الموجة الرابعة من السلطوية

09 أغسطس 2016 - 11:47

تختلف تجارب السلطوية في العالم العربي في تمظهراتها وآليات ضبطها وصوغها للنسق السياسي، وذلك بحسب طبيعة النظام السياسي، والتركيبة الدينية والطائفية، وتناقضات الوضع الإقليمي والدولي. لكن، مع هذا التباين، فإن تأمل مسار تجاربها، يكشف عن بعض التشابهات في منعطفاتها.
الموجة الأولى للسلطوية كانت مع الحزب الوحيد الذي أمسك بالأجهزة الأمنية والعسكرية، وأمّم قنوات الدعاية الإيديولوجية (التعليم، الثقافة والفن، الإعلام..)، وضيق مساحة التعبير والمشاركة السياسية، وحول الدولة إلى ضيعة للحزب الحاكم، يقمع أعداء “الثورة” وينتقم من مناضلي الحزب المنافسين بآليات النفي والاغتيال السياسي.
تكيفت السلطوية في موجتها الثانية مع تحولات النظام الدولي، وسايرت مستلزمات التعددية السياسية، وأنتجت آليتها لإعادة إنتاج نفسها بخلق حزبها الأغلبي، الذي يفوز بأغلبية مقاعد البرلمان، ويتحكم في السلطة التشريعية والتنفيذية، ويستعين بالإعلام والقضاء للترويض ومعاقبة النخب أو ترقيتها.
لم تكن تجربة الحزب الأغلبي واحدة في العالم العربي، فالغالب فيها فوز حزب واحد بأغلبية المقاعد (مصر وتونس)، وفي بعض التجارب، كان للدولة أكثر من حزب إداري، يتحالفون ويستحوذون على المؤسسات، ويخدمون مصالح السلطة والنخب الخادمة لها.
وكما حصل الاختلاف في طبيعة الحزب الأغلبي ومكوناته، فقد حصل أيضا في حجم النخب الموالية، فضاقت في بعض التجارب إلى حدود العائلة أو القبيلة (تونس واليمن)، وتوسعت قليلا في مصر، وكان لها قدر كبير من السعة في المغرب.
الموجة الثالثة من السلطوية حملت بعض الجديد لما برزت أطروحة “التنمية من غير ديمقراطية”، فتم الرهان على الأعيان ورجال الأعمال لملء فراغ السياسة وإحداث ثقل في موازين القوى لصالح السلطوية، بيد أن هذه التجربة عانت من تحد ضيق حجم هذه النخب الاقتصادية واستحالتها مع الوقت إلى رموز فساد.
الموجة الثانية والثالثة من السلطوية أخذت حيزا من الزمن، وواجهت تحدي البروز القوي للإسلاميين كأكبر قوة سياسية معارضة، وظهور تحالفات غير طبيعية بين الإسلاميين واليسار ضدها، وخروج مكونات من الطيف الليبرالي واليساري عن التحالف مع السلطوية ضد الإسلاميين، واستنفاذ رهان القوى الدولية على دعم السلطوية، وبداية تفكيرها الاستراتيجي في صيغة لدعم التحولات السياسية.
انتهت الموجة الثالثة للسطوية مع الربيع العربي، ثم حلت فوضى الخيارات: مصر عادت إلى السلطوية من بوابة المؤسسة العسكرية، وتونس اختارت الوفاق وتدبير التفاهمات بين حزب السلطة والنهضة، أما المغرب، فقد اختار أن يتكيف بطريقته مع متطلبات الدمقرطة، فنال وضعية الاستثناء.
تعاني السلطوية في العالم العربي اليوم من أسوأ مراحلها، بسبب ضيق خياراتها، فخلق حزب أغلبي بالمواصفات السابقة أصبح مستعصيا، كما صار خيار توجيه النخب الأخرى للتحالف ضد القوى الإسلامية والديمقراطية متعذرا لثلاثة أسباب: عدم القدرة على الجمع بين تلبية مصالح هذه النخب ومصالح المركب المصلحي الذي تعبر عنه شبكات النخب الخادمة للسلطة، وإجهاز السلطوية على عذرية هذه النخب في التجربة السابقة، وترسخ تحالفات إسلامية يسارية ديمقراطية خارج دائرة الإيديولوجيا.
ولذلك، تعزز الملاحظة والاستقراء، أن الموجة الرابعة للسلطوية في العالم العربي تتجه للعب بالمحظور، وتوظيف الجريمة والمخدرات، وإدماج هذا الملف في العملية الانتخابية.
تم تجريب هذا الخيار في مصر وجزئيا في تونس والأردن (البلطجة)، واليوم هناك عزل لأحزاب السلطوية تجاه مناطق الكيف ومزارعيها في المغرب، وسط تخوف من نخب سياسية من إسناد دور للبلطجة في الاستحقاقات القادمة.
الموجة الرابعة من السلطوية إن صارت ظاهرة عامة في الوطن العربي، فسيكون ذلك انخراطا في الاستراتيجية الأمريكية لبث الفوضى الخلاقة وخلق شروط تقسيم الدول العربية.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي