معراج شخصي

23 أغسطس 2016 - 15:39

بقلم: أمجد ناصر

لم أكن ميتاً. حسبوني كذلك. من لديه وقتٌ، ساعتَها، ليجسَّ النبض، أو يسدَّ منخرين بقطعة قماش. جاءت عرباتٌ تجرّها كائناتٌ، نصفُها بشريٌّ ونصفُها حمارٌ وحشيٌّ. رموني مع الذين قضوا نحبهم. كنتُ مختنقاً، ولم أكن ميتاً تماماً. بلا نَفَسٍ تقريباً. لا أعرفُ ما الذي أصابني. كان هناك هواءٌ حامضٌ ومرٌّ وحريفٌ وثقيل. تنفسّته. فلم يكن هناك هواءٌ غيره. مؤكدٌ أنَّ لوني شحب، وأطرافي ارتجفت، وفمي طفح بزبدٍ. رأيت آخرين على هذه الهيئة، لكنهم كانوا متخشّبين، قطعةً واحدة. هكذا يكون الأموات. أليس كذلك؟ لأنَّ الدم والنَفَس والذكريات تُطرّي الجسد، وتجعله قابلاً للانثناء.
بسبب كثرتنا. لأننا ملأنا الأرض التي كانت خضراء بما لا أدري، فصارت خضراء من القيء وبرادة النحاس. راحوا يرموننا على عجلٍ في العربات التي ظلت تعمل على مدار الساعة. هكذا وصلت إلى هنا خطأً. ربما. لست متأكّداً. كنت بلا طاقةٍ لأدافع عن بقايا نَفَسي، ونبضي الضعيف وقدرتي على رؤية الأشياء بالأخضر، وذاكرتي التي طفقت تستعرض، بآلية خاصة بها ولا قدرة لي على وقفها، كلَّ الأشياء التي أحببتها، خصوصا الماء.
عطشان. رأيت ماءً كثيراً. رأيت ينابيع. شلالاتٍ. أنهاراً هادرة. واحاتٍ في صحراء. ماءً ينزُّ من كتف جبل. سواقيَ كاد خريرُها أن يعيدني إلى مكانٍ عشت فيه سعيداً، ونسيت أين هو. عندما قاموا بفرزنا صحوت. رأوني أحرّك يديّ. ثم أفركُ فحلَ بصلٍ أخرجته من جيبي (كيف وصل إلى هناك؟) على أنفي. لم أكن أرتدي كفناً. لا آثار بلطاتٍ أو طلقاتٍ على جسدي.  حاروا أين يضعونني. هذه قوافل الموتى تتوافدُ. هناك مهاجعهم التي يُفرزون إليها بأرقامٍ في أعناقهم. وأنا لست ميتاً. لا يصعد الأحياء إلى هذه الأعالي. أجسادهم أثقلُ من أن تُنْقَلَ حتى في عرباتٍ تجرّها كائناتٌ نصفها بشريٌّ، ونصفها حمارٌ وحشيٌّ. لا يصعد الأحياء إلى علييِّن. لم يتذكّروا أنَّ حيّاً وصل إلى هنا، ولا يعرفون كيف يعيدون الأحياء، فمن يصل إلى هنا لا يعود. ليست هناك طريق رجعة.
سألوا من أنا؟ نسيت، بالضبط، من أكون، فقلت لهم رسول! جفلوا. ليست هيئتي لرسولٍ، ولا يُرمى الرسلُ، كيفما اتفق، في عربات الموتى. تغيَّرت ملامحهم، فقلت لهم كلا لست رسولاً، فلا أقوى على ذلك. ولكن، بما إنني وصلت إلى هنا، ولم يفعل ذلك حيٌّ قبلي، ربما شاعران، أحدهما يسمَّى المعري والثاني يدعى دانتي، فأنا رسولُ الذين ظلوا في بلاد البراميل والسارين في مملكة آدم التي ترون، من مرتفعاتكم البعيدة هذه، اللهبَ الذي يتصاعد من أطرافها، والدخان الذي يلفّها، والروائح التي تزكمُ الأنوف (ألا تشمُّونها؟) وبما أني وصلت إلى هنا خطأ، وهذا، كما فهمت، لم يحدث من قبل، فذلك يعني أحد أمرين: أنَّ الأخطاء ليست عُمْلةً بشرية فقط، أو أنَّ في ذلك دلالة. يحلو لي الأمر الأخير. قولوا له إني أريد أن أراه. أريد أن أقول له إني قادمٌ من مملكة مخلوقه آدم، حيث صارت الكلمةُ للزومبيين، مصّاصي الدماء، أكلة لحوم البشر، هاتكي الأعراض، مغتصبي الصبية الصغار، رجالِ الخازوق والكراسي الكهربائية، مُحَوّلي القرود إلى بشرٍ والعكس، عاقّي آبائهم وأمهاتهم، من يقطعون الرؤوس كدرسٍ سريعٍ في التشريح، خَزَنةِ البراميل المعبأة بـ «تي إنْ تي» والمسامير وأنصال السكاكين، وغيرهم وغيرهم.
لست متأكّداً من أنه على علمٍ بما يجري، أو ربما نسينا، فمن نحن في سديمه اللانهائي هذا. هناك شيء خطأ. ليس وصولي إلى هنا. ولكن ترْكنا في ظلماتٍ لم يُنِرها قبسٌ واحدٌ. ظلمات خلفها ظلمات خلفها ظلمات. ومثل موسى، لن أبرح مكاني هذا الذي لا أعرف أين هو، حتى أراه يضع طرف إبهامه على أنملة الخنصر، فتسيحُ سبعة جبال دفعةً واحدة.
عن «العربي الجديد»

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي