ماذا خسر العالم بضمور الحب؟!

29/08/2016 - 15:37
ماذا خسر العالم بضمور الحب؟!

بقلم د. محمد بالدوان

رسمنا لأنفسنا، في عصر الحداثة وعصر ما بعد الحداثة، صورة شائعة استهلكتها أمم تنافسنا، فرسخ في مخيالها ذاك المسلم الشرقي المتشدد والمعاكس لمسار التاريخ ونوازع الفطرة الإنسانية.
بينما أحسن ابن حزم، مثلا، دوره الحضاري، إذ كان على تماس مباشر بالغرب؛ يحاوره برسم صورة عن المسلم في غاية الدقة والجمال، لم يفت « خوان غويتسولو » التقاطها ليوظفها في مواجهة الصورة النمطية التي رسمها الغرب عن الشرق، إذ قال: « كتب ابن حزم ما معناه أن الحب لا يمكن أن يحرمه الإيمان ولا أن ينهى عنه شرع ».
وما ساعد ابن حزم في عرض هذه الصورة، منهجه الأصولي الذي لا يعترف إلا بالنص الثابت الملزم، الذي يؤطر مساحة ضيقة من الدين تحفظ الخصوصية، وتبقي الحظ الأوفر للمباح والمشترك الإنساني. من هنا بعث ابن حزم صورة حضارية معقولة، مثيرة ومغرية تعكس حقيقة أمته لعلها تترك بصماتها على المخيال الغربي بشقيه الوسيط والحداثي، بصمات حملت شيئا جديدا يسمى »الحرام في العلاقات العاطفية »، وذلك ما أطلق عليه ابن حزم في أحد مباحث « طوق الحمامة »: « قبح المعصية » في الحب.
وكأني أرى النموذج الحزمي قد شق طريقه بالتأثير على المخيال الغربي منذ العصور الوسطى، حيث كان الغرب يعتبر الحب العفيف والزواج الشرعي شبقية مفرطة. ثم بلغ هذا التأثير منتهاه، في الحقبة الحداثية وما بعد الحداثية، باستلهام النموذج بحثا عن شرعية للعلاقات العاطفية والجنسية الشاذة.
بمعنى أن النموذج المعتدل الذي أطلقه ابن حزم من الأندلس، والذي أثر في « الشعراء التروبادور في جنوب فرنسا، الذين ازدهر شعرهم في مطلع القرن السادس الهجري »، واجهته حضارة الغرب عموما بالرفض والتحفظ، فساعدها عصر النهضة على استلهامه وتمثله، ثم جاء عصر الأنوار ليحرفه قليلا، ثم انتهى هذا المسلسل بتحويل هذا النموذج السوي النبيل إلى نموذج مفعم بالشبقية، ومشبع بنزوات الجسد، ومرتبط بغاية تحقيق اللذة، وخاضع لقيم لا معيار لها، واللامعيارية « في الفلسفة الغربية الحديثة هو إعطاء الجنس (واللذة والشهوة والرغبة) أسبقية معرفية على كل الأشياء، بل إن الجنس بدأ يحل محل اللغة ».
أما الحب العذري الذي نظّر له ابن حزم، وكما أكد ذلك عنه « غارسيا غوميس »، « هو ذلك الذي يرضى بصبوة القلب فلا تؤججه نار الشهوة ». ويحاول غارسيا غوميس أن يجيب عن التناقض الذي يكتنف صورة الغرب عن الشرق بقوله: « يجب أن يبحث عن الحب الحقيقي تحت خيمة الأعراب القاتمة ».
إن مثل هذه الاجتهادات تفند ادعاء سطحية العقل الإسلامي، خاصة إذا استُحضر ابن حزم الظاهري، ولو صح ذلك لما وافق منهج ابن حزم الجاحظ، وهو من رموز العقلانية الإسلامية. والقارئ لكتابات ابن حزم، حتى في الفقه والأصول، لا يخفى عنه أساسها العقلي الذي استعمله ابن حزم لدحض حجج مخالفيه، وليبرهن على أن النص وحدة قياس دقيقة تُعَرّف الناس فروض الدين وتدفعهم إلى عقلنة شؤون الدنيا.
قد يراني كثير منكم مبالغا في الحديث عن الحب، ويرى آخرون أن حديثي عنه ليس من أولويات المرحلة، ويتهمني أظلم الناس بأني أكتب عنه لغرض في نفسي. وفي الحق إن مهمة الشهود الحضاري تفرض بيان كل القضايا، ولعمري إن عالمنا الإسلامي وغير الإسلامي بحاجة ماسة إلى الحب، بل أقول إنه من أولويات مرحلة اكتأبت فيها الحياة، وتألهت فيها المادة، وشاعت فيها الحروب والأحقاد، وصار فيها العنف جميلا والإرهاب مقدسا، وزكمت هواءها رائحة الموت.

شارك المقال