أسطورة "البيت الكبير"

02 أغسطس 2016 - 14:47

بقلم: أمجد ناصر
مررت، وأخي أحمد، في زيارةٍ “تفقدية” أخيرة بحيِّنا الزرقاوي القديم: جناعة. لا شيء يشبه ما كان. ربما ظل كل شيءٍ على حاله، غير أن صورته في الذاكرة فارقت صورة الواقع، وصنعت حيّاً آخر، لم يكن له وجود. راح “بستان محمود” الذي يحاذي حيّنا من “السيل”، في الأسفل، إلى سكة الحديد، في أعلاه. راح “موتور” الجيش. راح السيل نفسه. لا ماء فيه. الشوارع أضيق. الأزقة يدخلها السكان بـ “الورب” (مواربةً). لا بقعة فراغ. لا وجود لـ “البيت الكبير” ذي الطبقتين، المشيّد في فسحة أرضٍ خاليةٍ على طرف وادٍ صغيرٍ. لهذا البيت قصة. قد تكون أسطورة. وربما تكون من اختراعي. مع ذلك، لها بداية ووسط ونهاية، وهذا يعني أنها قصة مكتملة الأركان. ذاكرتي تتداعى. ها هي تستعيد الصور القديمة:
لم نكن، نحن أطفال الحي، ملزمين بالمرور من جانب هذا البيت، فهو لا يقع على طريق الأماكن التي نتردّد إليها إلا إذا كنا قادمين من الجهة الشمالية للسيل، عندئذ نمرُّ، على نفسٍ واحد، من جانبه، أو نتفاداه بالمضي جنوباً باتجاه “بستان اليمني”، ومنه نسلك الشارع المحاذي لـ “بستان محمود”، صعداً إلى حارتنا. حجم البيت الكبير، قياساً إلى بيوتنا ذات الغرفة أو الغرفتين، تنحيِّه عن “العَمَار” قليلاً، الصمت الذي يلفّه، مواصفات جعلته أهلاً للقصة التي شاعت عنه. ومثلما لم نكن نعرف من هو “محمود” صاحب البستان الشهير، كذلك لم نعرف صاحب هذا “البيت الكبير”.
لم نعرف، أيضاً، إن كان مأهولاً أم لا، فهو مغلق الأبواب والنوافذ. وهذا أمر نادر في حارة “ينغل” فيها الأولاد، وتصطفق أبواب بيوتها وشبابيكها مئات المرات في اليوم. فبيوتنا لم تكن تغلق إلاَّ ليلاً، بعدما تدمع الأمهات أولادهن من الأزقة، وعدِّهم واحداً واحداً كما يفعل الرعاة مع “حلالهم” عندما “يزربونه” في “الصير” والحظائر.
لكن، ليس في هذا البيت أمٌّ أو أولاد، بل امرأة “مدنية” نادراً ما رأيناها تخرج من البيت، قيل إنها تترصّد الأطفال، وتصطاد أصغرهم فتقتله، وتحشو بطنه، بعد أن تنتزع أمعاءه، بالحشيشة!
صار للشائعة، التي عرفت، بمرور الوقت، إضافات في محتواها وتحسيناتٍ على حبكتها، شكل حكاية مصقولة لا ثغرات فيها، فظهر للمرأة مساعدٌ يقوم بتوضيب “البضاعة” داخل بطون الأطفال، ثم أصبحت المرأة جزءاً من عصابةٍ خارجية لها امتداداتٌ داخل البلاد.
نافست هذه الرواية الأكثر شيوعاً روايةً أخرى، تقول إن المرأة (وعصابتها) تختطف الأطفال الصغار، وتبيعهم أحياء في الخارج، لنساء لم يرزقن أطفالاً، لكن هذه الرواية تراجعت “صدقيتها” عندما قيل، أخيراً، بعدما عصف الخوف بالأمهات والأطفال، إن الشرطة ألقت القبض على المرأة، وهي تهمّ بمغادرة البلاد، ومعها طفلٌ صغير. فقد لاحظ رجال الشرطة أن الطفل الملفوف بـ “حِرَام” لا يتحرك، ولا تصدر عنه نأمة، فلما كشفوا عنه وجدوه ميتاً و”معبأ” بالحشيشة، فألقوا القبض عليها، وعصابتها، وأودعوهم السجن. لكن بعضهم قال إن مكتشف الجريمة مضيفة طيران، وليس الشرطة، فقد لاحظت المضيفة أن الطفل متخشِّبٌ في حضن المرأة المسافرة إلى الخارج، لتسليم “بضاعتها”. سرعان ما تراجع الحديث عن المرأة، خاطفة الأطفال، بعدما أودعتها الشائعة السجن مع أفراد عصابتها.
هناك مَنْ لم يصدّق ما يقال حول “البيت الكبير”. قاد ذلك الاتجاه جارنا “أبو منصور”. كان أبو منصور في الخمسينيات من عمره. نحيفاً. حادّ التقاطيع. مستمعاً متهوّراً لـ “صوت العرب”، إذاعة عبد الناصر التي كان الاستماع إليها يعتبر عملاً معادياً للنظام. كافح “أبو منصور” ضد الشائعة. سمعه بعض الرجال الذين يجلسون في المساءات أمام دكان “أبو فارس”، يقول إن الشائعة من عمل الحكومة، لإلهاء الناس عما يجري على “الجبهة”. لكن، يبدو أن الأمر كان أبسط من ذلك. فبعد سنين على رحيلنا من جناعة انفك “لغز” البيت الكبير. فقد تبيَّن أن أصحابه يعملون في السعودية، ويقيمون هناك. كان ذلك أكثر غرابةً مما يدور حوله. فلم يكن في محيطنا، آنذاك، من وصل إلى أبعد من عمّان!

عن العربي الجديد

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي