أوهام التناوب الثالث

08 سبتمبر 2016 - 22:00

ما لم يقله الوزير التقدمي نبيل بنعبدالله في الصخيرات قاله في البيضاء، وفتح قلبه لجمعية خريجي العلوم السياسية بباريس ووضع أصحابها في صورة الإكراهات السياسية غير المرئية التي تحدث خلف الستار، والتي لا يتحدث عنها الناطق الرسمي باسم الحكومة ويكتفي عبد الإله بنكيران بالتلميح إليها بين الحين والآخر حسب الظروف والأحوال، يقول وزير السكنى وسياسة المدينة: «إكراهات كثيرة واجهتنا في الحكومة، لقد تبين أن هناك ملفات من الصعب على الحكومة الاقتراب منها، رئيس الحكومة نفسه كان يكتشف أن أمورا تتم في الدولة بالموازاة مع عمل الحكومة وهو لا علم له بها». وفي الختام يقول زعيم التقدم والاشتراكية فيما يشبه الخلاصة: «لا يمكن للمغرب أن يتقدم إذا لم يكن رئيس الحكومة مسؤولا عن كل شيء وعن كل الملفات في الحكومة، باستثناء ما هو منصوص عليه في الدستور من صلاحيات للملك في المجال الديني والعسكري ووظيفة التحكيم».

الآن نحن أمام شاهدي عيان من داخل الحكومة على وجود دولتين في المغرب، أو كيان مواز يشتغل بمنطق (يدي ويد القابلة). عبد الإله بنكيران الذي قال قبل أسابيع: «توجد في المغرب دولتان، الأولى يترأسها جلالة الملك، والثانية لا نعرف من يرأسها». وشهادة نبيل بنعبد الله عن وجود ملفات لا يمكن للحكومة أن تقترب منها وعن قرارات تتخذ من وراء ظهر الحكومة التي انتخبها الشعب، ولو امتلك الوزراء الآخرون الشجاعة لقالوا الشهادة نفسها بطرق مختلفة.

لقد سبق للوزير الأول السابق عبد الرحمان اليوسفي أن قال نفس المعنى بكلمات أخرى بعد أن أنهى ولايته الحكومية وسافر إلى بروكسيل لينعي من هناك صفقة التناوب التي لم تنجح، لكن هذا كان في ظل دستور 1996، وكان مبررا إلى حد ما باعتبار أن الحكومة كانت تحت وصاية كاملة للقصر الملكي، لكن أن نبقى إلى اليوم ضمن خطاطة 96 وأن لا ننتقل إلى خطاطة 2011، فهذه خسارة سياسية كبيرة، وانحراف دستوري وسياسي يجب التوقف عنده، ويجب مناقشة أسبابه العميقة، ويجب على الأحزاب التي تتبارى اليوم على ثقة الشعب في الانتخابات أن تخبره عن برنامجها للعودة إلى الدستور الجديد الذي صادق عليه الشعب وأصبح المرجعية العليا للأمة بما له وما عليه.

بنكيران كان أمام ثلاثة خيارات عندما رأى أن توزيع الصلاحيات في الدولة يجري خارج ما ينص عليه الدستور، وأن هناك كيانا موازيا يحاول أن يتصرف في القرار العمومي على منوال ما كان سائدا قبل الدستور، كان الخيار أمام بنكيران إما أن يقدم استقالته ويذهب إلى بيته ويحدث قطيعة كبيرة مع الدولة، وإما أن يقبل بالأمر الواقع ويتحمل الضربات ويغلق فمه، وإما أن يصبر على هذا الوضع ويتمسك بالمنصب الحكومي وأن يصارح الرأي العام بما يجري، وأن يعوض بالكلام ما عجز عن تغييره باليد، وعينه على تطور العملية الديمقراطية ومشاركة الرأي العام أكثر في السياسة ودواليبها… اختار الحل الثالث، ولكل خيار ثمن، ولكل سياسة فاتورة والشعب هو الذي سيحكم على منهجية بنكيران وحكومته في التعاطي مع الدستور الجديد، الذي لم يعد المرجعية العليا لتدبير القرار العمومي في المملكة.

السؤال الآن عن برامج الأحزاب إزاء هذه النازلة أو بتعبير آخر كيف تنزل الحكومة المقبلة الدستور الجديد للملكة بكل تفاصيله، دون أن تصطدم مع الأنوية الصلبة في الدولة؟ وكيف يحافظ رئيس الحكومة المقبل على صلاحياته كاملة، وعلى مسؤوليته على الإدارة والسياسات العمومية، وفي نفس الوقت على الانسجام والسلاسة مع آلة السلطة التي تميل إلى التأويل الرئاسي المفرط لنظامنا السياسي عِوَض التأويل البرلماني المنفتح بحسب تعبير المؤرخ المغربي عبد الله العروي.. المغرب يتغير وأجياله تتبدل وثقافته تتحول والمحيط من حوله يتزلزل، لكن السياسة تصر على أن تستحم في مياه النهر مرتين!.

في نظري هذا أهم سؤال سياسي في المرحلة المقبلة والجواب عنه سيرسم مستقبل الأحزاب السياسية ودورها في الإصلاح ومستقبل التحول الديمقراطي في المغرب، هذا التحول الذي تاه عن المسار الذي رسمه له الملك محمد السادس في خطاب 9 مارس الذي أعقب انتفاضات الربيع العربي…

أما نبوءة إدريس لشكر حول قرب حلول زمن (التناوب الثالث)، فهذه أضغاث أحلام، نحن مازلنا نجر خيبات فشل التناوب الأول الذي قاده الزعيم التاريخي للاتحاد عبد الرحمان اليوسفي، وإذا كانت مدينة طنجة قد فرحت بافتتاح شارع باسمه وسطها، فإن السياسة المغربية لم تفرح بخيبات فشل مشروع اليوسفي الكبير مع الحسن الثاني حول تناوب الشجعان…

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مغربي من المغرب منذ 5 سنوات

شكرا ل ق.م لقد لخصت كل شيء واللي باغي يفهم يفهم ولي باغي استهبل الشعب في كل مرة يبتدع تحليلا جديدا لما تستدعيه الحاجة فلن نقول كدبت حتى يحشم

karim mousawi منذ 5 سنوات

إستلمنا الحكومة بدون حكم هذه هي حكومة التناوب الاولى برئاسة السيد عبد الرحمان اليوسفي مع الاسف هناك صفة مشتركة بين جميع الاحزاب السياسية و هي تعلم علم اليقين على ان دورها شبه شكلي و رغم ذلك تنخرط في العملية خاضعة خانعة لانها ببساطة لم تأتي لتواجه الدولة الموازية كما يزعمون بل جائت لتتناحر فيما بينها أي الحكومة و المعارضة و تأتيث المشهد السياسي و تمويه الرأي العام الداخلي و الخارجي بأن المغرب دولة المؤسسات و الديمقراطية السياسية و الخروج بتقاعد مريح و ترك إرث سياسي ثقيل تتعامل معه الحكومة الجديدة على نفس المنوال و هكذا دواليك

elmehdiboutalha منذ 5 سنوات

كما قلت أستاذ بوعشرين , بنكيران اختار الحل الثالث لعدة أسباب منها : ° عندما وصل بنكيران الى سدة رئاسة الحكومة , وكان في تلك الفترة مسنودا بزخم ثوري وحراك مجتمعي ومحيط عربي يعج بالثورات , حاول أن يخترق بعض الحواجز الاسمنتية المنصوبة أمامه من بينها القطب الاعلامي العمومي الذي أراد وزيره الوصي أن يحدث خلخلة فيه وذلك بالزامه بدفتر تحملات يخضع بموجبها لمبدأ الشفافية والمنافسة , أقامت القوى الموازية ــ من خارج الدولة العميقة ــ وأعني بها الأحزاب التي تدعي الديموقراطية والحداثة والتقدمية الدنيا ولم تقعدها على محاولة الوزير تطبيق هذا الاجرآء البسيط الذي يدخل ضمن اختصاصاته, فكان ماكان وأقبر المشروع. ° وعندما حاول بنكيران احداث صندوق خاص بالأرامل والمطلقات وبعض الفئات الأخرى المهمشة حورب في ذلك من زعيم حزب داخل التحالف الحكومي بدعوى أن ذلك يخدم بنكيران وحزب العدالة والتنمية في الانتخابات القادمة . ° ثم عندما يهدد زعيم حزب داخل التحالف الحكومي بالخروج من هذا التحالف ويغادر الحكومة فعلا لأسباب غير معروفة لحد الآن , وان كان تصرف هذا الزعيم لايمكن أن يصدر عنه شخصيا الابتعليمات من الدولة العميقة . وتزامن ذلك مع ماوقع من ردة وغدر وخيانة وانقلاب على الشرعية والتجربة الديموقراطية في مصر المنكوبة بحكم العسكر. وكذلك ما وقع في تونس من محاولة لاجهاض التجربة الديموقراطية الفتية هناك ,لولا حكمة وتبصر زعمآء حركة النهضة وقيادات بعض الأحزاب والمجتمع المدني لكانت تونس دخلت في كارثة مثل مصر المغتصبة من طرف عصابات العسكر. زيادة على التحريض الدولي والتهييج الاعلامي التابع لدوآئر الاستعمار الغربي والصهيوني بالخصوص ــ ضد هذا الحراك الثوري الجارف في العالم العربي ــ ثم المال الخليجي السآئب المستعد لتمويل الانقلابات والحروب الأهلية والطآئفية في المنطقة العربية. كل هذه العوامل وغيرها جعلت بنكيران يختار الحل الثالث , وفي ذلك تجنيب للبلاد والعباد الكوارث والأزمات , والتاريخ وحده هو الذي سيحكم على هذا الخيار هل هو صآئب ؟ أم غير صآئب ؟ .

ق.م منذ 5 سنوات

ليس هناك لاتناوب ولا هم يحزنون انما الهوس والحلم بالعودة الى كراسي السلطة،أما الحديث عن دستور 2011 من طرف كل من هب ودب حتى اصبح اسطوانة مشروخة،وما دستور 2011 الا استنساخ لدستور1996 مع اضافة بغض الرتوشات وتغيير المنطق القانوني في بعض فصوله والمحافظة على ما هو جوهري في الدستور السابق ،لذا ماقاله بن كيران أو غيره سيقوله اخرون مستقبلا اذا تحملوا مسؤولية تدبير الشأن العام ،لأن المخزن هو المتحكم في كل شيء في العمق وما تبقى قشور فكيف لك أن تدبر القشور بمعنى اوضح نحتاج لملكية برلمانية اذا اردتم فعلا ربط المسؤولية بالمحاسبة ،او اصمتوا أحسن واتركوا الأمر تسير على حالها...

عبدااله منذ 5 سنوات

المشكل ان بن كيران لم يفضحهم وفي حالة انتخابه للمرة الثانية فسيكون نفس المصير لنةيستطيعىان يفعل اي شيء

عبد الحق منذ 5 سنوات

القول بأن رئيس الحكومة فاجأته أمور لم يكن ليعلمها، عذر أقبح من الزلة، أما كلام بنعبد الله فلا قول فيه لأنه قابل للانقلاب 180درجة حيثما تكون مصلحته . و كلام السياسيين في الليل يمحوه النهار.

علال منذ 5 سنوات

الخلاصة التي انتهيت اليها تناقض المقدمات التي سقتها ببساطة ما الذي يجعل وزراء هذه ااحكومة ورئيسها يدافعون عن صلاحياتهم في المرة القادمة عكس ما فعلوا هذه المرة العجز واضح جلي لان مجرد الحديث والتشكي يتم بلغة مشفرة مفتوحة على كل التأويلات للتراجع عنها عند الضرورة

نوايا ... منذ 5 سنوات

نعتقد ان نبوءة لشكر تنطلق من التجربة الحالية التي اتت بعد 20 فبرايروالتي استنفذت نفسها ، فقد كانت الحاجة اليها لتجاوز مرحلة من الاختناق السياسي فرضها الربيع العربي الذي هب على المغرب ،كما حصل عندما تم استدعاء الاتحاد الاشتراكي وبالتالي المغرب مقبل على العودة الى نفس الوضع السابق ، الى ان تاتي الحاجة الى " تناوب من نوع آخر " ربما يتنبأ فيه كثير من الملاحظين بان يكون مع قوى مجتمعية قد تكون يسارية او اسلامية من نوع آخر ، بعد ان يتم تدمير حزب العدالة والتنمية كما تم تدمير الآتحاد الاشتركي ومعه اضعاف حزب الاستقلال اللذان كانا يتزعمان ما كان يسمى حينها بالكتلة التاريخية ...

aziz منذ 5 سنوات

وإما أن يصبر على هذا الوضع ويتمسك بالمنصب الحكومي وأن يصارح الرأي العام بما يجري، وأن يعوض بالكلام ما عجز عن تغييره باليد، وعينه على تطور العملية الديمقراطية ومشاركة الرأي العام أكثر في السياسة ودواليبها… اختار الحل الثالث، ولكل خيار ثمن، ولكل سياسة فاتورة والشعب هو الذي سيحكم على منهجية بنكيران وحكومته في التعاطي مع الدستور الجديد، الذي لم يعد المرجعية العليا لتدبير القرار العمومي في المملكة ــــــــــــــــــــ - فليحكم المصوت الواعي المدقق في مجريات الأمور. كيف تنزل الحكومة المقبلة الدستور الجديد للملكة بكل تفاصيله، دون أن تصطدم مع الأنوية الصلبة في الدولة؟ وكيف يحافظ رئيس الحكومة المقبل على صلاحياته كاملة، وعلى مسؤوليته على الإدارة والسياسات العمومية، وفي نفس الوقت على الانسجام والسلاسة مع آلة السلطة ــــــــــــــــــــ ذاك هو مربط الفرس أيها المصوت، وليس الانجرار في الشخصنة والسب بلا فهم الدقائق والإكراهات، وكأن من سيرأس الحكومة غدا سينتصر على هذه التحديات العميقة والكبيرة...

كرماوي منذ 5 سنوات

لاتناوب الشجعان ولاهم يحزنون الدليل على ماقاله إبن كيران وبن عبدالله نرى الان برلمانيين محكوم او عليهم أحكام والان يريدون الترشح من يمنعهم من دالك وهم مسنودون من اي جهة لايعلمها الا ألله وان كان غير دالك فعلى الداخلية ان تمنعهم من الترشح سوف نرى يوم 7اكتوبر وتتجلى الأمور هل نحن في دستور 2011 ام غير دالك

التالي