الملك لم يؤسس البام.. لكن من باع للدولة هذا المشروع؟

23 سبتمبر 2016 - 22:00

قال إلياس العماري في ندوة «حركة ضمير»، أمس، إن (حزب الأصالة والمعاصرة لم يؤسسه الملك، وإن الحزب لم يخلق لمواجهة السلطة، لكنه في نفس الوقت حزب حداثي غير محافظ، ويختلف مع توجهات الدولة المحافظة).
كاتب هذه السطور يصدق الجملة الأولى (الملك لم يؤسس البام)، لكنه لا يصدق الجملة الثانية (البام حداثي يعارض التوجهات المحافظة للدولة) كيف ذلك؟
لما خرج فؤاد عالي الهمة من وزارة الداخلية، حيث كانت له مساهمة كبيرة في إدارة البلد وبصمات ظاهرة في إدارة الحكم منذ وصول محمد السادس (صديقه) إلى العرش سنة 1999، وإلى غاية خروجه في ظروف غامضة من وزارة الداخلية سنة 2007، بين قائل إنه سقط نتيجة غضبة ملكية، وقائل إنه خرج ليجرب وصفته في مواجهة الإسلاميين بعد أن أعياه الحديث مع الأحزاب التقليدية وتحفيزها على ضرورة التصدي للإسلاميين، الذين يكتسحون قاعدة المجتمع يوما بعد آخر، وإن هؤلاء الملتحين يهددون (تمغربيت)، أي الطابع التقليدي للدولة حيث يحتكر الحكم استعمال الدين في السياسة، ويزاوج بين الواجهة الديمقراطية والعمق المركزي للحكم، حيث تلعب المؤسسة الملكية الدور الاستراتيجي في تدبير شؤون البلد…
أيا يكن السبب الذي خرج من أجله فؤاد عالي الهمة من (أكواريوم) السلطة إلى الساحة الحزبية، فإنه لم يخف هدفه منذ البداية، وهو التصدي بكل الوسائل لزحف الإسلاميين معتدلين وراديكاليين على الساحة السياسية، وتحجيم نفوذهم كي لا يضطر النظام إلى مواجهتهم بالطرق الخشنة، والتي ستؤثر على شعاراته المعلنة آنذاك، والتي وصلت ـالشعارات- إلى درجة الادعاء أنه (نظام ديمقراطي حداثي)، قبل أن يتراجع هذا الوصف للنظام لأنه مكلف جدا لبنية تقليدانية لا تريد أن تفرط في الوسائل القديمة للحكم…
الذي حصل فيما بعد أن السيد فؤاد عالي الهمة نجح في (بيع مشروع البام) للدولة، باعتبار هذا المشروع يمثل خط الدفاع الأخير لمواجهة حزب العدالة والتنمية الذي تعرف أسهمه صعودا متزايدا في انتخابات بعد أخرى. وهكذا جرى تبني المشروع من قبل الدولة دون الإفصاح عن ذلك، وجرى مد (التراكتور) بكل الوسائل حتى يحقق هدف مواجهة الإسلاميين بدون سجون ولا منافي ولا محاكمات ولا اغتيالات، وفي نفس الوقت المحافظة على الواجهة الديمقراطية التي يحتاجها النظام لتسويق مشروعه الجديد (التنمية بدون ديمقراطية)، ورأسمالية بدون ليبرالية، وأحزاب كثيرة بدون تعددية، ومفهوم جديد للسلطة بدستور قديم ووسائل عتيقة… غير أن الذي جرى هو أن قصف العدالة والتنمية أصاب التجربة الديمقراطية الهشة في مقتل…
في أول خروج إعلامي له على القناة الثانية بسط الهمة مشروعه السياسي الذي يتلخص في (مواجهة الإسلاميين)، مع أن هذا ليس برنامجا ولا مشروعا ولا هدفا تؤسس له الأحزاب، لكن هذا الذي جرى.
ولتحقيق هذا الهدف كان ضروريا اللجوء إلى خدمات بعض الوجوه اليسارية المتقاعدة، والتي كانت تنتظر الفرصة للركوب على الموجة، والمبرر هو تغيير العدو الذي كان هو النظام، فصار هو الإسلاميين. ولتبرير هذا التحول في خارطة الصراع جرى تقديم قراءات اختزالية وتبسيطية كما هي عادة اليسار الراديكالي تقول: (الخطر الآن ليس النظام غير الديمقراطي وغير الشعبي، الخطر الآن هو التيار الأصولي الذي يزحف على قاعدة المجتمع، ويهدد الحريات الفردية، ونمط العيش المفتوح، ثم إن عداواتنا مع النظام انتهت بوفاة الحسن الثاني، أما محمد السادس فلا مشكل لنا معه، إنه كان ضحية والده كما كنا نحن ضحايا البصري، ولهذا سنضع يدنا في يد الملك الشاب وسنغمض أعيننا على طابعه التقليداني لمواجهة عدونا الأصولي، أما الديمقراطية فهي معركة مؤجلة إلى أن ندخل إلى مؤسسات النظام رافعين شعار التصدي للظلامية).
جاء الاختبار الأول في انتخابات 2009 أي أشهرا بعد تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، فحاز الحزب المرتبة الأولى في الانتخابات الجماعية، ورشح أكبر جيش من الأعيان في البوادي والمدن الصغيرة شبه القروية، واتضح أن الأصالة هي الغالبة على المعاصرة في ترشيحات الحزب، وأن السلطوية هي الأداة المستعملة في يد الحزب تجاه خصومه وليس الحداثة. وهكذا نزلت كتائب الداخلية من قياد وعمال وولاة لدعم الجرار وإسناده، وإفشال تحالفات خصمه العدالة والتنمية، وهذا ما شهدت عليه كل وسائل الإعلام في الداخل والخارج، ووثقه السفير الأمريكي بالرباط في وثائق ويكليكس مما بقي محفوظا للتاريخ عندما يحين موعد كتابته.
لما أطل الربيع العربي ذاب الجرار تحت أشعة شمس المظاهرات التي خرجت في 54 مدينة تندد بالبام وعرابه ورموزه، وشكل الأمر صدمة لهذا الحزب ولو كانت له جذور اجتماعية أو خلفية إيديولوجية أو بنية تنظيمية ما اختفى لسنة كاملة… فاضطر صاحبه إلى الرجوع إلى الوراء، فيما غادرت رموزه أرض الوطن. هنا أخرج بنكيران مدفعيته الثقيلة وصفى حسابه مع البام عن طريق خطة برغماتية، فمن جهة رفض النزول إلى الشارع مع حركة 20 فبراير خوفا على النظام، ومن جهة أخرى تبنى شعارات الحراك الشبابي وعرض على النظام صفقة (الإصلاح في ظل الاستقرار) وأوله إبعاد البام عن الطاولة… وكذلك جرى، استقال الهمة من الحزب الذي أسسه ودخل إلى الديوان الملكي، معلنا ضمنيا عن فشل المشروع الذي قاده، وعدل الدستور الذي تخلى بموجبه الملك عن عدة صلاحيات، وأجريت انتخابات مفتوحة أعطت نصرا كاسحا للعدالة والتنمية، ونزل البام إلى المعارضة، معارضة الحكومة وموالاة الحكم، فكان يتجنب الاعتراض على القوانين التي يرى أن النظام يحتاجها (في مسألة الإعدام مثلا عارضها الفريق البرلماني للبام في حق المدنيين، لكنه صوت عليها بالإجماع عندما جاءت في القانون العسكري)، فيما ظل يملأ الدنيا كلما تعلق الأمر بقرارات أخرى هامشية…
هل البام حزب حداثي؟ لا أظن، فهو حزب ولد من عمق التقليد ومن عمق السلطوية، وهو جواب عن ممانعة النظام في التوجه نحو ديمقراطية كاملة. هل سينجح في إعادة بيع المشروع إلى الدولة بعدما فشل في الوفاء بوعوده التي تقاضى ثمنها مقدما؟ لنراقب وسنرى الجواب القاطع يوم 7 أكتوبر.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

sahliakalai منذ 5 سنوات

الحزب يخدم الدولة لا عيب يكون مخزني او سلطوي اومؤسساتي او نقابي ٠الشعب الحركة والشعب هو مفتاح الرموز الصعبة في غياب العدالة لااحد احسن من احد ٠

ابو يحيى منذ 5 سنوات

الذين اسسوا البام كان عليهم ان يسلكوا اقصر الطرق التي تريحهم وتريح الشعب وهو ان يثقوا في الشعب ويتركوه يقرر مصيره في اختيار من يراه يستحق كما تفعل حكومات اوروبا التي يتخذونها نموذجا في كل شيء الا في الدمقراطية وحقوق الشعب

abbas منذ 5 سنوات

لقد كانت الخطة محكمة في البداية،وضع القناع في غياب الوجه أو لنقل أنه بدأ يتشكل .القناع :حركة لكل الديموقراطيين تمت من خلالها استدراج الإنتهازيين من المتياسرين للدواعي التي أتيت على ذكرها وليأسسوا قاعدة فكرية ونظرية لمحاربة ما سموه بالظلام بعد أن أكتمل تشكل الوجه :الحزب تم إلحاق الأعيان لأنه هم القادرون على تجييش قاعدة إنتخابية على أعتبار أن النخبة المتياسرة لا تملك إلا * الهدرة * ولا يوجد لديها قاعدة مصوتين يعول عليهم في الإنتخابية ،وبعد أن سقط القناع تبين لشرذمة اليسار أنهم جيء بهم لكونوا الديكور الخلفي لمسرحية مخزنية على شاكلة الأحزاب التي صنعت في رحم المخزن ووجدوا نفسهم في وضع لا يحسدون عليه بعد أن كانوا يحاربون المخزن هاهم يقتاتون على فائض موائده ،كما وضع على راسهم قائد لم نسمع به حتى في كواليس هوامش اليسار ،لا قاعدة تعليمية ولا ثقافية ولا نضالية ولا حتى سجنية لكون هذه الأخيرة كانت وساوم يعلقه كل يساري فاشل .

عبد المجيد العماري منذ 5 سنوات

تحليل موفق ،لكن حبذا لو استبدلت "اليسار الرادكالي" ب" إلياس العماري وبنشماس وباقي المتياسرين الذين تهافتوا على البام"،لأن حسب علمي اليسار الراديكالي يمثله الحزب الإشتراكي الموحد والنهج الديمقراطي والتيار القاعدي الذين لا أظن أو تظن أنهم وضعوا يدهم في يد النظام للقضاء على الأصوليين،بل العكس رأيناهم يد في يد ضد النظام في حركة 20 فبراير وغيرها من المحطات.

amazig منذ 5 سنوات

انا لا اجادلك ان ن لا تكون من الداعمين للسيد بن كيران،،،ولكن علينا جميعا ان نكون صادقين وان نكون منصفين مع جميع السياسين،،بلا حسابات ظيقة،،،،اننا نتحدت عن الوطن،،،ومن هي الجهة الصالحة،،،ومن هي الجهة الطالحة ،،،والسءوال الدي يجب علينا استحضاره: هل يمكن لجهة صالحة ان تر د المياه الى مجراها الطبعي في مدة5 سنوات،،،بعد ما تسبب فيه الطالحون لمدة 50 سنة......

youness منذ 5 سنوات

السي توفيق، في كثير من الأحيان نسفيد كثيرا من تحليلاتك، لكن في هذه فأنت تستبلدنا...

عبد الخالق منذ 5 سنوات

آسي بوعشرين ربما يكون ما ذهبت إليه صحيحا، لكن بنكيران الأمل الدي عقده المغاربة عليه اتضح وافتضح،فالرجل ملهوف على الكرسي ولا يهمه من صوت عليه.وبالتالي فهو لا يصلح لهذه المهمة. فقد وعد ونكث كل عهوده.فمن الأحسن أن يترك هذا الأمر ويذهب لحال سبيله.لأنه ببساطة قوله في واد وفعله عكس ما يقوله.

aziz منذ 5 سنوات

.perspicace monsieur Bouachrine vous avez tout devoilé. bravo

مروان منذ 5 سنوات

نعم ان حزب الاصالة و المعاصرة ضد التقدم و مع التحكم ، فالنصوت بقوة على احزاب الديمقرطية حتى يتم تنوير بلاد بكلمة الحق وحتى يعيش المواطنون البسطاء.

اسكاون سعيد منذ 5 سنوات

تحليل منطقي كشفت حقيقة الولادة، والرضاعة الغير الطبيعية لهذا الحزب الهجين، بوعشرين من الأقلام النادرة المتميزة بالموضوعية، والتحليل المنطقي لكل ما يجري من الأحداث لذلك أحرص دائما على قرائتها فمزيدا من التألق المهني لهذا القلم الحر

elmehdiboutalha منذ 5 سنوات

الحزب اللقيط المتكون من كبار الاقطاعيين والمرتشين والفاسدين وأصحاب المال الحرام والمشبوه , حيث قام هذا التجمع المصلحي الفاسد بشرآء حتالات رموز اليسار الكاسد الذين بيعوا بالمزاد العلني في سوق النخاسة بعد أن وصلوا الى مرحلة الخرف .

Analyste منذ 5 سنوات

الدولة هي الارض و الشعب ونظام الحكم اما النظام فهو النظام السياسي الحاكم في دولة ما.

Abdelkabir elhamdani منذ 5 سنوات

السلام عليكم ,انت تبين الحقيقة للمغاربة فشكرا لك جزيل الشكر.

Yassar منذ 5 سنوات

المنطق يفرض باننا بعد دستور ٢٠١١ قد دخل المغرب مرحلة جديدة من تاريخه السياسي مرحلة تنتهي فيها تدريجيا الاحزاب المفبركة و تنتقل فيها بلادنا شيئا فشيئا نحو نظام ديموقراطي يعتمد ثلاثة اقطاب علي الاكثر هذه الانتحابات مناسبة للتحرك نحو هذه الاهداف ، و لو قدر انملة

المعتز ناصر منذ 5 سنوات

كلام في الصميم في وقت طغت فيه الأقلام المأجورة أو المنافقة تحياتي الخالصة للأستاذ بوعشرين

زكرياء منذ 5 سنوات

ما هي الدولة ؟ و ما هو النظام ؟

عبد الصمد التاقي منذ 5 سنوات

شكرا لك السي توفيق تحليل منطقي وسرد واقعي للأحداث حفظك الله

Spokane.Wa منذ 5 سنوات

آسي بوعشرين راد بالك و ما تمشيش لواد الشراط .!!!!!

Jamal abdennaceur djamai منذ 5 سنوات

هما معا يتقاصمان نفس المنهجية وحتى التكتيك فكلاهما يسعيان الى ارضاء الكتلة الانتخابية وارضاء القصر وكلاهما يخاطب المواطن ويقول له انا سبيلك الى الخلاص ويخاطب الملك ويقول له انا خادمك الوفي ارى ان ما اشتد التطاحن بينهما الا وكان الشعب وملكه في حال احسن اسخر من الموقف طبعا فما احوجنا الى الانعتاق وان اليمقراطية الاجتماعية والاقتصادية لا تقل اهمية عن الديمقراطية السياسية ان لم تكن اهم منها في الغالب مودتي ذ توفيق ا

amazig منذ 5 سنوات

وابعشرين ...وراك كتقلب على الصداع..... تحليل صاءب ولكننا اليوم ينقصنا الوعي بهده الامور، حين نرا كيف ان الا حزاب الوطنية التي خرجت من عمق شعبنا اصبحت في مستوى لا تحسد عليها ويتحكم فيها ....ونرى مسيرة الغباء في الدارالبيضاء....هنا اتساءل الى اين نحن داهبون....انا على يقين ان الرجوع الى ما قبل 2011 امر مستحيل ومن يريد ان يلعب بالوطن الحبيب فانه لا يستحق ان يعيش فيه معنا،،،ولا يدرك ما معنى الهناء و الا سقرار رغم صعوبة العيش اليومي.

اتاي بالنعناع منذ 5 سنوات

السابع من أكتوبر ستكون نهاية هذا الحزب المشؤوم،وسيعود العماري ومن معه إلى جحورهم المظلة.