انتخابات بلا برامج

15 أغسطس 2016 - 22:00

ستسمعون قبل الانتخابات التشريعية المقبلة الكثير من الكلام والوعود والسب والقذف والاتهامات والاتهامات المضادة.. وسترون حروبا طاحنة بين الأحزاب ومراكز السلطة على كراسي البرلمان والحكومة، وستسمعون قصصا غريبة عن استمالة الناخبين والضحك على الذقون، وسترون أموالا كثيرة توزع على الجيوب المثقوبة، وستبعث الانتخابات أحزابا كثيرة من القبر، لكنكم لن تسمعوا ولن تروا الأشياء المفيدة والمهمة… لن تروا برامج انتخابية طموحة وواقعية، وتصدر عن رؤية أو إيديولوجيا أو تصور للدولة والمجتمع. لن تصادفوا، في الغالب، برنامجا انتخابيا مبنيا على تحليل دقيق لأوضاع البلد.. برنامجا مرقما ومذيلا بتواريخ ومواعيد وميزانيات… هذا ترف لا يشغل بال زعماء الأحزاب. 99٪‏ من الأحزاب المغربية لا برنامج لها، وهي مقتنعة بأنها تتبارى في الانتخابات على الكراسي لا على السياسات العمومية، وجلها يعتبر الأحزاب مكملا للديكور وليست قنوات حقيقية لتصريف إرادة الأمة، أما الذين لديهم تصور تقريبي لدور الحزب في الحكم فليست لديهم الكفاءات التي تسطر برامج تحل المشاكل الكبرى للدولة، والذي لديه بعض الكفاءات ليست لديه الإرادة المستقلة للدفاع عن برنامجه، وفي الأخير تلجأ الأحزاب في الحملة الانتخابية إلى «البوليميك»، أو المال، أو الوعود المعسولة، أو الاستعانة بالسلطة، أو تعليق كل مشاكل البلاد على التحكم.
المطلوب من الحكومة المقبلة، في زعمي، أن تقوم بثلاثة أشياء، وتمتنع عن القيام بثلاثة أشياء، وتجرب الاقتراب من ثلاثة أشياء، الباقي هي واجتهادها.
مطلوب من الحكومة المقبلة أن تضع سياسة عمومية لإنعاش الشغل، وإيجاد فرص عمل للشباب الحاصل على الشهادات، وألا تبقى الحكومة مسجونة في الوصفات التي ثبت فشلها. المطلوب هو الإبداع والتفكير غير التقليدي في المشاكل التقليدية، فالبطالة تنخر جسم أكثر من 22٪‏ من الشباب الحاصل على شهادات، وكل سنة يدخل إلى سوق الشغل 140 ألف مغربي، فيما البلاد لا توفر إلا حوالي 40 ألف منصب شغل.
ثاني شيء مطلوب من الحكومة المقبلة هو إصلاح المالية العمومية، وذلك باعتماد الحكامة الجيدة في صرف المال العام، وعدم تبذير الموارد القليلة الموجودة بين يدي الدولة، ثم توسيع قائمة المواطنين والمقاولات المشمولين بواجب دفع الضرائب، ومحاربة التهرب الضريبي بطرق ناعمة، ثم العمل، تحت عنوان إصلاح المالية العمومية، على تخفيض كتلة أجور الموظفين في القطاع العام التي تأكل أكثر من نصف مداخيل الدولة (تكلف أجور الموظفين حوالي 140 مليار درهم سنويا، في حين أن مداخيل الدولة الضريبية في حدود 260 مليار درهم سنويا)، وهذه الكتلة من الأجور تتجاوز المعدل العالمي الذي يجب أن تمثله كتلة الأجور من الناتج الداخلي الخام. ثالث شيء مطلوب من الحكومة المقبلة هو إصلاح حقيقي للتعليم، والاعتراف بأن الأزمة سببها الدولة أولا، ورجال ونساء التعليم ثانيا، والأسر ثالثا.. الدولة التي تركز مهمة حساسة وخطيرة في يد الوزارة بالعاصمة، ورجال ونساء التعليم الذين لا يحاسبون ولا يطورون أداءهم، ويختبئون وسط نقابات ريعية، والأسرة التي لا تتدخل في العملية التعليمية، ولا تشارك في مجالس الآباء، ولا تتابع عن قرب مسار أبنائها التعليمي (الطفل في المدرسة العمومية اليوم يكلف الدولة أكثر مما يكلفه التلميذ في أغلى المدارس الخاصة، ومع ذلك لا يحصل الأول على نصف جودة ما يحصل عليه الثاني). إذن، هناك خلل، فمن يملك شجاعة إعلانه وتحمل كلفة إصلاحه؟
ثلاثة قرارات يجب على الحكومة المقبلة ألا تقترب منها: أولا، يجب ألا تجعل من تعطيل الدستور عرفا، ويجب ألا تسمح بالإخلال ببنائه الهندسي في توزيع الصلاحيات تحت أي مبرر كان. احترام الدستور، الذي صوت عليه المغاربة، هو ضمانة للمستقبل، وخطوة نحو تحديث نظامنا السياسي العتيق. ثانيا، لا يجب على الحكومة المقبلة مراجعة قرارات الإصلاح التي قامت بها حكومة بنكيران، كإزالة الدعم عن المحروقات، وإصلاح صناديق التقاعد، فهذان إصلاحان استراتيجيان، ويجب ألا يدخلا إلى سوق البازار السياسي ومزايداته غير العقلانية. ثالثا، يجب على الحكومة المقبلة ألا ترفع الراية البيضاء أمام الفساد والريع والامتيازات غير المشروعة. الفساد وباء يزرع الحقد والكراهية في نفوس المحرومين، ويفقد الدولة مشروعيتها وثقة الداخل والخارج فيها.
الموضوعات التي يجب على الحكومة المقبلة أن تقترب منها، أي أن تهيئ المناخ المناسب لعلاجها في السنوات المقبلة هي: أولا، تغيير بنية الاقتصاد الخدماتي المغربي، لأنه اقتصاد هش ولا يوفر مناصب شغل كثيرة، ويركز الثروة في أيدٍ قليلة، وفوق هذا لا يخلق قيمة مضافة كبيرة. انظروا إلى الثلاثة الأغنياء الكبار في المملكة؛ الأول بنكي (بنجلون)، والثاني يبني السكن الاجتماعي (الصفريوي)، والثالث يوزع الغاز المدعوم (أخنوش)… كل هؤلاء جنوا أرباحا ضخمة من اقتصاد خدماتي وحجر السلطة دون أن يوفروا قيمة مضافة أو خبرة صناعية أو مناصب شغل كبيرة. ثانيا، على الحكومة المقبلة أن تقلص عدد المؤسسات والمقاولات العمومية المتضخمة التي لا تعود بالفائدة على الشعب (في المغرب 200 مؤسسة ومقاولة عمومية تتصرف في 182 مليار درهم سنويا، وجلها لا يقدم خدمة في المستوى، ولا مداخيل لخزينة الدولة، بل تصرف على نفسها وتعطي مديريها وحماتها عطاء من لا يخشى الفقر). يجب خوصصة جل المقاولات العمومية، وخروج الدولة من القطاعات التي يستطيع الخواص الاضطلاع بها تحت رقابة مؤسسات الحكامة والتقنين la régulation. ثالث موضوع يجب على الحكومة المقبلة الاقتراب منه هو إصلاح النظام الانتخابي، وجعله نظاما ديمقراطيا بدون أي وصف آخر. هذا سيساعد الأحزاب على إصلاح نفسها، وسيدفع بالأطر والكفاءات إلى التصالح مع السياسة، وسيوسع ثقة الناس في صناديق الاقتراع، وسيطرد التزوير والمال والأعيان من حلبة التنافس. (هناك ظاهرة عجيبة في المغرب، وهي أن الدستور أدخلت إليه إصلاحات جوهرية في حين أن النظام الانتخابي ظل حصنا منيعا ضد أي إصلاح، بل جرى أخيرا إفساد هذا النظام أكثر ودفع الناس إلى هجر لوائحه).

شارك المقال

شارك برأيك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

م.الشامي منذ 4 سنوات

اصلاح التقاعد في نظرك اصلاح؟

Lahcen منذ 4 سنوات

il faut rajouter : une solution aux logement citoyens, tant que il y a des boites de 50 000.00Dhs au prix de 250 000.00Dhs, on ne va pas bouger de notre places, croyez moi les crédits vont humilier l’être humain au point de perdre ça personnalité devant sa famille et sans la personnalité du père on ne réussira pas de bien éduquer les . les Pjdistes ont beaucoup appris pour mieux gerer les 5ans prochains, voter en masse le PJD, c'est la meilleur solution . marocains de demain

كاتب رأي منذ 4 سنوات

بلا بلا بلا بلا بلا بلا فيس!!!!

الحسين منذ 4 سنوات

اش كاتسنا ا سي بوعشرين شد الحكومة وهنينا ههه

محمد منذ 4 سنوات

بعيد كل البعد عن الواقعية. السي بوعشرين التعليم والتعليم فقط ولا مجال لخوصصة هذا القطاع الذي انهك المواطنين . الدولة عمدت الى الاضرار بهذا القطاع عمدا متعمدا لتتنصل منه وتدفع بالمواطنين القطاع الخاص. وكانك أعمى أو تتواطؤ مع شياطين هذا البلد. إن صلح التعليم سوف تصلح كل القطاعات ولو بعد حين.

حسن العرافي منذ 4 سنوات

تقول تعليق مشاكل البلاد على التحكم وأنت تعرف جيدا أن التحكم هو سبب كل مشاكل هذه البلاد .التحكم آسي بوعشرين هو الذي يجعلك كصحافي لا تستطيع أن تقول كل ما في جعبتك للمغاربة.........

يونس منذ 4 سنوات

مقال ممتاز و برايي الحزب القادر حاليا على هذه الاصلاحات هو العدالة و التنمية الذي جربناه في الحكومة و البلديات

سعيييييييييد منذ 4 سنوات

كلام فصيح شافي كافي جزاك الله خيرا

هشام منذ 4 سنوات

تحليل موفق،حيث اعطيت لنا خبرة تقنية و محايدة لكل الاحزاب،فهذا حزب ذو كفاءات لكن باع صميره للشيطان،وهذا حزب نظيف ولكن تنقصه بكثير الكفاءة و الشجاعة،وهذا حزب لا يملك الا الاسم،و هذا.......الخ.فما عسانا ان نفعل:هل نفوض سياستنا للنظيف الذي لن يغير شيء لقلة حيلته و ضعفه وعدم كفاءته او نفوض امرنا لمن له الكفاءات التي يستعملها للريع و للكسب الغير المشروع.الحل،في رأي يا سادة،يجب على كل الاحزاب الرجوع الى المعارضة لتصحيح نواقصهاوالتصالح مع مبادأها

عبد الرحيم منذ 4 سنوات

و هناك ثلاثة اشياء يود المواطن المغربي معرفتها اولا من يحكم فعلا في المغرب ثانيا هل لصوت الناخب اي اعتبار في قاموس من يسيرون هدا البلد ثالثا الى متى سيبقى المغربي يصوت فقط.

ادريس اشبيهي حسني منذ 4 سنوات

لقد قيل هذا في كثير من المناسبات بهذه الصيغة وصيغ اخرى منذ سنوات عدة بمناسبة الانتخابات وتجمعات الأحزاب والمجتمع المدني وأساتذتنا المحللين ً المحللين البارعين ً والمعارضين والمؤيدين منذ ان استقل المغرب ، ورغم ذلك فدار لقمان لا زالت على حالها : أمية تتفاقم وبطالة تتسع و تعليم يتدهور الى الوراء وريع يزداد ويتفاحش ولوبيات اقتصادية تنهب في خيرات البلاد ليل نهار على مرأى ومسمع الدولة واجرام في اشكاله المتنوعة يتفاقم ، وأدهى من هذا كله فالكل ينتقد وينتقد ولا من يسعى باصلاح نفسه ومحيطه والكل متشبع بفرط الانانية ومن بعدي الطوفان ، ولا حول ولا قوة الا بالله ، ًً ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ًً

عبد الكامل منذ 4 سنوات

المقال يمشي في اتجاه تحميل الحكومة المقبلة كافة المسؤولية لتدبير القرارات المصيرية المتعلقة بالبلد والحال أن هذا غير صحيح على الإطلاق في المغرب ... مهما تكن هذه الحكومة فستجد نفسها امام واقع التعايش مع الحكومة الفعلية .

abdo منذ 4 سنوات

je ne serai dire mieux bravo

علال بورزة منذ 4 سنوات

ههههههههههههه

علال بورزة منذ 4 سنوات

ههههههههههههه

لمرابط عبدالعزيز . منذ 4 سنوات

الموضوع جيد الا ان مقدمته كانت طوباوية شيئا ما .

الواقع منذ 4 سنوات

الصراحة ان المغرب يتجه للمجهول وسيناريو ليبيا الاقرب والياس العماري سيكون كارثة على المغرب وسيتسبب في اراقة الدماء نسال الله السلامة والعافية حكومة الغرف المغلقة تمكر بالليل والنهار ضدا في الاسلاميين ولعبا باستقرار المغرب والملكية

مسعود منذ 4 سنوات

لم نسمع أي حزب يتكلم عن كل هذا!مع العلم أنه شيء ممكن تصوره من طرف أي شخص!االكل منشغل الٱن بإستماة على تني المواطنين على إنتخاب العدالة و التنمية بشتى الطرق حتى أصبحنا نشهد أمورا غريبة و عجيبة و في بعض الأحيان مضحكة.

ع ل البوزيدي منذ 4 سنوات

حلول جد معقولة تضع الأصبع على الجرح ، لكنها تفترض وجود أحزاب مهيكلة وفعالة وذات عمق شعبي وسياسيين لديهم حس وطني ولا يسعون إلى الاحتيال على الناخبين للاغتناء والاستفادة من الريع والسطو على المشاريع ، وهؤلاء غير موجودين إلا من رحم ربي . شكرا على غيرتك على هذا الوطن وهذا الشعب غير المقدّريْن حق قدرهما

التالي