وفاة ضابط حُر

24 أكتوبر 2016 - 09:53

مات الهاشمي الطود، آخر المشائين المغاربة. مات الرجل الذي افتتن بالأمير الخطابي فذهب على قدميه، مشيا وهرولة، للقائه بالقاهرة، ليس بحثا عن حياة في كنفه، بل عن موت تحت لوائه. عن ذلك حكى لي رحمه الله كيف أنه يوم 29 نونبر 1947، (ذكرى تقسيم فلسطين)، امتلأ بيت الأمير الخطابي في القاهرة بقيادات حركة التحرر العربي، من أمثال الشيخ أمين الحسيني من فلسطين، وصلاح حرب والدكتور السعداني من ليبيا، ورياض الصلح من لبنان، وعبدالرحمان عزام، الذي سيصبح رئيسا للجامعة العربية، وغيرهم ممن وفدوا على الأمير اعتبارا لرمزيته ولوزنه الكبير طالبين منه إعلان الجهاد في فلسطين، مؤكدين له أن الملك فاروق لا يمانع في ذلك، فاستجاب الأمير محمد بن عبدالكريم، ثم أشار على “القايد الهاشمي” وهكذا كان يناديه، فحمل بندقيته وكان أول مغربي يقاتل من أجل فلسطين. ومثلما قال له الخطابي يوم نفي السلطان محمد بن يوسف: لو لم يكن في رجلي كسر، لما توانيت في الرجوع إلى المغرب لردع فرنسا، بقي السي الهاشمي، في أخريات أيامه، يتحسر على الصحة التي خانته مع رجل جبان اسمه “التطبيع”.
لم يكن الهاشمي الطود مقاتلا من أجل القتال، أو جنديا يطيع قيادته في أهوائها وأطياشها، فحتى وهو كولونيل في الجيش الملكي، ظل محكوما بمبادئه وقناعاته، متمردا على رؤسائه عندما يكون التمرد عنوانا للوفاء والحكمة. فعندما نشبت حرب الرمال سنة 1963 بين المغرب والجزائر رفض السي الهاشمي المشاركة فيها، قائلا: “لا يمكنني أن أهاجم بلدا ساهمت في تحريره”، فأمر أوفقير باغتياله، لكنه عاش أطول منه عمرا وقامة حرة.
كانت أول مرة أقابل فيها الهاشمي الطود، يوم طرق باب بيتنا بحي للاعائشة الخضراء بالقصر الكبير، يسأل عن أخته التي كانت حديثة عهد بالزواج من عمي- والدي الثاني. لاحقا ستتجاوز علاقتنا العائلة الصغيرة إلى الأحداث الكبيرة. ولطالما تساءلت وأنا أستمع إليه: هل هذا الرجل الهادئ الوديع، هو ذلك المقاتل الشرس الذي حارب في فلسطين وتونس والجزائر، وقطع الخلاءات مشيا على الأقدام، وكان رجل ثقة محمد بن عبدالكريم الخطابي وجمال عبدالناصر وواحدا من الضباط الأحرار وملهمَ بنبلة وبومدين…؟ وسرعان ما كنت أجيب: هذا الطود (لغةً تعني الجبل العظيم) من تلك التضاريس المتنوعة والغنية التي جادت بها عائلةٌ فاضت بالعلماء والشعراء والموسيقيين وحفظة الآلة الأندلسية والصحافيين والسياسيين الوطنيين… عائلة جعلت من العلم والمعرفة شرطا للانتماء إليها، يفوق شرط رابطة الدم. فقد حكى لي الصديق الروائي بهاء الدين الطود، كيف أن أحد أجداده ترك ابنا لم يتمم تعليمه، وعندما اشتد عوده ورفع عنه الحجر، رفضت العائلة أن تسلمه إرثه من والده بدعوى أنه غير متعلم. مما اضطره، وهو شاب يافع، إلى ترك أشغاله والانكباب على دراسة القرآن فالعلم، ليحرر إرثه امتثالا لشروط العائلة.
قليلون، من معارف السي الهاشمي، يربطون بينه وبين والده عبدالسلام الطود، وخاله عبدالسلام الطود (أيضا)، المختطفين الشهيرين على يد ميليشيات حُسبت على حزب الاستقلال وجيش التحرير. قليلون من يعرفون فصول الملحمة التراجيدية لهذه العائلة التي هرّبت أطفالها بجوازات سفر جزائرية إلى سوريا ومصر.. مخافة اختطافهم والانتقام منهم لا لشيء سوى لأن آباءهم اختاروا أفكارا وانتماءات سياسية لا تشبه التي ابتغاها جلادوهم.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Messari منذ 5 سنوات

أسفي على الرجـال الذين جعلوا الوطن و الحــرية فةق كل شيء، أما اليوم فإن المغربي يبيع نفسه للصهاينة برأس بصلة و يقةل لك: إسرائيل حبيبتنــا. يفعلون هذا متذرعين بأمازيغية ليس لهم منها إلا القشور أما الأمــازيع الأحرار مثل بن عبد الكريم فلم تكن لهم حدود بين حرية المغرب و حرية فلسطين و حرية كل الشعوب، فالحرية واحدة لا تتجــزأ...لكن الاستعمار لعب بعقولنا و جفت الوطنية في عروقنا...فاللهم ارحم شهداءنا الذين وقفوا في وجه الاستعمار والصهيونية، لأن هذه جـزء من ذاك..