عمر بندورو: الغضبات الملكية تتوخى ضمان ولاء السياسيين والموظفين الكبار

06 أغسطس 2016 - 19:02

قال  أستاذ القانون الدستوري عمر بندورو، إنه فهم السياسيون على الأقل منذ الاستقلال بأن الغضبات الملكية شيء ينبغي تجنبه، لأن أي شخص وجد نفسه موضعا لغضبة صادرة عن الملك، فإنه من المحتمل أن يودع مستقبله المهني أو السياسي.

هل يمكننا القول إن الغضبات الملكية تمتلك تأثيرا حاسما على الحياة السياسية ومستقبل الفاعلين السياسيين؟
بشكل مباشر، فإن الغضبات الملكية كما تسمى عادة من لدن الصحافة والسياسيين، لديها تأثير على العملية السياسية بالمغرب. لا يمكن إنكار ذلك. إنها مثل صخرة ترميها من أعلى على الرؤوس، لا بد أن تحطم من هم “تحت”. وقد فهم السياسيون على الأقل منذ الاستقلال بأن الغضبات الملكية شيء ينبغي تجنبه، لأن أي شخص وجد نفسه موضعا لغضبة صادرة عن الملك، فإنه من المحتمل أن يودع مستقبله المهني أو السياسي. وبالرغم من أننا نتحدث عن “غضبة شخصية” للملك، إلا أن حقيقة ما يحدث “فوق” أن المحيط الملكي هو من يصنع المزاج الشخصي للملك، لأن الملك يكون رأيه أو مزاجه بناء على “نصائح” أو “تقييمات” تعرضها عليه حاشيته، وفي بعض المرات، يكون لطبيعة علاقة بين عضو من محيط الملك وفاعل سياسي تأثير على مزاج الملك، وبهذه الطريقة يمكن لشخص واحد موجود هناك لا يطيقك أن يجعل الملك غاضبا منك. إن الخيوط التي تتحرك “فوق” صعبة التحديد، لكنها في نهاية المطاف، تنسب إلى الملك لأن غضب حاشيته لا يهم في التحليل الأخير إن لم يتحول إلى غضبة ملكية. ويعرف الفاعلون السياسيون والأشخاص الآخرون الذين يدورون في سلك الإدارة هذه المسألة، ولذلك تجدهم يتجنبون عادة إغضاب محيط الملك، لأنهم يعرفون أنه قد يهدد مستقبلهم إن تحول إلى غضبة ملكية.
ولكن ما هي الرسالة المتضمنة في وجود غضبة ملكية من فاعل أو موظف كبير مثلا؟
لنكن واضحين، إن الغضبة الملكية ليست قرارا يمكن تتبعه في الأوراق والمساطر، أو يجوز للمستهدف منه أن يعترض عليه أمام المؤسسات أو يطعن فيه. إنها شيء غير محسوس. وقد أرست الثقافة المخزنية كما أسميها، لقوة الغضبات الملكية باعتبارها جزءا من قواعد الإدارة والحكم بالرغم من كونها لا تمتلك أي شرعية قانونية. وهذه القوة على وجه التحديد تؤدي وظيفة جوهرية بالنسبة للنظام الملكي، فهي تجعل الفاعلين السياسيين البارزين والموظفين الكبار داخل الإدارة في وضع غير مستقر، أي أن تجعل الأشخاص الذي يساعدونك في الحكم أو يشاركونك فيه غير مطمئنين على مصائرهم ووظائفهم بسبب احتمال صدور غضبة ملكية. إنها بشكل مبسط، تجعل الجميع يتصرف بحذر إزاء أفعالهم وأقوالهم، وتتركهم في أوضاع هشة. إن اللاستقرار الذي تحدثه مثل هذه الغضبات يجعل المساعدين مؤمنين بأن وظائفهم مؤقتة، وكلما شعر هؤلاء بهذا اللااستقرار كانت عملية التحكم فيهم أفضل. وكأثر معكوس، فإن إفقاد الغضبات لهذه القوة في تدمير المسارات السياسية والوظيفية سيجعل تحكم النظام في هؤلاء صعبا للغاية. وباختصار، فإن الغضبات الملكية ليست ضمن عناصر دولة القانون والحق، ولكنها أداة حكم رئيسية لنظام سياسي غير معصرن.
هل تتماشى الغضبات مع منطق الدستور؟
إننا إزاء شيء فوق الدستور. الغضبات الملكية ليست سلطة مباشرة ومحددة، بل هي قوة رهيبة متوارية خلف الدستور. لقد كانت للملك مثلا قبل دستور 2011 واجهات عدة لتحويل الغضبات إلى قرارات نافذة، وكانت سلطته غير المحدودة التي يطلق عليها عادة اسم السلطة التقديرية، تجعل الرؤوس تتطاير من مناصبها دون أي تعليل أو أي محاسبة. كان الأشخاص المغصوب عليهم يجدون أنفسهم “في الشارع” دون تقديم أي توضيح باستثناء أن الملك غضب عليهم، لكنه الآن بات مقيدا قليلا في كيفية الاستغناء على المغضوب عليهم، لأن الدستور منح للسلطة الحكومة قوة أكبر في إنفاذ المساطر عبر صلاحيات دستورية، ويمكننا أن نرى مثلا أشخاصا قيل إنهم كانوا موضوع غضبة ملكية لكنهم عادوا لتولي مناصب معينة، ولم يكن ذلك مرتبطا بالضرورة بتغير مزاج الملك، وإنما بإصرار السلطة الحكومية على تنفيذ الدستور. وحتى إبعاد موظفين كبار كان لا يتم دون إجراء تحقيق قضائي في طريقة تأديتهم لوظائفهم، وعادة يقدم موظفون كبار إلى المحاكم لأن الملك غضب عليهم في بداية الأمر لسبب ما، لكن لاحقا، يتابعون وفقا لمساطر وتهم معينة تتعلق بوظائفهم، وتقدم هذه العملية في نهاية المطاف باعتبارها سبب الغضبة الملكية عليهم.
إذن الغضبة الملكية قد تصنف كإحدى وسائل المحاسبة غير المقررة في الدستور؟
من الصعب تحليل شيء غير محسوس أو غير محدد على أساس كونه آلية محسوسة. يمكن أن تكون الغضبة لسبب ما، لكن محاسبة المعني بها قد تجري لسبب آخر. في الأخير، فإن المغضوب عليه تتم محاسبته لإعطاء قوة أخلاقية لغضبة الملك. ومن ناحية التحليل السياسي، من الصعب ربط الغضبات بقرارات لاحقة لأننا لا نملك عادة الأسباب الحقيقية لوجود غضبة، ولكن يمكننا القول إن العملية برمتها تؤدي مهمتها أو هدفها المطلوب، أي جعل الإخلاص للنظام الملكي أمرا حيويا لضمان مستقبل وظيفي أو سياسي. وهذه سلطة فوق الدستور ولا يمكن توضيحها بكلمات أكثر.
وهل تندرج غضبات الملك على رئيس الحكومة الحالي ضمن هذا الإطار؟
الغضبة الملكية على عبد الإله بنكيران مرتبطة بالانتخابات. فهي بشكل واضح، رسالة مفادها أن الملك لم يعد مطمئنا إلى بنكيران، وأيضا من جهة أخرى، تربك البيت الداخلي لحزب العدالة والتنمية لأنها تخبرهم بأن الملكية ليس لديها أي استعداد كي تمنح ثقتها في بنكيران حتى وإن فاز حزبه بالانتخابات، وعليهم بالتالي، مراجعة التفاصيل التنظيمية المتعلقة بهم كي يحذف بنكيران من صورة السباق. ولقد صدرت تأويلات كثيرة في هذا الشأن ولا يمكن التحقق بشكل حاسم من صحتها، لأن الآليات المرتبطة بوجود قرار ملكي بالاستغناء عن خدمات بنكيران غير ظاهرة، لكن من الواضح أن الرجل يرزح تحت غضبة ملكية، ومع ذلك من الصعب تقرير مصيره الآن.
هل لأن مزاج الملك يمكن أن يتغير لاحقا؟
المزاج الملكي يمتلك رسالة سياسية حتى إن تغير لاحقا. لأن الغضبة الملكية تحقق أثرا فوريا معينا لكنها تبقى سارية المفعول كثيرا، وهنا بالضبط تحقق وظيفتها لأنها تحول الأشخاص الذين خرجوا سالمين من غضبة ملكية إلى أشخاص حذرين وقابلين للسيطرة، وطيعين. إن هذا المزاج يؤثر في الإدارة بشكل كبير، وينطوي على خطورة، وإذا حدث أن تراجع الملك فيما بعد عن غضبه، فإن المعنى ليس أن الشخص المعني بات “حرا”، بل إن المسألة في التوصيف البسيط تعني أن “إنذارا” قد وجه إليه، وعليه أن يفعل ما يجب كي لا يتعرض لإنذار جديد فيطرد من اللعبة بغير رجعة.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

محمد عزيزي منذ 4 سنوات

الملك ملك مواطن وهو أمير للمؤمنين بالتالي فحكمه غير قابل للنقاش لا اعتقد ان الملك غاضب من بنكيران بالطريقة التي تم سردها في الجواب ولكن ممكن انه منزعج من تصريحات بنكيران التي تشكك في مصداقية الدولة ولكن في اعتقادي المتواضع المغرب ارتفعت أسهمه في العالم بعد الدستور الجديد و بعد خطاب الملك التاريخي لي 9 مآرس و انه على سكة الانتقال الديموقراطي وسترتفع اكثر اذا ما تم تعيين بنكيران لولاية ثانية

مواطن من تطاون منذ 4 سنوات

ان الآلية التي يتعين توظيفها لمواجهة مثل هذه الحالات الانفعالية الارادية التي تهدف الى تحقيق أغراض معينة مثل الخضوع والاستسلام هي المزاحمة في اتخاذ القرارات وممارسة الصلاحيات الدستورية من خلال الامتناع عن الرضوخ لأمر ما ولتعليمات فوقية ذلك ان المخزن في المرحلة الأولية يجرب الشخص المراد استهدافه ثم في المرحلة التالية عندما يتيقن انه سهل الانقياد يعبث بين يديه بكل سهولة ويسر ، فلهذا ينبغي على ذلك الشخص ان يتحلى بالشجاعة والإرادة القوية وأن يعمل على اتخاذ قرارات جريئة وصايبة مع فريق عمل يساعدونه على المواجهة واتخاذ القرار القوي دون الرجوع إلى الوراء .

ابوعامر منذ 4 سنوات

إذا كان بن كيران يؤدي مهامه،فلا عليه بعد ذلك من شئ المهم أن ينال رضى ربه

hicham منذ 4 سنوات

لا توجد دولة في العالم تستعمل فيها هده المفردة وهي تسئ الى الملك و تعطي انطباعا ان الدولة لا تحكم بالقانون..صاحبكم في الحوار يتكلم عن المزاج الملكي ويحاول ان يعطيه شرعية و يبين ايجابياته...انها السخافة بعينها....لقد قالها لكم الملك عند بداية حكمه انه لا ديمقراطية دون ديموقراطيين..اناس يقولون الحقيقة للملك والكل يحاسب بالقانون ..فقط لا غير.

الوجدي منذ 4 سنوات

المستقبل السياسي لأي شخصية تخوض الانتخابات يحددها صندوق الاقتراع

التالي