بقلم: عبد الرزاق الحجوي
بعدما اجتمعت ظروف استثنائية دفعت بنعرة الانفصال إلى الخبو، أهمها إثبات المغرب لكل صحراوي حر بأن وطنه الأم هو أفضل الخيارات المعروضة على الطاولة، في سياق دفع بقوة، أطروحات جبهة البوليساريو الإيديولوجية والحقوقية نحو الإفلاس، خاصة في ظل الوضعية الحرجة للجزائر من الناحية السياسية والمالية.
بعد تجمع هذه المعطيات، تدخلت مراكز نافذة قد لا تحتاج لغطاء دبلوماسي رسمي من أجل ممارسة النفوذ داخل أروقة الأمم المتحدة لتوجيه تحركاتها في اتجاه منع المغرب من تحصيل هذه النقاط في محفظته الدبلوماسية، بغية المحافظة على استمرار الأزمة حتى عند نفاذ خزانات وقودها المادية والمعنوية المباشرة. فقد قبلت الجزائر بتقديم قرابين سخية عبارة عن عقود استغلال ضخمة تمت في سرية لصالح هذه المراكز المتحكمة في كواليس جل وأهم القرارات، سواء في واشنطن أو في أروقة الأمم المتحدة.
منحى تزداد خطورته بتقاطعه مع رغبة العديد من العواصم، بينها القريبة والبعيدة، في تقويض تجربة المغرب، عن طريق دفعها أو تمني ذلك على اﻷقل بالنسبة للبعض، إلى حرب تستطيع تحويل الثمار الاقتصادية لهذه التجربة إلى دخان ورماد.
معادلة قد لا تخفى أبعادها المتعددة على منظري خطط الرباط، التي نجحت منذ فجر الأزمة في إدارتها ببراغماتية وحنكة قد نجحتا في تقليص التكلفة إلى أدنى حد ممكن، وهي المنهجية التي قد يُجبر المغرب على تركها لمصلحة جيوب أباطرة النفط والسلاح العالميين، الذين خضعت الجزائر لجشعهم مقابل خدمة استراتيجية قد فرضها الظرف الراهن، حيث الحاجة ماسة إلى رتق الفتوق التي فتحها الزمن في البرنامج الشاذ لهذا الجار العدواني، الذي يستحيل التحكم في تكلفة جوره. في منحى يتصاعد خطره بسبب ارتفاع ضغط حاجته أيضا إلى التفجير المتعمد فيه، ضد الخارج، من أجل مراوغة الانفجار شبه الحتمي الذي ينتظر الوضع بالداخل.
أمام هذا المأزق القديم الجديد وطالما أنه لا توجد هناك ورطة كاملة، فالحل الناجع أمام المغرب بالموازاة مع عدته العسكرية التي لعب تحسينها وتطويرها عنصر الحسم في منع الخصوم من الاندفاع خلال فترة ارتفاع أسعار النفط، بالموازاة مع ذلك سيبقى السلاح الأقوى في مواجهة تغير المعادلة حيث طَعَّمَ الخصم صفه بعنصر شديد المكر والدهاء دون الحديث عن القوة، سيبقى هو تطعيم الصف الداخلي بعنصر حيوي لا شك في جدواه، ألا وهو الديمقراطية الكاملة التي ليست سوى الديمقراطية العادية الرحم الوحيدة لإنجاب عدالة اجتماعية عميقة داخل أجل منطقي ومعقول، والتي هي السبيل في نفس الوقت لمضاعفة حجم الاقتصاد حتى تستطيع الميزانيات مواكبة تكاليف جميع أنواع المفاجآت، بعد أن تضمن قوة وصلابة الجبهة الداخلية ومتانة الموقف الرسمي في مواجهة بحر هائج ومتلاطم من التواطآت والمكائد التي تحركها مصالح عاتية، تحول القانون والشرع لمجرد لعبة صغيرة في اليد.
إن رتق الديمقراطية ببعض القطع اللامعة والبراقة لن يغني عن الديمقراطية الطبيعية خاصة عند الوقوع في الاستثناء، الذي لن يضمن عاقل عدم وقوعه كما لن يؤمن بالنجاة منه دون حصانة إلا قصير البصيرة والبصر، فمن يطيل عمر بناء الصرح الديمقراطي للمغرب للانتقال إلى مراحل القطاف والتوزيع، سوى جيوب مقاومة الإصلاح النازعة نحو الاحتفاظ بالفوارق والاستئثار بالمنافع التي تأبى القبول بالمساواة في الفرص وفي الحظوظ كما في الحقوق والواجبات. فأهل مكة أدرى بمداخل ومخارج شعابها، مثلما أنهم أعلم بالسبب الحقيقي وبحجمه أيضا، ذاك الذي دفع بضحية حكم قضائي طاعن في الظلم والجور للانتحار حرقا، وهم أعلم بأسباب كل علة من علل الواقع المعاش وبوصفة الدواء الشافي لها.