لا يجب الخوف من الخوف

18 أغسطس 2016 - 16:20

تكاد ردود أفعال القادة السياسيين تجاه الإرهاب تلامس حدود الشفقة، بل وحتى السخافة. فحظر تظاهرة ما بذريعة عدم اليقين من القدرة على حماية الحاضرين فيها يعتبر قرارا سخيفا، دافعه الوحيد هو الخوف من تحمل مسؤولية التبعات. بهذا المعنى، يتعين أن نغلق، فورا وإلى الأبد، كل المقاهي، كل دور السينما، كل المسارح، كل قاعات الحفلات، كل الملاعب، كل المطاعم، وبشكل عام، كل الأماكن العامة التي لن يكون بمقدورنا مراقبتها كليا.
والحال أن ردة فعل الرأي العام أمام سلوك رجال السياسة أكثر مدعاة للشفقة: فبدل التمرد على هذا التخلي عن المسؤولية الذي يحوله إلى قاصر، بدل فرض استشارته، فإن الجمهور يبدي موافقته بشكل جبان، ويأخذ بالتالي علما بأن أمنه ليس شأنا يخصه، بل هو أمر من اختصاص المنتخبين، وهذا ما يكرس غيابه.
لم يكن الاستسلام قط هو الحل أمام الخوف، بل الحل هو البحث عن الوسائل الكفيلة بجعله غير مبرر. لبلوغ هذه الغاية، من اللازم مواجهة الخطر وجها لوجه، مع البحث بهدوء عن السبل الكفيلة بالحد منه.
مثلا، أنا واثق أنه لو قمنا بتعبئة كل الفاعلين المساهمين في «السوق الكبير للسلع المستعملة المقام بمدينة «ليل» (la grande braderie de lille)- من تجار ورجال أمن، وعارضين، ومنتخبين، وزوار وسكان- لتوصلنا إلى توافق كفيل باحتواء هذا الخطر.. هذا الخطر الذي يتمثل في مواجهة تهديد سيظل، في كل الأحوال، قائما: من يستطيع فعلا منع إرهابي من ارتكاب مجزرة داخل حافلة بمدينة «ليل» في نهاية الأسبوع الذي كان سينعقد فيه السوق الكبير للسلع المستعملة؟
إن إلغاء هذه التظاهرة بمدينة ليل يندرج في إطار الموقف السخيف لجل القادة السياسيين من مبدأ «الاحتياط» (précaution). لقد تم وضع هذا المبدأ، بحق، للحؤول دون أي تجربة يمكن أن تكون لها عواقب وخيمة على الطبيعة والإنسان، بيد أنه يجري اليوم تطبيق هذا المبدأ بشكل عشوائي لحظر أي نشاط سيضع مسؤولية المنتخب، مهما كانت ضئيلة، على المحك.
إن العيش محفوف بالمخاطر، والوجود في القبر هو وحده الخالي من أي خطر. إننا نحكم على مجتمعنا بالموت بالإذعان للخوف. فهو سيفضي بنا أولا إلى الجبن، والانغلاق، ثم بعد ذلك سيدفعنا إلى التعاون مع أولئك الذين يجب علينا محاربتهم.
لا يستسلم أي عدو أبدا في مواجهة كائن خائف. وهذا الأمر يدركه جيدا كل الذين وجدوا أنفسهم، يوما ما، في مواجهة تهديد ملموس ووحشي. والخوف هو الحليف الأساسي للديكتاتوريات، سواء كانت منزلية أو سياسية.
إن تعلم التحرر من الخوف ليس أمرا هينا. ولتحقيق هذا المبتغى، يتعين أولا أن نستوعب جيدا أن الهلع يفضي، فرضا، إلى تحقق ما نخشاه أكثر، كذلك يجب الإقرار بهذا الخوف وبأنه أمر طبيعي، ولكن لا يجب الاستسلام له. يجب ألا نخاف من الخوف.
هكذا، فالدفاع عن الطبيعة لا يتطلب الخوف منها، بل يتعين التحلي بالجرأة اللازمة لفهمها. وحماية المجتمع لا تفرض الاستسلام لأولئك الذين يحاربونه، بل تستوجب مواجهتهم بحزم.
أمام الخطر المحدق، لدينا الخيار بين التعاون (مع العدو) أو التعبئة الشاملة.. وبين الخوف والرزانة.
إن عدم الخوف من خوفنا لا يفضي بالضرورة إلى تبني موقف عبثي.. لا يعني التقدم نحو مدافع العدو دون أدنى احتياط، بل يعني البحث عن أفضل السبل لتعطيلها، وذلك بـ:التعليم والقوة والأخلاق.. وبالاستعمال الجريء لكثير من الكلمات التي يمنعنا الخوف من قولها.
* ترجمة: مبارك مرابط
عن «ليكسبريس»

شارك المقال

شارك برأيك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

التالي