تحليل l التكنوقراط.. جسر تاريخي منيع بين القصر والحكومات

31 يوليو 2016 - 23:22

قبل بنكيران بتحوّل وزير سياسي في الحكومة السابقة إلى تكنوقراطي في حكومته، هو وزير الفلاحة عزيز أخنوش، وقبل أيضا بثنائية الوزراء على رأس كل من الخارجية والداخلية.

أما وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية التكنوقراطي، أحمد التوفيق، فوجّه رسالة مبكّرة إلى بنكيران حين سحب منه البناية المخصصة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، داخل المشور السعيد، بالقصر الملكي بالرباط، والتي كانت مُعارة للوزارة الأولى نظرا لضيق مساحة هذه الأخيرة.

فقبل وصول بنكيران، إلى المشور السعيد، حلّت شركة متخصصة في أشغال البناء، وتوّلت مهمة “إفراغ” هذه البناية وتحريرها من مكاتب الوزارة الأولى، مع بناء جدار جديد يفصل تماما بين الوزارتين، ويمنع أي عودة لمصالح وزارة بنكيران، إلى الجزء الذي كان مُستعارا من وزارة التوفيق.

فيما يعود تاريخ الإعارة إلى عهد الوزير الأول، الاتحادي عبد الرحمان اليوسفي، والذي كان قد عمد بعد تعيينه إلى شغل جزء من مقر وزارة الأوقاف المجاورة للوزارة الأولى، لمحاولة تجاوز النقص الكبير في المساحة التي تحتاجها الوزارة الأولى في مباشرة مهامها.

وبقي هذا الوضع قائما على عهد حكومتي إدريس جطو وعباس الفاسي، لينتبه أحمد التوفيق، إلى ضرورة استعادة وزارته لبنايتها المعارة قبيل حلول عبد الإله بنكيران بمكتب عباس الفاسي.

خاصية أخرى مشتركة بين حكومة بنكيران ونظيرتها، التي شكلها الاشتراكي عبد الرحمان اليوسفي، تتمثل في احتفاظ الوزراء التكنوقراط بحضورهم القوي داخل الحكومة، مع ما يعنيه ذلك من ارتباطهم المباشر والحصري بقنوات التعليمات القادمة من مصدر تعيينهم، أي القصر الملكي.

استمرار كان شيخ الاشتراكيين، عبد الرحمان اليوسفي، قد قال عنه في خطبة بروكسيل الشهيرة، إن أول ما يجب القيام به “هو عدم التمسك بمفهوم “وزراء السيادة” غير المنصوص عليه في الدستور، وبالتالي إسناد كل الحقائب الوزارية بدون استثناء إلى الأحزاب المؤهلة للمشاركة في الانتخابات، الشيء الذي لن يضر بأي شكل من الأشكال بالتوافق بين الوزير الأول الذي يقترح أسماء الوزراء على جلالة الملك وبين جلالته الذي يعود إليه قرار تعيينهم تطبيقا للمقتضيات الدستورية”. وبعد عقد كامل من تلك الخطبة، رأى البعض أن الإسلاميين ارتموا في حضن الملكية، مما يهدد بإبعادهم عن القواعد الشعبية كما حصل للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من قبلهم، ولعبد الرحمان اليوسفي الذي تم استعماله في مرحلة معينة ثم وُضع على الهامش.

قلعة الداخلية منيعة

ملاحظات من بين أخرى لا يبدو أن رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران يعيرها كثير اهتمام، فالإصلاح برأيه يتطلّب وقتا، ولا شيء يتم مرة واحدة. وراح رئيس حكومة الدستور الجديد يقدم عربون الثقة، فجاءت التنازلات المبكرة بعملية التعيين الأولى في الإدارة الترابية، حيث بدت لائحة الولاة والعمال الجدد خالية من بصمة التغيير، واللمسة الوحيدة التي وضعها بنكيران على اللائحة التي طُبخت عند أم الوزارات، كانت اعتراضه “اللطيف” على العامل السابق للمحمدية عزيز دادس، والذي جبر به الملك خاطر رئيس حكومته، واستبعد دادس من لائحة المعيّنين.

وضع شبه مماثل كان شيخ الاتحاديين، عبد الرحمان اليوسفي، قد عاشه خلال تجربته الحكومية، حين لم يستطع أن يلتقي بالولاة والعمال إلا بعد موافقة وزير داخليته إدريس البصري. فقد كان اليوسفي يعتزم الاجتماع بممثلي الملك في العمالات والأقاليم، لكي يعرض عليهم تصوره واستراتيجية حكومته التنموية والاقتصادية والاجتماعية.

وكان اليوسفي في قرار نفسه يعتبر أن المقاربات الأمنية التي تحكمت لمدة عقود في أجهزة وزارة الداخلية، والتي حولت بعض العمالات إلى أداة إعاقة السياسات الحكومية، وتركيز الواقع عوض أن تنخرط العمالة والولاية في خدمة التنمية كما تتصورها الحكومة.

ورغم لجوء اليوسفي حينها إلى قواعد حزبه وجريدته للاحتجاج على فيتو إدريس البصري، فإن الوزير الأول لم يُلق كلمته إلا بعد أن افتتح إدريس البصري ذلك الاجتماع التاريخي.

وواصل اليوسفي مسيرته الحكومية منذ ذلك الحين، وهو يعلم أن الولاة والعمال لا ينفذون سياساته ولا قراراته.

وكان هذا أحد التنازلات التي قادته في الأخير إلى خطبة بروكسيل الشهيرة، ثاني الإشارات كانت تشريعية، حيث كان أول مشروع قانون يخرج من مطبخ الأمانة العامة للحكومة، ويوضع فوق مكتب رئيس الحكومة الحالية، يتعلّق بالعسكريين وينص على تمتيعهم بحصانة واسعة ضد أية ملاحقة جنائية.

وينص هذا النص على أنه :”لا يسأل جنائيا العسكريون بالقوات المسلحة الملكية الذين يقومون، تنفيذا للأوامر التي تلقوها من رؤسائهم التسلسليين، في إطار عملية عسكرية تجري داخل التراب الوطني، بمهمتهم”.

وتضيف المادة المضمنة في مشروع القانون الجديد، أن العسكريين المغاربة يتمتعون بـ”حماية الدولة مما قد يتعرضون إليه، من تهديدات ومتابعات أو تهجمات أو ضرب أو سب أو قذف أو إهانة، بمناسبة مزاولة مهامهم أو أثناء القيام بها أو بعدها”.

حوار علني

ظلّت العلاقة بين رئيس الحكومة والقصر متسمة بحوار دائم ومستمر، حيث أمكن للرأي العام لأول مرة البقاء على اطلاع حول درجة حرارة خطوط الاتصال بين الطرفين، وفترات اتّسامها بالدفء ومراحل اشتعالها بالنيران.

الاستثناء الذي يتفرّد به رئيس الحكومة الحالي، هو أسلوبه في التواصل والخطابة والكشف الدائم لما يجري في الكواليس وإن جزئيا.

ومن جانب المشور، تمتّعت هذه الحكومة بقدر وافر من الدعم والثقة، بالنظر لحاجة التوازنات المالية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية لفترة من الاستقرار والثقة في المؤسسات القائمة.

دعم تجسد أساسا في رفض المغرب الانسياق وراء موجة الردة التي عرفها العالم العربي بعد سنتين تقريبا من الربيع العربي، والتي أطاحت بجل حكومات الإسلاميين التي صعدت إلى الحكم في 2011.

الانتخابات المحلية التي كان يفترض أن تجرى عام 2012 وظلّت مؤجلة إلى غاية 4 شتنبر 2015، كانت لحظة فاصلة في علاقة المؤسستين الملكية والحكومية، حيث بدا أن إصرار رئيس هذه الأخيرة على المواجهة السياسية مع خصومه المنزعجين من احتفاظه بقدرة انتخابية وتعبوية كبيرة، قد جرّ عليه نفورا قادما من وراء السور المخزني.

وهكذا أصبح بنكيران يوجّه مدفعيته الثقيلة نحو الحزب الذي أسسه مستشار الملك، فؤاد عالي الهمة، ويجهر بجفاء العلاقة بينهما ويقول إنه ليس من الضروري، أن يكونا سمنا على عسل، ويعلن أن رضا والدته هو ما يحرص عليه، بينما العلاقة مع الملك تقوم على الاحترام والوفاء، ثم يخرج في جلسات ليلية رمضانية ليقول بشكل علني إن في المغرب دولتين، واحدة يرأسها الملك محمد السادس وأخرى مجهولة الرأس والامتدادات. وبعد كل هذا يقاطع مؤتمرا دوليا انعقد في مدينة طنجة، ويفسّر ذلك بتلقيه الدعوة من غريمه السياسي الأول إلياس العماري.

مأزق التفاوض

لم تكن خرجة بنكيران الأخيرة، في ملتقى شبيبته بأكادير الأسبوع الماضي، لتبدد هذا التوتر، حيث قال إنه إذا كانت هناك غضبة ملكية فـ”خليوها بيني وبينه”، موضحا أن الملك قد يكون غضب منه مرة ومرتين وثلاث..

وبذلك يظل التساؤل :”هل تشهد السنة الـ17 من حكم الملك محمد السادس، التجديد لرئيس حكومة ليستمر لولاية ثانية؟ أم يفضي التفاوض الجاري إلى حلّ وسط يقضي باحتفاظ الحزب برئاسة الحكومة في حال تصدره للانتخابات مع تغيير الرئيس؟ أم أن طريقا ثالثا في طريقه إلى النجاح، من خلال صعود الجرار نحو الصدارة وإزاحته حزب المصباح من رئاسة الحكومة؟

شارك المقال

شارك برأيك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

التالي