17 سنة من الحكم‏

30 يوليو 2016 - 22:00

أمضى 17 سنة على عرش المغرب، بحلوها ومرها.. أمضى 17 سنة يجوب المغرب شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، من أجل تدارك التأخر الاقتصادي والاجتماعي في مغرب والده.. أمضى 17 سنة في إدارة الملفات الكبرى والصغرى، حتى جاء دستور 2011 فأشرك معه ممثلي الشعب، في الحكومة والبرلمان، في إدارة جزء من الحكم. أمضى 17 سنة يحاول أن يرسم لبلاده صورة مغايرة للبلدان العربية المكبلة بالسلطوية من الأعلى، والأصولية الدينية من الأسفل. أمضى 17 سنة يتقرب من الفقراء والمهمشين من أجل إعادة الاعتبار إليهم، والدفع بهم إلى الاندماج في اقتصاد مدر للدخل ومنتج للشغل. أمضى 17 سنة يتواصل مع شعبه بطريقته الخاصة.. العمل لا القول، الصورة لا الكلام. أمضى 17 سنة يحاول تحديث البنية التحتية لدولة مركزية تقاوم الجهوية واللامركزية. أمضى 17 سنة يحاول إزالة الحجر الذي وضعته الجزائر في قدم المغرب، جاعلة من الصحراء جرحا نازفا على الدوام. أمضى 17 سنة محاطا بقلة من زملاء الدراسة خريجي المدرسة المولوية، وحتى الوافدين الجدد من خارج هذه الدائرة على الديوان الملكي ظلوا ثانويين وليسوا مؤثرين في القرار، كما المجموعة الأولى. أمضى 17 سنة يدشن الأوراش، ويطلق المبادرات، ويشرف على المخططات في بلاد مازالت مؤسساتها لا تشتغل، وتحتاج دائما إلى «إرادة مولوية» للتحرك والفعل في الميدان. أمضى 17 سنة يحلم بمغرب لا يختلف عن جنوب أوروبا، لكن العين بصيرة واليد قصيرة.

هذا هو محمد السادس الذي جاء سنة 1999 إلى عرش عمره حوالي أربعة قرون، في الوقت الذي كان جل المراقبين يشكون في قدرة هذا الشاب المتحفظ على قيادة مملكة والده الذي حكم المغرب لمدة 38 سنة، وحكم المغاربة بكل فنون الحكم، من السياسة، إلى القمع، إلى الدعاية، إلى الدين. لكن الشاب الذي جاء صفحة بيضاء إلى السلطة، فاجأ الجميع بذكاء وسرعة حركته، واستطاع، في وقت وجيز، أن يحيط نفسه بإجماع القوى الفاعلة والأحزاب الكثيرة حوله وحول مشروعه، بطريقة لم تتح لوالده الذي مر بصراعات دامية لترويض اليسار ثم الجيش ثم أحزاب الحركة الوطنية… محمد السادس ما عاد ملكا شابا، ولا عهده جديدا، صار ملكا وكفى، فلا هو ملك شرقي ولا هو ملك غربي، هو بين الاثنين، يحاول أن يجرب صيغة للحكم لا تتناقض مع الديمقراطية ولا تتطابق مع السلطوية. إنه يبحث، ومعه الطبقة السياسية التي تتفرج، في غالبها، ولا تبذل مجهودات تذكر لتحديث نظام الحكم، وإبعاده عن موروثات المخزن ودولته ونمط عيشه.

ما مضى أسهل مما بقي في بلاد تعيش انتقالا ديمغرافيا كبيرا ميزته الرئيسة هي سيادة الشباب فوق الهرم السكاني للمغرب. هذا الشباب الذي يشكل فرصة وتحديا في الوقت نفسه.. هو فرصة للبناء والاستفادة من الطاقة الحيوية للعنصر البشري، وهو، في الوقت ذاته، تحد للدولة للصمود أمام اتساع حاجيات الشباب وقلة صبرهم وكثرة مطالبهم. إنه شباب يعيش زمنه ويحيا عصره، ويريد أن يقلد أقرانه في العالم الغربي المتقدم، ويريد حقوقه كاملة غير منقوصة في الحرية والتعليم والعمل والأنترنت والسكن والترفيه والكرامة.

وكل هذه الموارد محكومة بقانون الندرة وليس بقانون الوفرة في بلاد مازالت تصارع من أجل تحقيق معدلات نمو مقبولة، فما بالك بتحقيق التنمية، والفرق كبير بين النمو والتنمية، كما يعرف الاقتصاديون.

الربيع العربي في جل البلدان انفجر من هذه «العقدة» المتمثلة في العجز عن تدبير الانتقال الديمغرافي الذي يلتصق به العجز عن تدبير السلطة والثروة بما ينسجم مع الديمقراطية ومبادئ الحكامة… ولهذا انفجرت أنظمة، وتفككت دول، وغرقت مجتمعات في حروب أهلية كان من الممكن تلافيها لو تحرك الحاكمون في الوقت المناسب، وفي زمن الإصلاح الذي كان متاحا قبل أن تعصف رياح الاحتجاج بالأخضر واليابس.

نعم، في المغرب حكومة وبرلمان وأحزاب ومجالس جهات وجماعات محلية ونقابات، لكن مع كل هذا اعتاد الناس أن يدقوا أبواب القصر، مادام القصر جالسا في مركز القرار والسلطة، ومادامت الثقافة السياسية للنخبة وللشعب مازالت تقليدانية تتوجه إلى الأشخاص لا إلى المؤسسات.

إن المرونة والذكاء اللذين تعامل بهما محمد السادس قبل خمس سنوات مع شارع يغلي، وشباب يصيح ضد الفساد والاستبداد في شوارع المملكة، هما اللذان أعطيا المغرب الفرصة لتجريب طريق ثالث للخروج من العاصفة غير طريق «ارحل» الذي رفعه شباب ساحات التحرير، أو «اصمت» الذي رفعته الأنظمة المتكلسة. الطريق المغربي هو الإصلاح من الداخل، والتقدم بخطوات صغيرة، لكن آمنة. هذا الخيار يواجه اليوم مخاطر وصعوبات، فالبعض يريد أن يصنع خريطة سياسية جديدة من خارج صناديق الاقتراع، ويريد أن يقفل مسلسل الإصلاحات يوم السابع من أكتوبر، والعودة إلى الوراء في محاولة لإقناع الدولة بأن هذا الخيار في صالحها.

شارك المقال

شارك برأيك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

أنور ايت بحماد منذ 4 سنوات

ثمن الديمقراطية ليس بالزهيد وتمجيد الأشخاص اول سهم في عين الديمقراطية التي تقابل العيش الكريم، شغل، تعليم، صحة، أمن، مساواة، مسؤولية، حب وطن دون الركوب عليه لتحقيق مكاسب شخصية ضيقة جدا-خدام الدولة وما خفي أعظم- ، تمس تماسك الوطن داخليا وبالتالي إضعافه خارجيا، تحت رعاية الدولة العميقة

salim منذ 5 سنوات

بقي فقط التوجيه والحرص على أن يكون تنزيل الدستور بشكل يتماشى مع روحه.

Mohamed منذ 5 سنوات

انتخابات 7اكتوبر 2016 ستكون هي الفيصل في المسار الديمقراطي و التنموي والاستقرار السياسي و الاجتماعي والامني في المغرب فاما ان نبقى سائرين على هذا الدرب ولو بخطى بطيئة لكن ثابتة واما ان نسقط في هاوية ما قبل 1999 ويعلم الله كيف ستكون العواقب

جواد منذ 5 سنوات

بن كيران لم يخطئ كلامه صحيح حينما تحدث عن وجدود دولتين. لقد سبق الحديث عن هذا الموضوع من طرف العديدي من السياسيين والاكادميين والمحللين ولو بوصف مخالف تارة يتكلمون عن الدولة الموازية وتارة اخرى عن حكومة الظل وعن العفاريت والتماسيح وفي الاونة الاخيرة نلاحظ ان هناك هجوما منسقا على السيد رئيس الحكومة المغربية يتضح من خلال الملاحظات التالية : تسريب خبر مفاده ان الملك غاضب من بن كيران اليس هذا استغلال المؤسسة الملكية من اجل ضرب حزب معين. هناك احد الوصلات الاشهارية تبث على احدى الاذاعات الخاصة تحث المواطنين على التسجيل في الانتخابات وفيها رسالة مشفرة للمواطنين من اجل تغيير رايهم وعدم التصويت على حزب بن كيران. استضافة التيجيني مقدم برامج ضيف الاولى للسيد العماري وقد كان هذا اللقاء فرصة لتصفية الحسابات من الطرفين المقدم والضيف بل المقدم هو الذي كان ضيف عند العماري وحتى مستخدموا القناة الاولى استنكروا هذا التحايل المفضوح وكانت اخر حلقة في هذا الموسم مما يعني ان حق الرد غير مضمون. العماري استغل كذلك المؤسسة الملكية حينما يقول ان الملك غاضب من بن كيران وقال كذالك انه في سنة 2011 اعطيت له الاوامر من اجل اتاحة الفرصة للبيجيد من اجل الفوز فمن هي الجهة التي اعطته الاوامر. العماري رافق الملك في زيارته للصين وكان الوحيد من بين النتخبين والامناء العامين للاحزاب وقد استغل هذا الظهور م من اجل الترويج لنفسه واعطاء صورة على ان الملك راضي عنه. مؤسسة رئاسة الحكومة تتعرض للتشويه والتحدي من طرف البعض. اليست هذه مؤسسة دستورية وجب الاحترام لها. شباط ولشكر اتهما رئيس الحكومة بالداعشية والانتماء للموساد وهي اتهامات باطلة تسئ للوطن فبل رئيس الحكومة. اليس هذا اعتداء على مؤسسة دستورية. وآخر قضية وهي"خدام الدولة "التي اثارت الر اي العام .

عبد المجيد العماري منذ 5 سنوات

وماذا قال عن "خدام الدولة" وعقاراتهم التي سلبوها.بعد 17 عاما من العمل الدؤوب وجدنا أنفسنا في خضم :الدولة الإستبدادية للعبث والشخصنة(داعش).من علامات تخلف الشعوب مدح الحاكم حتى لو كان من أفضل خلق الله.

سقال احمد منذ 5 سنوات

لن نخطوا خطوة واحدة الى الوراء وسيكون المغاربة ملكا وشعبا في المستوى المطلوب ان شاء الله

مواطن من تطاون منذ 5 سنوات

دستوريا واخلاقيا لا ينبغي على العاهل المغربي محمد السادس الذي يعتبر رئيس الدولة المغربية ان ينجر وراء مخططات الدولة الثانية لكونه أولا له اعتبار دستوري متميز داخل الدولة المغربية والوطن كما يعد وسيطا محايدا بين الفرقاء السياسيين المتنافسين ، وثانيا بحكم اختصاصاته الدستورية فإن العاهل المغربي يترأس التخطيط للتنمية ووضع استراتيجيات بمساعدة مؤسسات حكومية التي يعترف بها الدستور المغربي ، فأين الحيادية والسياسة التشاركية التي يقرها الدستور عندما نعاين رييس الدولة المغربية يصاحبه رييس جهة تطوان طنجة الحسيمة الذي ينتمي الى حزب معارض ويمنحه الصفة الحكومية الرسمية مهمشا بذلك اعلى مؤسسة دستورية وهي رئاسة الحكومة الدستورية ، فأين هنا الحيادية الدستورية ، أليس هذا خروجا عن الدستور المغربي ؟! كان على رئيس الدولة المغربية ان يكون أكثر حياديا وموضوعيا وان يعطي لخطابه الاخير ميزة دستورية مثلى وذلك لإقناع المؤسسات الحكومية الدستورية المشاركة في تدبير الشأن العام ان لا أحد ولا اية جهة خفية تخطط لوحدها تدبير شؤون حياة المغاربة ، فهذا الخطاب جاء ليكرس العلاقة المتوترة بين القصر ورئاسة الحكومة عندما صرحت هذه الاخيرة بوضوح ما يعكر صلاحياتها الدستورية بوجود دولة داخل الدولة الرسمية . ومن المعلوم ان هذه القضايا المعاينة التي تشهدها الساحة السياسية المغربية بين الأطراف المتصارعة الرسمية وغير الرسمية لا تخفى على أحد يعلمها غالبية النخبة المغربية ويرصدها أحيانا مجموعات من المواطنين المتتبعين حتى الملاحظين والمحللين الاقليميين والدوليين. كل هذه المؤشرات السالفة الذكر التي تبين الحقائق على أرض الواقع تعبر على أن الجهات الرسمية تسير في اتجاه متحيز إلى جهة المعارضة لايصالها بطريقة غير دستورية مستفزة إلى مواقع القرار المغربي بوسيلة غير ديمقراطية .

رابح منذ 5 سنوات

الملك , بالمزايا التي قدمتم والشخصية المتفتحة على تطوير المخزن لا يستطيع احد منعهمن مواصلة الاصلاحات والرجوع بالمغرب الى الوراء والمطلوب هو رفع سرعة السير التنموي

Citoyenx منذ 5 سنوات

Si on perd ce petit epsilon d'acquis sur le chemin de la démocratisation, on risque de passer 17 autres années pour se contenter de la moitié de ces acquis. Le choix de la démocratisation est constitutionnalisé, on doit s'y accrocher avec ventouses et crochets.

Salim doumiani منذ 5 سنوات

حداري من الدولة العميقة، لا بد من محاربتها حتى لا نعود الي الوراء. ففضحها للشعب ليتجند لمقاومتها ليس تشكيكا في موءسسات الدولة، بل اندارا للدمقراطين للوقوف امام مشروعها التحكمى.

outlook.com منذ 5 سنوات

خيار الرجوع الي الوراء هو اغناء رجال الدولة وفتح الطريق امامهم لنهب ثرواة البلا د علي حساب المغلوبين والمستضعفين. ان القادر علي اعانتهم في تحقيق هاذا المشروع التحكمي اللا ستغالا لي هو الدولة العميقة التي تعمل في الخفاء و العلن لا نجاح هذا المشروع. فبن بن كيران لم يشك ابدا في موءسسات الولة، انما خوفا منه علي الديمقراطية ففضحها، ونادي بمجابهتها خوفا منه علي الرجوع بالمغرب الي الوراء. اليست هذه هي الوطنية الحقة؟

التالي