خطيب غفساي

06/10/2016 - 15:10
خطيب غفساي

حدث تحذير خطيب الجمعة بدوار « حلّابة الرتبة »، المصلين من مغبة التصويت لحزب العدالة والتنمية، وتخييرهم بين ذلك والسجن، وهو الذي اعتاد أن يقرأ عليهم: «ربِّ السجنُ أحبُّ إليَّ مِمَّا يَدعونني إليه»، حدثٌ ذو دلالة عميقة على ما فعلته السياسة المغربية من تفكيك للبنى الاجتماعية التقليدية دون النجاح في تأسيس أخرى حديثة.
فالخطيب إياه ينتمي إلى بنية «الجْماعة» التي هي آلية من آليات التنظيم الذاتي الذي ساد المجتمع المغربي ما قبل الرأسمالي، حيث كان العامل الثقافي، وليس الاقتصادي، هو المحدد، وحيث يتحلّق ساكنة الدوار-المتقاربون طبقيا- حول فقيههم المُراكم لرأسمال رمزي (ثقافي وأخلاقي)، في أمور حلهم وعقدهم. فيكون المسجد بمثابة البرلمان، ويكون الفقيه جهازا تشريعيا وتنفيذيا وقضائيا في آن، يُفوِّض أمر تنفيذ سلطاته لمقدم أو شيخ «الجْماعة» تحت رقابته.
فجأة دخلت السياسة إلى البادية بعد الاستقلال، بعدما كانت تعبيرا تحرُّريا مدينيا، تقابله تعابير تحررية جهادية في القرى؛ فتحول «المقدم» إلى «مقدمين»، واحد معيّن من طرف السلطة وعينٌ لها على «الجْماعة» بعدما كان عين «الجماعة» الحامية لها (ومن هنا المعنى الإيجابي لكلمة أعيان)، والثاني تابع للحزب الذي رشّحه ولسلطة الوصاية بشكل من الأشكال. وبعدما كانت «الجْماعة» تتخذ قراراتها بالتوافق أصبحت تتخذها بالتنافس وبالتناقض، بعد التسلق الاجتماعي للمنتخبين، والانحياز السلطوي للمقدمين والشيوخ. ثم في مرحلة لاحقة – مع تسرب المد الإسلامي إلى البادية- ولاء وانضباط الإمام- الخطيب لوزارة الأوقاف، فاكتملت الغُربة.
حدث الجمعة « الأسوأ » ما كان ليقع لو أن الخطيب، الذي يشغل منصب عون سلطة أيضا، كان يستمد أحكامه من مصادر خطبته التشريعية، أو يحتكم في علاقته برئيسه «القايد» إلى القانون. فالخطيب اعتاد تنفيذ الأوامر حتى ولو كانت مخالفة لشرع الله الذي يمثله وهو فوق المنبر، أو مجانبة للقانون الذي يطوّقه وهو أسفل المنبر.
هكذا بقدر ما دمّر دخول السياسة إلى المداشر والقرى البُنى والعلاقات الاجتماعية التقليدية، بدّد القيم القديمة المبنية على التداخل والتضامن، دون أن يؤسس لقيم حديثة تقوم على الفردانية والحرية.
خلال زيارتي قبل أيام لدوار « حلابة الرتبة » بغفساي، سجّلت أمرين على قدر كبير من الأهمية في فهم حجم الانهيار الرمزي الذي يداهمنا كل خمس سنوات. الأول، هو أن كل من تحدثوا لي عن الإمام حرصوا على ذكره بالسي عبدالكريم، والتمسوا له العذر على إكراهه من طرف السلطات على قول ما قاله، كما حكوا لي كيف أنه بكى ندما على ما صدر منه، هو الذي تجاوز السبعين من العمر سلخ ثلاثين سنة منها إماما بدوار حلابة. قالوا إن الخطيب السي عبدالكريم خيَّرهم بين العدالة والتنمية والسجن، ليس لأنه يكرههم أو يكره « المرشح الإسلامي »، بل لأن رئيسه «القايد» قال له إن انتخاب « الامبة » في هذه المداشر سيسلط الضوء على زراعة « الكيف » التي تغض السلطات الطرف عنها، دون أن تتوقف عن متابعة المزارعين الذين يوجدون في حالة سراح مؤقت بسبب تقاريرها ومحاضرها.
الأمر الثاني، هو أن كل الذين تحدثوا لي عن مرشح العدالة والتنمية أثنوا على استقامته ونموذجية تسييره للجماعة التي يرأسها، وعلى استثماره أموالَه في تنمية المنطقة الفقيرة… وتحسّروا على ترشيحه ضمن حزب العدالة والتنمية بالقول: «لو أن نور الدين قشيبل ترشح ضمن أي حزب آخر عدا حزب بنكيران لحصد مقعدين دون منازع». نقلت هذا الانطباع إلى عبدالحق أبو سليم، رئيس جماعة « الرتبة »، اليساري، فأكده مضيفا: «لأن السلطات لا تريد العدالة والتنمية، ولكي تبرّر للناس إرادتها تلك، تلصق بهذا الحزب « خطر » اعتقال المزارعين الفقراء الذين جعلتهم تلك السلطات، ومعها بارونات المخدرات، يعيشون في سراح مؤقت ورُهاب دائم من إمكانية إتلاف محاصيلهم، أو اعتقالهم في أي وقت أو مكان يحلون به».

شارك المقال