بين حكمي الحسن الثاني ومحمد السادس كانت علاقة القصر بالأحزاب الوطنية والمستقلة تتميز بالشد والجذب. تارة، اقتضت تحديات الأزمات السياسية انخراط هذه الأحزاب في المسلسل الديمقراطي، وتارة أخرى تمردت على توجهات القصر، فحصلت توترات، وسوء فهم تم التعبير عنه تارة علانية، عبر بلاغات أو خطب، وتارة بقي التوتر طي الكتمان، رغم أن آثاره كانت بادية للعيان.
في حالة نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، يلاحظ أن بلاغ الديوان الملكي ضده كان غير مسبوق من حيث اللغة التي استعملت فيه، والاتهامات التي تضمنها، خاصة أنه موجه ضد أمين عام حزب ووزير في الحكومة.
قبله، تعرض حميد شباط، أمين عام حزب الاستقلال، لغضبة مماثلة لكنها أقل حدة، ففي اجتماع لمجلس الحكومة في 17 شتنبر 2015، اتهمه وزير الداخلية، محمد حصاد، بابتزاز الدولة، وتحركت بعد ذلك آلة دعائية لاستهدافه، ومحاولة إسقاطه من قيادة الحزب، لكنه نجح في الخروج سالما من العاصفة.
كما تعرض البيجيدي لمواقف مشابهة، آخرها في الخطاب الملكي في 30 يوليوز بمناسبة عيد العرش، والذي حمل تلميحات إلى بنكيران، حين قال: «غير أن ما يبعث على الاستغراب أن البعض يقوم بممارسات تتنافى مع مبادئ وأخلاقيات العمل السياسي، ويطلق تصريحات ومفاهيم تسيء إلى سمعة الوطن، وتمس بحرمة ومصداقية المؤسسات، في محاولة لكسب أصوات وتعاطف الناخبين»، ما جعل بنكيران يلزم الصمت منذ ذلك الحين. هناك عدة تفسيرات لهذه التوترات، فهناك من يعتبر أن هناك تحولات تعرفها علاقة المؤسسة الملكية بالأحزاب، وأن التوترات تعكس أيضا تحولات في النظام السياسي نفسه.
وبذلك، يقول حسن طارق، أستاذ العلوم السياسية بالرباط، إن جزءا من التوترات الحاصلة يعود إلى «تحولات يعرفها النظام السياسي نفسه»، الذي أصبح أكثر قدرة على الانفتاح على الأحزاب، وهذه الأخيرة، هي الأخرى، «باتت أكثر متانة مؤسساتيا». الإشكالية المطروحة، بالنسبة إلى طارق، هي «مدى استقلالية القرار الحزبي، وهو ما يفسر التوترات الحاصلة».
ومن جهة أخرى، هناك واقع جديد أفرزه دستور 2011، الذي جعل الأحزاب شريكا في ممارسة السلطة، حيث أصبح للانتخابات معنى، لأنها «تفرز رئيس الحكومة من الحزب الأول»، أي أن الأحزاب أصبحت مصدرا لوصول النخب إلى الحكومة، السؤال الذي يطرحه طارق هو: «مدى استعداد النظام للانفتاح على ما تمثله الأحزاب من إرادة عامة واختيار شعبي»، الجواب هو الذي يفسر جانبا من التوتر الذي حصل مع حزب التقدم والاشتراكية.
لكن هناك من يرى أن هذا التوتر أو سوء الفهم مرتبط بخرق قواعد اللعبة السياسية كما يحددها النظام. ويرى المؤرخ، المعطي منجب، أن القصر اعتاد تحديد قواعد اللعبة السياسية، وبحكم أنه احتاج في فترات متعددة إلى أحزاب ذات مشروعية شعبية لتعزيز مكانته، مثل الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، واليوم إلى البيجيدي، فإنه «في مسعاه إلى إدماج هذه الأحزاب في النظام السياسي للاستفادة منها مؤقتا، يواجهها إذا خرجت عن قواعد اللعب».
من جهة أخرى، هناك من يربط التوتر مع القصر بالسياقات السياسية، ففي حالة بلاغ الديوان الملكي ضد بنعبد الله، فإن السياق الانتخابي له أثر، حسب يوسف بلال، أستاذ علم الاجتماع السياسي بالرباط. فهناك، من جهة، حزب الأصالة والمعاصرة «الذي يعمل على تجنيد الجميع»، ومن جهة ثانية، هناك موقف واضح للتقدم والاشتراكية الذي أعلن الاصطفاف مع البيجيدي.
بلال اعتبر أن بلاغ الديوان الملكي «بمثابة تهديد لحزب التقدم والاشتراكية بسبب تحالفه مع العدالة والتنمية». في ملف هذا العدد رصد لمحطات من توتر علاقة القصر بالأحزاب، وقراءة في أبعادها وخلفياتها.