أي طعم للعيد والدماء تُراق والأنفس تزهق؟

15/09/2016 - 11:57
أي طعم للعيد والدماء تُراق والأنفس تزهق؟

بقلم: محمد بنلحسن

إن معاني العيد في الإسلام ودلالاته وأبعاده ومقاصده، تتجاوز الفرحة التي يمكنه أن يرسمها على قسمات الأفراد والأسر والجيران والأقارب والأحباب والأصدقاء والمجتمع بأسره، إلى البهجة العارمة التي تعم الأمة جمعاء وتشملها فردا فردا، في مشارق الأرض ومغاربها، لأن ديننا الحنيف، وشريعتنا الغراء السمحة، لَقَّنَا المسلمين منذ نزولهما، أن إيمان الفرد لا يكتمل، إلا في حالة التخلي عن التعلق بالذات المفردة، والتحلق حول نزعاتها ونزوعاتها، وذلك بعد القيام بالانفتاح على الآخرين، لاسيما المحتاجين إلى عطفنا وحناننا وإشفاقنا؛ عن طريق الإيثار؛ الذي يعتبر من القيم الإسلامية النبيلة والسامية… »لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه » .
وبناء عليه، نتساءل عن أجواء عيد الأضحى عندنا اليوم، هل تشترك معنا فيها سائر الشعوب العربية والإسلامية ؟
كيف يمكن للشعوب غير الآمنة في نهارها وليلها، في أرضها وترابها، أن تجد متعة العيد؟
الأكيد أن الشعب السوري، والشعب العراقي، والشعب الليبي، والشعب اليمني، لا يتقاسمون معنا فرحة عيد الأضحى؛ لأن بلدانهم تئن تحت وطأة الحرب الأهلية الطاحنة، والقصف المدفعي، والهمجية الإرهابية الداعشية المقيتة، والقصف الجوي الطائش؛ الذي لا يرحم الأطفال والشيوخ والنساء والمرضى.
إننا لا نكاد نعثر في سوريا على بيت بدون يتيم أو يتيمة، سواء من جهة الأب، أو الأم، أو هما معا، ناهيك عن عشرات، بل مئات المعطوبين، والمجروحين، والمعاقين، إضافة للمشردين الذين فقدوا ديارهم وحقولهم وفلذات أكبادهم، وكل من يعيلهم…هذا دون أن ننسى المهاجرين والمهجرين قسرا، هروبا من القتل والدمار، والفتة الذي وصفها القرآن الكريم بأنها أشد من القتل…
وما يقع لأفراد الشعب السوري، حاصل لامحالة في ليبيا واليمن والعراق.
إن من مقاصد العيد في الإسلام، تقوية الجانب العلائقي، من جهة ، بين الخلق والخالق، ومن جهة ثانية، بين الأفراد والجماعات والمجتمعات التي تشكل كيان الأمة.
إضافة إلى إشاعة قيم التزاور والتراحم وصلة الرحم، والتضامن بين الأغنياء والفقراء والتكافل بين المحتاجين والمنعم عليهم، واليوم في ظل هذه الحروب الغاشمة التي تفتك بأشقاء لنا في الجوار المغاربي؛ في ليبيا، وفي الشرق العربي، بسوريا والعراق واليمن، يحس كل مسلم مسلمة ولا ريب، بأن فرحته ناقصة، وسروره غير مكتمل، وبهجته مؤجلة، عند إحياء سنة نبينا إبراهيم الخليل عليه السلام، لأن هناك عددا هائلا من المكلومين ومن الثكالى ومن الجرحى في بؤر التوتر، يحنون للحظة سلام وأمن، ينعمون بها آناء الليل وأطراف النهار…
العيد مصدر السعادة والابتهاج؛ لذا يوصف بالسعيد والمبارك في اصطلاحات المتكلمين، والمتبادلين للتحية خلاله، لكن علينا أن نتذكر إخوة وأخوات لنا، يملأ الرعب جميع أحياز حياتهم، ليلهم كنهارهم، يكتوون بلظى النيران الآتية من كل حدب وصوب، من الأرض ومن السماء …
إن القلوب المتضامنة والمتكافلة، والنفوس الرقيقة، التي ألهمها الله قوة الإحساس المتدفق، والشعور النابض، لا يمكن أن يغشاها السرور في ظل معاناة الآخرين التي بحجم الجبال، وآهاتهم التي تند عن الحصر، والتي عادة ما تكون مترعة بحب الناس؛ سواء بسبب الوازع الديني الإسلامي، أو الوازع الإنساني الكوني، لن تكتمل فرحتها، ولن تنعم بلذة العيد الإسلامي المبارك، وهي تصيخ السمع، لمأساة إخوة وأخوات لنا، واقعين تحت ضغط الوحشية، والانتقام، والتقتيل؛ من أجل المذهب أو الحزب أو الطائفة والقبيلة أو السلطة ، لذا، لن يتأخر أصحاب تلك القلوب، عن التوجه بأكف الضراعة للعلي القدير، في هذه العشر المباركة، من شهر ذي الحجة الحرام، راجية متوسلة، بأن يذهب عن شعوبنا العربية التي تشتعل ببلدانها الحروب الدموية، بأس الاقتتال الطائفي والمذهبي والحزبي، وأن يلهمها للحل السديد؛ الذي تتقي به سفك دماء الأبرياء، كما تدعو الحكومات العربية والإسلامية، لبذل مزيد من الجهود لتقليص الهوة والفارق بين المتنازعين، والضغط عليهم ليعودوا إلى جادة الصواب وحقن الدماء .
كما نرجو تذكر المهاجرين السوريين والأفارقة ببلادنا في هذا العيد السعيد، وذلك بإشراكهم في أجواء الفرحة، والجود عليهم، لتخفيف معاناتهم، وعدم تحسيسهم بالغربة والتشرد.
إن من معاني العيد السامية؛ التضحية إرضاء لأمر الله عز وجل، في جو تعلو فيه آصرة العقيدة على آصرة القرابة…ما أحوجنا اليوم إلى شعور التضحية…وفكر التضحية.. لاسيما في زمن تعالت فيه أصداء حب الذات والنفس من أجل متاع الدنيا الرخيص…..
التضحية طمعا في حب الله، ودفعا لسخطه، آلية سماوية يمكننا سحبها على كثير من السلوكات غير السوية التي تدفع كتلة الغرائز والهوى في النفس البشرية؛ نحو الاستعلاء على الناس، وعدم إسداء الخير لهم…وإيثار الذات على الآخرين….
فلنتعلم ونحن نحيي سنة أبينا إبراهيم الخليل عليه السلام، وولده إسماعيل، التضحية امتثالا لإرادة الله، وتجردا من نزعات النفس الأمارة …

شارك المقال