إنه أكثر من اقتراع..

05 أغسطس 2016 - 22:00

يعي الملك محمد السادس أن بلاده لا نفط فيها ولا غاز، وأن الدولة تدبر الندرة ولا توزع الوفرة، وأن 12 مليون مغربي يقبعون تحت خط الفقر، يعيشون بأقل من دولار في اليوم، وأن المغرب يعيش انتقالا ديمغرافيا حساسا ودقيقا يجعل من فئات الشباب «الكتلة الحرجة» وسط الشعب، وأن 65% من المغاربة أصبحوا يقطنون بالمدن أو بشبه مدن، وأننا ودعنا مقولة ريمي لوفو التي أطلقها في السبعينات عن «الفلاح المغربي المدافع عن العرش».. اليوم الأغلبية الساحقة تدافع عن الملكية بوعد قرانها مع الحداثة والديمقراطية.

ويعرف الجالس على العرش أن أراضيه لا تبعد عن أوروبا سوى بـ12 كلم من المياه الدافئة للمتوسط، وأن أضواء سيارات الجنوب الإسباني تُرى من طنجة ليلا فتنعش آمال الهجرة لدى البعض، وطموحات تقليد النموذج الناجح لدى الجيران لدى الباقي، ولهذا، فإن تأثير القارة العجوز الثقافي والسياسي والإعلامي على المملكة الشريفة يجعلها أقرب إلى الغرب منها إلى الشرق.. الغرب الديمقراطي التعددي المنفتح والغني، والشرق الديكتاتوري الغارق في الحروب الطائفية والمذهبية، الذي يقايض السلم الاجتماعي بالريع، والحرية بالنفط.

العاهل المغربي يعرف أيضا أن مملكته عرفت التعددية السياسية وميلاد الأحزاب والنقابات قبل الاستقلال، وتعززت بعد الاستقلال بكلفة عالية من الدم والقمع واللجوء، أداها عن المغاربة مناضلو أحزاب المعارضة واليسار الجذري، وأن في البلاد مجتمعا مدنيا ناشطا ومتحركا يكبر يوما بعد آخر، ويراكم تجارب مهمة، سنة بعد أخرى، في الوساطة والاحتجاج والضغط والترافع عن قضاياه وقناعاته، وأن في البلاد رأيا عاما مسلحا بشبكات التواصل الاجتماعي وتكنولوجيا الإعلام والتواصل، يطلب الاستقرار لكنه لا يفرط في هامش من الحرية.. هامش يريده أن يكبر سنة بعد أخرى في بلاد تطمح إلى أن تجعل من انفتاحها الديمقراطي رأسمالا سياسيا للاستثمار في الاستقرار الحقيقي والبعيد المدى.. استقرار مبني على صرح الأحزاب والحكومات والبرلمانات التي تعبر عن طموحات الشعب، وتنقل مطالبه إلى الأعلى، وتقي النظام مخاطر الاصطدام بالشارع.

الملك يعي أن الانفتاح الديمقراطي في المغرب ضروري، أيضا، كورقة دبلوماسية لمواجهة مخاطر الانفصال في الصحراء، وإقناع القوى الكبرى بأن في البلاد عملية سياسية قادرة على استيعاب كل المطالب الجهوية والإثنية والاقتصادية والسياسية، تماما كما تدير إسبانيا وفرنسا وبريطانيا مطالب الانفصال داخلها بهدوء وذكاء وعقلانية، لأن طبيعة النظام المفتوح تسمح بذلك.

محمد السادس يعرف، أيضا، أن توجه نظامه الليبرالي هو مفتاح علبة الاستثمارات الأجنبية في بلاد تحتاج إلى أموال وخبرة واندماج في السوق العالمي لتدارك التأخر، والأعطاب القديمة في اقتصاد قابع تحت رحمة المطر وتحويلات المهاجرين وعدد السياح… اقتصاد لا هو فلاحي، ولا هو خدماتي، ولا هو صناعي، ولا هو مالي، هو خليط من هذا وذاك، وفي الأخير يجد نفسه عاجزا عن خلق 140 ألف منصب شغل في السنة التي يحتاج إليها أبناؤه، وعاجزا عن سد حاجياته بميزانية صغيرة تعادل ميزانية مدينة متوسطة في أوروبا.

محمد السادس يعرف أن بلاده إذا خرجت عن سكة التحول الديمقراطي، ولو في حدها الأدنى، فهذا معناه أن البلاد ستبقى محاصرة في مربع صغير في شمال القارة، وأنها ستبقى موضوعا للعلاقات الدولية، وليست فاعلا في العلاقات الدولية والإقليمية، خاصة أن المغرب يطمح إلى العودة إلى لعب دور نشيط وحيوي في القارة السمراء المليئة بالمشاكل والفرص.. بالمخاطر والآمال.. بالحروب والمواد الأولية… ولكي تلعب مع الكبار خارج حدودك، لا بد أن تكون إما غنيا مثل الصين، أو متخما بالنفط مثل السعودية، أو ديمقراطيا يحترمك الخارج، ويعرفون أنك تمثل شعبك وتعيش عصرك.

لكل هذه الاعتبارات، جاء الخطاب الملكي الأخير مطمئنا الخائفين على القوس الديمقراطي من أن يغلق، معلنا الاستمرار في تجربة الانفتاح السياسي التي بدأت قبل خمس سنوات، ولم تغلق كليا رغم أن الربيع العربي تحول إلى خريف دموي، والديمقراطية نزلت من سلم الأولويات تاركة مكانها للأمن، بعدما صار الإرهاب يهدد كيانات الدول وليس فقط وجود الأنظمة… لهذا، لا أتصور أن الانتخابات البرلمانية المقبلة ستعرف عودة إلى «التزوير القديم» الذي كان يتلاعب بالاستشارات الشعبية، ويتجاهل نتائج الصندوق أثناء تعيين الحكومات، لكن، في الوقت نفسه، لن يُترك حزب العدالة والتنمية يقطف ثمار شعبيته في الشارع، ولن يُترك حرا طليقا حتى لا يرجع بقوة أكبر إلى الحكومة والبرلمان المقبلين. ستعمد القوى المناهضة للتحول الديمقراطي إلى تحجيم حزب عبد الإله بنكيران نسبيا، خاصة إذا نزلت نسبة المشاركة في انتخابات أكتوبر، وزحف المال السياسي على صندوق الاقتراع، وجرى شطب مئات الآلاف من لوائح الاقتراع، وجرت إعادة انتشار كتل ناخبة لصالح هذا المرشح أو ذاك.

اقتراع أكتوبر هو أكثر من انتخابات عادية لإعادة تشكيل أغلبية جديدة.. اقتراع أكتوبر مفترق طرق، واختبار حقيقي للإرادات والعقول والطموحات.

شارك المقال

شارك برأيك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

عبد الكامل منذ 4 سنوات

هذا كلام جميل وهو ما نتمناه أن يكون ... غير أننا بلد "الخصوصية" التي تجعل ارادة الفعل في اتجاه منفعة المواطن مرتهنة بالضروره لرغبة وحتى قدرة صاحب القرار في ايصال هذه المنفعة للمواطن

cha3b منذ 4 سنوات

ا يسعني القول الا انك من اقلام الصحافة المأجورة قبح الله غياب المبادئ

حزب الحرية والعدالة الاجتماعية كلميم وادنون المنسق الجهوي منذ 4 سنوات

المنسق الجهوي لحزب الحرية والعدالة الاجتماعية جهة.كلميم وادنون ان انتخابات 7 اكتوبر تعتبر محطة مفصلية في اختيار برلمانيين مؤهلين لبناء مغرب ما بعد الانقلاب على ارادة الشعب المغربي باستغلال الخطاب الشبه الاسلامي والذي تامر على عائلات الشعب المغربي .وذلك بالخروج الى التصويت عاد ذلك فسيبقى المغرب متشبتا بفرضية التداول على السلطة بمراعات اقتصاد السوق الدولية ي

المعلم منذ 4 سنوات

لماذا المغرب يزخر بالثروات المتنوعة من معادن وأسماك وأراضي زراعية وأيدي عاملة نشيطة ومع ذلك يعيش الملايين من السكان في الفقر والبؤس؟ أين يكمن الخلل؟ لماذا نرى دولا في آسيا وأروبا لاتملك حتى نصف الثروات التي يملكها المغرب ومعدل السكان فيها أكبر من معدل السكان في بلادنا ومع ذلك تعيش في تقدم وازدهار لاتشكو البطالة أو الأزمة الاقتصادية؟ هل سنضطر في يوم من الأيام إلى الاستعانة بسياسيين من الخارج كما نستعين بمدربي الفريق الوطني؟ وهل هناك منا من هو مقتنع أن برلمانا جديدا أو حكومة جديدة سيحسنان من أحوالنا ويجعلان المغرب في صفوف الدول المتقدمة؟ لاأظن ذلك مادامت لم تتخذ إجراءات جريئة وشجاعة للقضاء على البطالة وتخليص الشعب من الفقر والجهل.

عبد اللطيف منذ 4 سنوات

الى الاخ عبد الكامل , الارادة في هذا الموضوع , لانعرف بيدمن , ولن ولا يمكن ان تكون بيد احد مهما كان , الارادة في موضوع مصير الوطن الوحدة والاتحاد , والعزم الاكيد , والشجاعة التامة , في مواجهة المفسدين ,والاستماتة في الاصرار على تطبيق الدستور والقوانين المعمول بها , والعمل الدؤوب على تحيينها وتنقيتها من تحايلات الجشعين والطامعين , واصحاب الريع والامتيازات الغير مشروعة , ... والقطع مع القيم والاعراف المريضة والمشوهة , التي تجعل الكثير منا يبجل ويتزلف ويتمسح المفسدين , والمرتشين , والحشاشين, والسفلة من الاثرياء الذين اغتنوا على حساب الكادحين , .. عندما نعي هذا ونتستطيع التمييز بين الصالح والطالح , نكون قد اخذنا ارادتنا بايدينا والا فلا ارادة اصلا

elmehdiboutalha منذ 4 سنوات

على الشعب المغربي أن يتجند لحماية مشروعه في الانتقال الديموقراطي وأن يشارك بكثافة حتى يشتت جهود اصحاب المال الحرام الذين طردهم في انتخابات 2011 من الباب ويحاولون الآن العودة من نافذة المال السياسي والتوسل السلطوي , لأن في هذه المشاركة المكثفة حماية للبلاد والعباد من النهب المنظم والفساد الممئسس والنفوذ المغلف القادم من اصحاب هذا المشروع , ايها الشعب المغربي حذار ثم حذار من التقاعس عن مواجهة الفساد والاستبداد الذي بدأ يطل برأسه هذه الأيام.

عبد الكامل منذ 4 سنوات

"دويرة" صغيرة في بعض مناطق المغرب تجعل المرء يدرك مدى الخيرات التي حبى الله بها هذا البلد... المغرب أيها الكرام ليس في حاجة الى مخططات واستراتيجيات وخزعبلات من ذلك الكلام الكبير الرنان الذي يتشدق به علينا "الفطاحلة " من المحللين الاقتصاديين والاجتماعيين والخبراء وهلم "مخربقين" ... المغرب يحتاج لارادة من بيده بالإرادة لجعل خيراته من حق عامة الشعب وليست حكرا على قلة من المحظوظين المنعم عليهم . وفي بلدي الارادة معلوم صاحبها .... والسلام

ظافر منذ 4 سنوات

الله يرحم من رباك ومن قراك ...."لكي تلعب مع الكبار خارج حدودك، لا بد أن تكون إما غنيا مثل الصين، أو متخما بالنفط مثل السعودية، أو ديمقراطيا يحترمك الخارج، ويعرفون أنك تمثل شعبك وتعيش عصرك". ميزة المغرب الوحيدة يراد لها الآن أن تختفي...اللهم لطفك

البشيري مصطفى منذ 4 سنوات

تتكلم عن الديموقراطية ....وختمتها بتحجيم حزب العدالة والتنمية نسبيا..ولم تستنكر ذلك..فأين الديموقراطية إذن...نحن نريد أن يأتي التحجيم أو عدم التحجيم من صناديق الاقتراع وليس من غيره؟

JAWAD منذ 4 سنوات

"ستعمد القوى المناهضة للتحول الديمقراطي إلى تحجيم حزب عبد الإله بنكيران نسبيا" من هي هذه القوى الخفية التي تتحدث عنها أليست الدولة الثانية التي أشار اليها بن كيران في احد خطاباته ويشير اليها البعض الاخر بالدولة العميقة وحكومة الظل ةالدولة الموازية والعفاريت والتماسيح

متتبع منذ 4 سنوات

ياك الملك قالك ما تكلمش بسميتو

عبدالجليل العامي منذ 4 سنوات

اتشخيص موضوعي لواقع الحال وإن كان الرهان على إستحقاق أكتوبر المقبل وإعتباره مفصليا يحمل نوعا من المبالغة إستحقاق أكتوبر مهم بالنسبة لظرفيته ،بيد أن كثيرا من المؤشرات والوقائع تشي بأن مكونات الدولة العميقة ما فتئت تضع العراقيل تلو الأخرى لإفشال أي سعي حقيقي لبناء دولة الحق والقانون ، دولة المؤسسات وتكافئ الفرص ومقارعة الريع بشتى أشكاله من يعتقد أن مغرب ومغاربة الألفية الثالثة هم من طينة ستينات وسبعينات وثمانينات القرن الماضي واهم بل وجاهل بقدرة المغاربة على صنع التغيير المنشود الذي يمكن وطنهم من الندية المطلوبة للإستفادة من معطى الجوار الأوروإفريقي المغاربة واعون بقيمة عمق وطنهم التاريخي، مقدرون لقيمة الإستقرار والسلم مقتنعون بأن الملكية الدستورية هي صمام الأمان الذي يجنب البلاد كل الإنحرافات. مع كامل الأسف من يتابع المشهد السياسي عشية إستحقاق أكتوبريصاب بالإحباط واليأس وهو يلاحظ تشرذم النخب السياسية وإفتقادها للقدرة الحقيقية على بلورة البرامج والخطط القادرة على تأطير الرأي العام وإحياء الثقة لديه والتي بدونها ستكون إنتخابات أكتوبر كسابقاتها وربما أسوأ لأنها لن تستجيب لاستحقاقات الظرفية الحالية ولعل هذا ما يفسر نبرة الحدة التي ميزت الخطاب الملكي الأخير

YOUBA منذ 4 سنوات

يا صاحب الجلالة الملك محمد ٦; اقتراع أكتوبر مفترق طرق، واختبار حقيقي للإرادات والعقول والطموحات. ---------------------------------- يا أيها الشعب المغربي العريق : إنّك تعيش في هذه المرحلة لحظة مفصلية في تاريخك الحذيث .. لهذا و ذاك ، وجب عليك ،عدم الإنسياق مع النقاشات الهامشية الإلهائية . و التركيز على ما هو أهمّْ ، و هو التصويت بكثافة في الإنتخابات القادمة .. فهو الضامن الحقيقي الوحيد للمحافظة على الانتقال الديمقراطي البطيء و الصّعب .الذي يعرفه بلدنا الحبيب ، وكلما ارتفعت نسب المشاركة ضعفت نسب الغش والتزوير وشراء الذمم.

YOUBA منذ 4 سنوات

يا صاحب الجلالة الملك محمد ٦: اقتراع أكتوبر مفترق طرق، واختبار حقيقي للإرادات والعقول والطموحات. ---------------------------- يا أيها الشعب المغربي العريق: إنّك تعيش في هذه المرحلة لحظة مفصلية في تاريخك الحذيث .. لهذا و ذاك ، وجب عليك ،عدم الإنسياق مع النقاشات الهامشية الإلهائية . و التركيز على ما هو أهمّْ ، و هو التصويت بكثافة في الإنتخابات القادمة .. فهو الضامن الحقيقي الوحيد للمحافظة على الانتقال الديمقراطي البطيء و الصّعب .الذي يعرفه بلدنا الحبيب ، وكلما ارتفعت نسب المشاركة ضعفت نسب الغش والتزوير وشراء الذمم.

Mohamed منذ 4 سنوات

ما يؤسفني في هذا البلد الحبيب ان الفاشلين سياسيا و مهنيا و لصوص المال العام وقتلة الأمل ومنتجي الفقر والجهل يجدون دائما من يحتضنهم و يتستر عليهم بل ويتبناهم احياناً. حسبي الله ونعم الوكيل

hassanX منذ 4 سنوات

بل اتركوا البجدي يقطف ثمار شعبيته في الشارع. * هل 10000 اطار تربوي ( دماءهم ودموعهم تسيل مجددا في الرباط اخرها البارحة) سيصوتون هم وعائلاتهم واقاربهم وجيرانهم على البجدي ؟ * هل الأساتذة المتدربون (كسَّر حصاد وبنكيران جماجمهم لمدة 5 أشهر)سيصوتون هم وعائلاتهم واقاربهم وجيرانهم على البجدي ؟ * هل موقعوا محضر 20 يوليوز سيصوتون هم وعائلاتهم واقاربهم وجيرانهم على البجدي ؟ * هل المعطلون المُبصِرون و المكفوفون سيصوتون هم وعائلاتهم واقاربهم وجيرانهم على البجدي ؟ * هل المُدرِّسون و المُمرِّضون و الموظفون بصفة عامة ( بعد أن اجهز بنكيران على تقاعدهم و تعاضدياتهم) سيصوتون هم وعائلاتهم واقاربهم وجيرانهم على البجدي ؟ * هل سكان آسفي (بعد ان ارادت حكومة بنكيران حرق النفايات السامة في مدينتهم) سيصوتون هم وعائلاتهم واقاربهم وجيرانهم على البجدي ؟ * هل كل من يكتوي الآن من ارتفاعات مهولة في اثمان المواد الإستهلاكية و الماء و الكهرباء و الكازوال و البنزين و...سيصوتون هم وعائلاتهم واقاربهم وجيرانهم على البجدي ؟ كي لا أطيل عليكم : من منكم لا ينتمي إلى كل هؤلاء فاليفعل مايشاء.

Ayoub منذ 4 سنوات

Je pense que tu commenreces à etre connaisseur de la réalité marocaine car souvent ton enthousiasme te laisse faire imaginer des scénarios qui ne sont pas plausibles dans les 50ans à venir.

التالي