساسية لبلادنا (أي فرنسا). فقادة الأغلبية ظهروا في وضع يبعث على السخرية بسبب تناقضاتهم (هل الهجوم من تنفيذ إسلامي متطرف أم لا؟)، وبسبب تغيير رأيهم في قضية أساسية (لماذا تمديد حالة الطوارئ وقد تم للتو الإعلان عن رفعها، وهي على كل لم تحل دون حدوث مأساة « نيس »)، وبسبب عجزهم عن العثور على الكلمات الكفيلة بخلق وحدة وطنية. أما قادة المعارضة، فقد أساؤوا لأنفسهم أكثر بإطلاقهم لـ « بوليمك » مقيت حول المسؤولية المزعومة للحكومة عن هذا الصنيع غير المتوقع، وباقتراحهم لإجراءات قمعية غير مدروسة. هل يعتقدون أنه من الممكن والمفيد طرد أجنبي بعد أي إدانة مهما كانت طبيعتها؟ من الممكن والمفيد إغلاق الحدود الوطنية؟ حبس كل المشتبه فيهم المسجلين في خانة « S » (أي المشتبه في تهديدهم للأمن الوطني الفرنسي) في معتقلات إلى أجل غير مسمى؟ إعلان حالة الحصار؟
حتى لو افترضنا أنها قابلة للتنفيذ، فإن هذه الإجراءات لن تحول دون وقوع أي هجوم، وستحول البلاد إلى آلة شمولية استبدادية (totalitaire) عملاقة، بعشرات الآلاف من رجال الشرطة على الحدود، ومراكز اعتقال تضم 10 آلاف شخص، وآلاف الأسر المدمرة بفعل طرد أب مدان بسبب تصرفات لا علاقة لها بالإرهاب. إن قمنا بهذا الأمر، فإننا – ودون تحقيق أي نجاح بوليسي – سنقوض أركان ما يشكل جوهر أمتنا وما يريد الإرهابيون تدميره، أي: الديمقراطية.
يجب علينا أولا أن نعي تمام الوعي أننا نشكل عائلة كبيرة، حيث مصلحة كل واحد من أعضائها تكمن في الدفاع عن الآخرين وتقديم العون لهم. إننا نحتاج إلى « الإخاء » إن كنا حقا نسعى إلى هزيمة الإرهاب دون أن نفقد ما يُشكّل جوهر روحنا.
لا شك أننا في حاجة إلى مزيد من الأموال لدعم الشرطة والجيش، ولتتوقف سجنونا عن التحول إلى « مصانع » لإنتاج المنحرفين أو الإرهابيين. أكثر من هذا، يتعين الاستثمار في التكنولوجيات الحديثة للمراقبة، ولكن قبل هذا وذاك نحتاج بالأساس إلى تعبئة ديمقراطية عامة في مختلف أصناف قوات الاحتياط – سواء في الحرس الوطني أو الأمن المدني- كما اقترح ذلك، عن حق، وزير الداخلية، وذلك باسم معركة من أجل الديمقراطية.
من الضروري، كذلك، إنفاق مزيد من الأموال على مؤسسات التعليم الأولي والابتدائي، وعلى الإعداديات (colleges) حتى لا يكون أي طفل محكوما بفقدان حياته بسبب الصدفة التي رمته في وسطه العائلي.
أخيرا، نحن في حاجة إلى تطوير كل شبكات الإخاء، وبالخصوص مساعدة البرجوازية الإسلامية الناشئة على الاهتمام بالمهمشين في مجتمعها، كما فعل أصحاب الديانات الأخرى.
نعم، إن العقاب ضروري. ولكن إذا ما اكتفينا به، فإننا سنسلم السلطة طبعا إلى أولئك الذين يقترحون الأسوأ. إذاك ستصبح الحرب الأهلية، التي يا ما تمنّاها أعداء الجمهورية، أمرا لا مناص منه.
حان الوقت لكي تستيقظ الطبقة السياسية من سُباتها أو فلترحل. عليها أن تستوعب جيدا أن مكافحة الإرهاب ليس من مسؤولية الدولة لوحدها، وعليها أن تدرك أن لا وجود لـ « فرنسا لليسار » و »فرنسا لليمين ».
فليتوقف هذا المشهد الذي يبعث على الأسى، ولنتحدث أخيرا عما يشكل عظمة الأمة: العيش المشترك، الإيثار (altruisme)، ولنقوم بالتعبئة العامة الوحيدة الجديرة باسمها، وذلك ضد الأنانية وضد تفكير كل واحد في نفسه فقط.
ترجمة مبارك مرابط عن « ليكسبريس »

شارك المقال