تاريخ أوربا: الدروس المستفادة في الديموقراطية

07/09/2016 - 12:36
تاريخ أوربا: الدروس المستفادة في الديموقراطية

بقلم: يوسـف كريم
أصبحت الديموقراطية بمثابة القيمة الأولى في سلم القيم السياسية والمطلب الأول من بين المطالب الاجتماعية، بل تكاد أحيانا تأتي قبل الخبز حيث الاعتقاد بأن الحرمان من الخبز قائم على الحرمان من الحرية، وأصبح التحول نحو الديموقراطية بمثابة الهدف الذي يشكل تحقيقه مدخلا إلى تحقيق الأهداف الأخرى، بينما يعني فشله الغوص أكثر في الأزمة والتخبط الشامل.
غير أن فكرة الديموقراطية وإن أصبحت قريبة من حيث الإمكانية التاريخية والفكرة الشعاراتية، فهي مازالت بعيدة ومازال الكثير مما ينبغي عمله قبل أن يترسخ السير في اتجاهها، ذلك أن التحليل السياسي للواقع العربي يظهر لنا بأن الأخذ بالديموقراطية لم يساعدها على الخروج من تخلفها. فلماذا نجحت الديموقراطية في الغرب وانتكست في مجتمعات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؟.
إن عملية إنتاج الثقافة الديموقراطية لا تنشأ بين عشية وضحاها، بل هي عملية تراكم تاريخي قد تستغرق عقودا، بل وحتى قرونا من الزمن، وهذا ما يستوجب تأمل تاريخ أوربا وقراءة سياقها التاريخي وما عرفته من طفرات وثورات أفضت في النهاية إلى الانتقال نحو الديموقراطية. فقد كان النمط القديم في أوربا يقوم على الشرعية التقليدية التيوقراطية، وكان يبعد الشعب من مجال السياسة، على أن هذا النمط من الشرعية كان في صراع مع شرعية أخرى بدأت ملامحها تظهر تدريجيا وتقوم على الفكر الحداثي الذي يدعو إلى تأويل جذري للمعتقد الديني، وتنادي كذلك بحق الشعوب في مقاومة الطغيان وبحقها في تدبير شؤونها بنفسها.
إن السلطة السياسية بنظر الفكر الحديث هي من وضع بشري أقيمت لغايات محددة، ومن ثم فالسلطة التي تحظى بالشرعية هي تلك التي تعتمد على الموافقة الشعبية والتي هي مسايرة للقيم والمبادئ السائدة في المجتمع. هذا التوافق بين المجتمع والسلطة هو الذي يدل على الشرعية السياسية التي يتمتع بها الحكم، على أن القيم والمبادئ ليست في حالة سكون، بل إنها في تغير وتجدد دائمين، وإن كان هذا التحول لا يتم في الواقع التاريخي إلا بإيقاع بطيء ولا يظهر بكل جلاء ووضوح إلا في أطوار متأخرة من التطور الاجتماعي.
وحسب كتب التاريخ، فالفرنسيون الذين اخترعوا الثورة الفرنسية كلفهم اقتحام سجن « لاباستيل » يوم 14 يوليوز 1789 أكثر من عشرين ألف قتيل في يوم واحد، وعندما احتلوا السجن وحرروا السجناء وقطعوا رأس الملك، فقد اخترعوا ما يسمى بالتسيير الجماعي قبل أن يعيشوا تحت نظام « الكونسيلا » بزعامة بونبارت، لكن الملكية عادت لتطل من جديد وإن بشكل قصير لتأتي على أنقاضها أخيرا الجمهورية الفرنسية، أي أن الوصول إلى هذه المرحلة الأخيرة تطلب مائة عام، فقد اندلعت الثورة سنة 1789 ولم تعلن الجمهورية إلا سنة 1889، فتغير تاريخ فرنسا ومن بعدها تاريخ أوربا كلها.
لقد عرفت أوربا أحداثا وثورات مطبوعة بالحركة والانتقال والتحول، فمرحلة التنظير لفكر الاستبداد تم تجاوزها، والمجتمعات الأوربية التي أعادت هيكلة وجودها في إطار دولة قومية، واستطاعت أن تقصي الكنيسة كمصدر للسلطة والسيادة، وأن تحقق الاكتشافات العظيمة على كافة المستويات، كل ذلك كان لابد وأن يؤدي إلى تطور الفكر السياسي وإلى ظهور أفكار جديدة تعلي من شأن الأمة وتمنح المواطنين مزيدا من الحقوق القانونية والسياسية، وكانت هذه الأفكار، فضلا عن تراكم التطورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بمثابة الأرضية التي أدت إلى قيام الشعوب الغربية بالاندفاع نحو التغيير السياسي تجاه الديموقراطية.
وعلى نقيض أوربا، فقد عاش الوطن العربي حالة من الجمود والعجز عن التفكير والإنتاج والنمو، ولم يحصل أي تفكير عقلاني أو تحول ثقافي على مستوى المجتمع والدولة، وكانت البيئة العربية تتسم بسيطرة العلاقات القبلية والعشائرية والعائلية والطائفية التي تتحكم في سلوكيتها القيم الثقافية للعقلية التقليدية، والتي من نتائجها تمسك أفراد كل مجموعة بقيم مجموعتها والتعصب لها، وقد انعكس هذا التمسك والتعصب على النظام السياسي وظهر في عدم قدرته على خلق ثقافته السياسية، والتي تفترض أن تمثل الإرادة الحقيقية للمواطنين، ففشلت بذلك الديموقراطية في القيام بعملها التطوري، إذ من المعروف أن ثقافة الديموقراطية تتعارض جذريا مع ثقافة القبيلة والطائفة، ولا يمكن بناء الدولة الحديثة الديموقراطية دون إحداث قطيعة مع البنيات الطائفية التقليدية، وقد سبق للمفكر الراحل « محمد عابد الجابري » أن أكد أن مقاربة الوضع الإشكالي للديموقراطية بالوطن العربي تقتضي في الحقيقة « إحداث انقلاب تاريخي لم يشهد عالمنا لا الفكري ولا السياسي ولا الاجتماعي ولا الاقتصادي له مثيلا »، وأن من مظاهر الانقلاب التاريخي المطلوب من الديموقراطية إحداثه في الوطن العربي انقلاب قوامه « إحلال الولاء للفكرة وللاختيار الإيديولوجي الحزبي محل الولاء للشخص حيا كان أم ميتا، شيخا لقبيلة كان أو رئيسا لطائفة، وإحلال التنظيم الحزبي المتحرك محل التنظيم الطائفي والعشائري الجامد. كل ذلك وصولا إلى انتقال سليم للسلطة بمعناها الواسع ».
إن الصراع في الوطن العربي هو صراع من أجل السلطة المرتبطة عضويا بالاستبداد، وهو ما حال دون إقامة دولة مدنية بالمعنى الحقوقي الإنساني المتعارف عليه كونيا، فقد جعلت ثقافة الاستبداد المتجذرة عند العرب كل شيء في خدمة أهل السلطة والمقربين منها، حيث تتحول السياسة إلى فن في بناء السلطة لا في بناء المجتمع، فغابت الحركية المطلوبة داخل المجتمع، وانتشرت ثقافة الإقصاء على حساب تأهيل الأفراد والجماعات والمؤسسات والأحزاب لثقافة الشراكة، وما دمنا لا نؤمن بضرورة قيام الشراكة في النظام السياسي والمجتمع، ولا بضرورة الفصل التام والنهائي بين الوحدانية في نظام الألوهية والشريك في ميدان الحكم والسياسة، فإننا لا نستطيع أن نعطي للديموقراطية معنى ولا لمضمونها أبعادا فكرية واجتماعية واضحة.
ليس هناك طريق لبناء الديموقراطية غير الديموقراطية نفسها، والديموقراطية لا يمكن استحضارها داخل بنية سياسية جامدة متكلسة لا تؤمن بالتعاقب على السلطة، فهي ليست فقط أسلوبا في إدارة الحكم وتوزيع الثروة وفق إرادة الأغلبية، وإنما هي أيضا ثقافة سياسية حديثة وتجربة إنسانية للإنسان بما هو إنسان، كما أن الديموقراطية لا تولد جاهزة من رحم نظام الاستبداد الفاسد، ولكنها تحتاج إلى بناء نظري وعملي من الصفر، ومستقبلها يتوقف في مجتمعاتنا على نجاحنا في بلورة التصور السليم، وتحديد الوسائل الملائمة والاستراتيجيات الفعالة التي توصلنا إلى تشييد هذا البناء.

باحث

شارك المقال