ما حقيقة التهكم؟

28 سبتمبر 2016 - 10:38

بقلم: محمد شرقاوي

في هذا العالم الذي أصبح العيش فيه جد معقدا؛ المعلومة أصبحت تنتشر في مختلف أرجائه بسرعة الضوء، معلومة لا يمكن بتاتا التحكم فيها ولكن يسهل على أي كان وأينما كان التهكم على الأفراد والمؤسسات المعنية بها، متسببين بذلك في خلق جيل جديد من ضحايا التربية والتعليم والصحة، ضحايا أصبحوا ينتشرون بوتيرة سريعة، تخيف وتقلق ليس فقط المؤسسات الوطنية ولكن حتى العالمية. فما حقيقة هذا التهكم الذي أصبح يعرقل على حد سواء مسار المواطن كان صغيرا أم كبيرا، وبالتالي مسار تنمية البلدان المتخلفة والنامية ؟

الجهل والأنانية وحب السلطة وحب المال والجاه والاستحواذ على خيرات الآخرين، كلها خصال ترتبط بأناس يتاجرون في عملة التهكم، تهكم أصبح يتعايش معه الأطفال والمراهقون والشباب والكبار والمؤسسات والبلدان المتخلفة والنامية وحتى البلدان المتقدمة. الأفراد الذين يتبنون منهج العمل والنجاح الفردي عوض العمل والنجاح الجماعي، كلهم بدون استثناء يتهكمون لا شعوريا على أنفسهم وعلى المجتمع؛ الأم والأب يتهكم كل واحد على الآخر، فيساهمون بذكائهم التهكمي في تكوين أطفال يتهكمون على إخوانهم وأخواتهم وعلى أبناء الغير في الشارع والمدرسة والجامعة، ما إن تتاح لهم الفرصة للعمل حتى يبدؤون في التهكم على أصدقائهم ونشر البلبلة داخل العمل عوض نشر ثقافة العمل الجدي المبني على العمل الجماعي. أما إذا أتيحت الفرصة لبعضهم لشغل مناصب المسؤولية في القطاع العمومي، فالتهكم يصل إلى مستويات قياسية لا يمكن بتاتا تقبلها من طرف مجتمعات تشبعت بالنظام والحقوق والواجبات والعمل الجاد والمنضبط.

أقدم لكم ثلاثة أمثلة على ذلك يجسدان بصورة واضحة نوعية التهكم الذي يقتل روح المواطنة عند من يتعرضون لإشعاعاته:

 

المثال الأول: في الحملات الانتخابية الجماعية تجد بعض المرشحين في الانتخابات ينصتون للمواطنين ويعدونهم بتوفير شروط الراحة لهم والتنمية لجماعتهم، ما إن ينجحوا ويحققوا أمنياتهم حتى يبدؤوا في التهكم على المواطنين من خلال إهمالهم لواجباتهم وتركهم جانبا لجل وعودهم وعدم اهتمامهم بالمشاريع التي يطلقونها؛ فكيف يعقل أن تشرع جرافات في الحفر وتجعل الأحياء كالخراب، وتذهب وتترك ذلك لأسابيع، ويأتي فريق آخر بجرافاته لبدء عمل آخر، ويذهب هو الآخر لأسابيع ويترك السكان يعانون في صمت، وبعد شهر أو شهرين يأتي فريق آخر ويبدأ بالحفر مرة أخرى، بدافع أن الشركة التي كانت مكلفة بالمشروع لم تقم بالأمور كما يجب، تبدأ هي الأخرى وتتعثر مرة أخرى الإنجازات لأسابيع أو أشهر.. فيستمر التهكم في خلق هالة من الفوضى النفسية التي تجعل المواطن يحس بالدونية والغثيان من طريقة تدبير وتسيير جماعتهم من طرف أناس لم تتم تربيتهم بطريقة سليمة، تربية تغرس في الفرد روح العمل الجاد ليفيد نفسه ومجتمعه، لا أن ينهب ميزانيات مجتمعه ويتهكم عليهم مرة أخرى لإعادة التصويت عليه.

 

المثال الثاني: في الحملات البرلمانية تجد بعض المرشحين بصفة عامة وبعض الوزراء بصفة خاصة يتهكمون لا شعوريا على المواطنين، ينصتون لأسئلتهم ويضحكون لتعليقاتهم ويخدرون بعضهم بوعودهم ويتسببون في اضطرابات نفسية لبعضهم لكثرة نفاقهم وعدم الوفاء بوعودهم، وعود كانت في أوائل تسلمهم للسلطة تبشر المواطنين باقتراح المبادرات والحلول للعمل سويا من أجل تنمية الفرد والمجتمع؛ المواطن المسكين الذي تربى على الثقة في الآخر وحب الخير للناس والعمل الجاد والكفاح المتواصل وحب المبادرات.. وجد نفسه مع أناس لا يلتفتون لاقتراح ومبادرات الآخر، لأنهم ببساطة لم يتربوا على اكتشاف وتشجيع المواهب والطاقات؛ كل ما تربو عليه هو التهكم؛ لأن عدم الاهتمام بمبادرات واقتراحات المواطنين التي تصب في تنمية الفرد والمجتمع لا يمكن تصنيفه إلا في خانة التهكم على المواطنين المبادرين بصفة خاصة والمجتمع بصفة عامة، مجتمع كان يمكنه أن يستفيد من أفكار وحلول ومبادرات قد تنير الطريق لإصلاحات عقلانية تصب في تنمية المواطن والمجتمع برمته، لا في مصلحة جهة معينة.

 

المثال الثالث: في عز الحملات الانتخابية تجد بعض الوجوه تتهكم على المواطنين بطرحهم لقضايا هامشية لا تفيد المجتمع الحالي في شيء، بل تزيد فقط من تعثر تنميته لا غير. القضايا الهامشية يجب ترك الخوض فيها لأنها لن تفيد في وضع استراتيجيات ومبادرات وحلول تمكن من تحسين الدخل الفردي للمواطن وتحصينه من المعلومات الملغومة التي قد تعصف بحياته وبحياة أطفاله وأطفال الغير.

خلاصة القول، التهكم صاروخ نووي عابر للقارات، يستعمل عند بعض الأطفال والمراهقين والشباب والكبار لطمس عدم ثقتهم بنفسهم وزعزعة نفسية من هم يشكون في قدراتهم وحتى من يثقون في أنفسهم، كما يستعمل في بعض الأحيان لا شعوريا من طرف بعض المسؤولين في القطاع العام أو الخاص لعدم الظهور بمظهر المسؤولين غير القادرين على إنتاج الأفكار والحلول والمبادرات، وفي أحيان أخرى يستعمل شعوريا لبسط السيطرة على فكر الآخر الجاهل الذي لم تتح له الفرصة حينما كان صغيرا للحصول على تربية سليمة تمكنه من الاستفادة من تعليم يفتح له آفاق المستقبل، وبالتالي تأسيس حياته كما يشاء والعيش بصحة جيدة في صغره وعند كبره، عوض العيش وسط محترفي التهكم الذين أصبحوا يتهكمون حتى على أنفسهم.

 

محمد شرقاوي، اختصاصي في المبادرات وحلول المشاكل

 

نافذى

التهكم صاروخ نووي عابر للقارات، يستعمل عند بعض الأطفال والمراهقين والشباب والكبار لطمس عدم ثقتهم بنفسهم

 

 

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.