الأشعري: المغاربة لا يرفضون اليسار لكنهم يرفضون الذين حولوه إلى أصل تجاري

29 أكتوبر 2016 - 19:55

بدا محمد الأشعري، قيادي يساري ووزير سابق، متفائلا بالنتائج التي حققتها فيدرالية اليسار الديمقراطي، والتي أكدت بالنسبة إليه أن المغاربة لا يرفضون اليسار، بل يرفضون بالضبط أولئك الذين حولوه إلى أصل تجاري للبيع والشراء.

ورفض الأشعري كل حديث عن قطبية بين “البيجيدي” و”البام”، لأن “البام” منتوج جاهز وبدون تربة، لكن كليهما يدافع عن المحافظة ولا يمثل حلا، حسب الأشعري.

ويمضي الأشعري، إلى القول إن وجود حزب قوي ليس في صالح الديمقراطية، مؤكدا أن صنع الأحزاب من جهة، ونكوص اليسار من جهة ثانية أدخل الحياة السياسية في دورة انحسار مؤلمة.

هل توافق على القول بأن انتخابات 7 من أكتور أفرزت قطبية حزبية بين “البام” و”البيجيدي”؟

لا أوافق على ذلك، لأنني أعتبر أن حزب الأصالة والمعاصرة منتوج جاهز، وبدون تربة. فهو حزب ليس له مستند إيديولوجي وفكري، وليس له هوية سياسية واضحة منبثقة من الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المغرب.

ولهذا السبب لا يمكنني الحديث عن تقاطب، بل لدي قناعة قوية بأن “البام” هو تجمع تقليدي ومحافظ، ويدافع بدوره عن التقليدانية والمحافظة، رغم وجود عدد من الأفراد لهم قناعات تقدمية بداخله، ومن هذه الزاوية فهو يلتقي في نظري مع حزب العدالة والتنمية، فكلاهما يدافع عن المحافظة. وفي هذا السياق، أنا لا تخدعني الحرب الكلامية بينهما، وأعتبر أن كليهما لا يمكن أن يكون حلا إذا كان أحدهما يمثل مشكلة.

وكيف قرأت فوز حزب الأصالة والمعاصرة بـ102 مقاعد؟

أتحفظ دائما على كلمة “الفوز” في مناخ مثل الذي نعيشه.

 لماذا؟

لأن السياقات التي جرت فيها الانتخابات، حتى لو لم يقل الحزب الفائز بالمرتبة الأولى بأنها كانت مغشوشة، فأنا أعتقد أن مناخها العام لم يكن صافيا ولم يكن ليؤدي إلى تمايز سياسي قائم على أرقام حقيقية ونزيهة.

هل ترى أن هذا الحزب (البام) أكل من نفوذ الأحزاب الأخرى؟

من المؤكد أنه أكل من كل الأطباق التي قُدمت له. فهو وُجد أصلا من أجل الأكل من الأحزاب القائمة، بما فيها الإدارية. وفي اعتقادي، تلزمنا دراسات جدية لمعرفة حقيقة ما حصل عليه من نتائج، سواء عبر أصواته الحقيقية، أو عبر تلك التي التهمها في الطريق. عندما يحقق حزب بمواصفات “البام” نقلة مدهشة من 47 إلى 102مقاعد، دون أن يكون قد قام بأية معارضة مثيرة للانتباه، ولا خاض نضالا اجتماعيا كبيرا، ودون أن يكون له أي وجود سياسي بالمعني العميق للكلمة خلال السنوات الخمس الماضية، بحيث لم يقدم أية تصورات اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية ذات معنى، ثم فجأة يضاعف عدد مقاعده، فهذا يستدعي الحاجة إلى الفهم، ومن أجل ذلك نحتاج إلى دراسات رصينة ومتحررة حول البنيات الاجتماعية والثقافية التي أنتجت هذه الخريطة. ونحتاج إلى تقارير هيئات مستقلة حول ما جرى.

بخصوص حزب العدالة والتنمية، ما دلالات فوزه للمرة الثانية بعد 2011، وكيف تُقيّم قدرته على الصمود؟

قلت عقب الانتخابات الجماعية لسنة 2015 بأن حزب العدالة والتنمية خاض هذه المرحلة بنوع من الذكاء السياسي، إذ حافظ على تأطير المجتمع من خلال الآليات الدعوية والمدنية التي يتوفر عليها، كما حافظ على قوة الحزب الذي لم يتعرض لأية خلخلة رغم تدبيره للشأن العام، كما أن أمينه العام اشتغل بطريقة ذكية فجعل الشعار الانتخابي الأساسي الذي تحرك بمقتضاه خلال الولاية الحكومية كلها، ثم خلال الحملة الانتخابية، هو شعار محاربة التحكم، والظهور بمظهر الضحية الذي تريد قوى قاهرة أن تختطف منه شرعية تسيير دواليب الدولة.

وقد تزاوجت هذه المعطيات كلها فجعلت من العدالة والتنمية حزبا متماسكا وقادرا على خوض الانتخابات والانتصار فيها. وإذا كان الناخبون يتطلعون إلى قوى سياسية حقيقية، قادرة على تحقيق جزء من تطلعاتهم، فإنهم قد يفضلون أحيانا التصويت لحزب قوي لن يحقق كل تطلعاتهم على أن يصوتوا لأحزاب غير قوية وضعيفة. كما أن الناخبين يطمحون دائما إلى الحفاظ على الاستقرار والتوازن في المجتمع، والذي لا يمكن أن يقوم إلا على أكتاف أحزاب قوية. وخلال هذه الانتخابات، لم يكن الناخب أمام اختيارات واسعة، بل كان يرى الساحة شبه فارغة، إلا من حزب العدالة والتنمية. وقد لعب قادة هذا الحزب ورقة الاستقرار كثيرا، أحيانا بطريقة إيجابية حين يؤكدون على الحاجة إلى الإصلاح في إطار الاستقرار، وأحيانا بطريقة سلبية عندما يشيرون إلى الانفجارات الممكنة فيما لو مست قوة حزبهم وحضوره السياسي.

استعملت وزارة الداخلية وسائل كثيرة من أجل التحكم في نتائج الاقتراع (تخفيض العتبة، تشتيت الناخبين…)، ورغم ذلك أتت النتائج لصالح “البيجيدي”، ما دلالات ذلك؟

مرة أخرى أعتبر أن توزيع النقاط على الفاعلين السياسيين بهذه الطريقة لا يُجدي. القول بأن وزارة الداخلية كان لها مخطط لبعثرة الأوراق، وفشلت فيه، هو طرح يجب أن يخضع للنقاش. وأتمنى أن تنشر قريبا كل الأرقام والمعطيات حول انتخابات 7 أكتوبر حتى نتمكن من إجراء دراسات قانونية وسياسية واجتماعية لها، وأستغرب عدم نشرها لحد الآن.

إن من شأن مثل هذه الدراسات أن توضح الأمور بطريقة أفضل، وأن تجنبنا السقوط في الأحكام المسبقة، لأنه من المهم أن نؤسس كل الاستنتاجات السياسية على رؤية موضوعية للأشياء. بطبيعة الحال، لاحظت، كما لاحظ غيري، أن الصراع الانتخابي كان حادا بين حزب العدالة والتنمية الذي عبّر صراحة عن رغبته في الاستمرار ومواصلة الإصلاحات، وبين حزب الأصالة والمعاصرة الذي اعتبر أن الحزب الإسلامي هو حجر عثرة أمام التقدم نحو الديمقراطية والحداثة، ولكن للأسف فالصراع بينهما لم يكن حول البرامج والتوجهات والسياسات، بل سقط في صراع بوليميكي سطحي، وظهر أن هناك إرادة لعدد من الفاعلين السياسيين لإلحاق هزيمة بالعدالة والتنمية، ولأجل هذه الغاية استُعملت أشياء في غاية البلادة، مثل مسيرة الدار البيضاء وغيرها من وسائل التشهير والمساس بالحياة الخاصة، وهي أساليب صبّت كثيرا من المياه في طاحونة البيجيدي.

لكن أغلب الأحزاب السياسية، وبالخصوص المنحدرة من الحركة الوطنية والديمقراطية بما فيها “البيجيدي” انتقدت تدخل رجال السلطة في الانتخابات؟

أعرف من خلال تجربتي أن الكثير من أعوان السلطة في العالم القروي اشتغلوا بطريقة واضحة وعلنية لصالح حزب الأصالة والمعاصرة، وهذا يعرفه الخاص والعام. ومع ذلك، يجب ألا نتوقف عند هذا الجزء من العملية برمّتها، خصوصا وأن بعض المنتقدين يقدمون هذا التجاوزات التي عرفتها العملية الانتخابية على أنها سبب مباشر في هزيمتهم، والحال أن هذا الأمر لا علاقة له بذلك.

لقد جرت الأمور الأكثر جوهرية في هذه الانتخابات في المراكز الحضرية، فيها انتصر من انتصر وانهزم من انهزم، لذلك فدراسة نتائج المراكز الحضرية هي الأكثر أهمية في استخلاص الدروس والعبر..

في هذا الإطار كيف قرأت تراجع أحزاب الكتلة، خصوصا اليسارية منها؟

أولا، الكتلة لم تعد موجودة، والحديث عنها اليوم أو استخراجها من “الثلاجة” عمل يبعث على الشفقة. لقد انتهت الكتلة منذ زمان، والمحاولات البئيسة التي تستعمل هذه الكلمة اليوم لتقديم وجبة جديدة للمواطنين شيء يكاد، بالنسبة إلي، يكون مقرفا أو هو مقرف فعلا. التراجع في النتائج الانتخابية منطقي ومفهوم، ولا يمكن أن يكون مدعاة للاستغراب، فإذا كانت الأوضاع الداخلية لهذه الأحزاب تعرف تمزقات داخلية وانهيارات، فلا يجب أن نستغرب إن حصل اندحار من هذا النوع في الانتخابات.

وعلى كل، الأمر في نظري لم يعد يتعلق بهزيمة انتخابية، بل بهزيمة أفق لم يعد له وجود في المشهد اليوم. ويجب أن نستحضر كذلك الفوضى العارمة التي كانت مهيمنة على تصرفات مسؤولي هذه الأحزاب قبل وخلال الحملة الانتخابية، فهناك أحزاب “يسارية” أعلنت تحالفها التام مع “البام”، وأخرى أعلنت تحالفها الكامل مع “البيجيدي”.

وعليه، كيف لأناس قبلوا لأنفسهم أن يكونوا مجرد ملحقات لأحزاب أخرى أن يطلبوا من الناس أصواتهم، وكيف يمكن أن يكون حزب اليوم ضمن توجه ثم يصبح في الغد ضمن توجه آخر، وأن يلعب على الحبال ويرقص في كل حلبة، وبعد ذلك يطلب من الناخبين نوعا من الوفاء الانتخابي الذي لا معنى له.

لهذه الأسباب، أقول إن النكوص الذي عرفته هذه الأحزاب مرتبط بأزماتها الداخلية، وهذا أمر يجب التفكير فيه بقوة الآن، ونحن نسمع عن تصدرها للمشهد التفاوضي. يجب أن نتساءل عن العبث الذي سيترتب عنه مثل هذا النوع من اللعب على الحبال.

من وجهة نظرك، ما الذي جعل الاتحاد الاشتراكي يرفض التحالف مع “البيجيدي” ويبدو مستعدا له اليوم؟

بالنسبة إلي، لا أعرف ما الذي أسفرت عنه المفاوضات وفيما إذا كان الأمر كما تقول، فإليهم يجب أن تتوجه بالسؤال. لكن في سنة 2011 أظن أن كثيرا من المناضلين داخل هذا الحزب اعتبروا أن الانتصار الانتخابي الذي حققه حزب العدالة والتنمية آنذاك يؤهله لتشكيل حكومة يتجانس مع مكوناتها، كما أن الاتحاد لم يكن وقتها يعتبر أن تخريب التمايزات السياسية والفكرية مسألة جيدة للديمقراطية.

بالعكس، في تحليل كثير من مناضلي الاتحاد في حينه، اعتبروا أن من مصلحة الديمقراطية والبلاد أن تعطى الفرصة لحزب آخر لتدبير الشأن العام، وأن يعود الاتحاد إلى قاعدته الاجتماعية لإعادة بناء نفسه بعد مراحل في تدبير الشأن العام لم تكن نتائجها مقبولة كلها من لدن الرأي العام، خصوصا في السنوات الأخيرة مع حكومة عباس الفاسي.

النتائج الأخيرة أكدت أن الاتحاد لم يستفد من المعارضة، فهل يمكن أن يستفيد من الحكومة في حال انضم إلى تحالف جديد لـ”البيجيدي”؟

وهل قام فعلا بالمعارضة؟ وبالمقابل سأقول إن حزب التقدم والاشتراكية لم يستفد بدوره من وجوده في الحكومة. المسألة إذن ليست بهذه الأوتوماتيكية، بحيث إذا كنت في المعارضة ستفشل وإذا كنت في الحكومة قد تنجح، المسألة تتعلق في العمق بماذا ستقدمه للناس، وماذا تستطيع بناءه كقوة سياسية لها مشروع بديل.

هناك زخم سياسي حققته فيدرالية اليسار الديمقراطي، كما أن نتائجها أثبتت تفوقها على أحزاب يسارية عتيدة في 13 مدينة على الأقل، كيف تقرأ الاختراق الذي حققه هذا المكون؟

هي نتائج سياسية تؤكد بطريقة لا مراء فيها أن الناخبين والمواطنين المغاربة لا يرفضون اليسار، ولكنهم يرفضون أولئك الذين حولوه إلى أصل تجاري للبيع والشراء وعقد الصفقات. أما اليساريون المتشبثون بمبادئهم وقيمهم التقدمية، ويقترحون على الشعب المغربي اختيارا بديلا، غير الاختيار بين حزب ديني وحزب ولد في مطابخ السلطة، فقد أثبتوا أنهم قادرون على التعبير عن أجيال ما بعد دستور 2011، وتبين أن هذا الاختيار قد يكون مسموعا في المستقبل، والدليل على ذلك هو الاندفاع الذي أبان عنه عدد من الشباب والمثقفين والفنانين والمناضلين اليساريين من خارج الفيدرالية.

طبعا، إن لم تحصل الفيدرالية على مقاعد، فقد حصلت على أصوات مهمة تفوق أحيانا أصوات الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية مجتمعة، وأعتقد أنه رصيد حقيقي، ومن الممكن ربط هذه الأصوات بطريقة دائمة بمسيرة الفيدرالية كما أنه من الممكن توسيعها مستقبلا، وأظن أن الكرة الآن في ملعب الفيدرالية.

ماذا تقصد؟

إذا استطاعت الفيدرالية أن تكون إطارا مفتوحا أمام هذه القوى الجديدة، فمن المؤكد أنها قد تصبح بيتا جديدا لليسار المغربي بحساسياته المختلفة، وهذا يتوقف على ما ستقوم به الفيدرالية في المستقبل.

والأمر في نظري يقتضي المبادرة بأسرع وقت ممكن إلى تنظيم مؤتمر واسع يضم هذه القاعدة الجديدة وكل اليساريين المخلصين، وعند ذلك يمكن أن نتحدث باعتزاز عن ميلاد بيت جديد لليسار.

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

AMAZIGH منذ 5 سنوات

حين كنت في حضن المخزن تتقتطع من كعكته نصيبك لم تكن يساريا تمتلك اصلا تجاريا المغاربة غسلوا يديهم على اليسار

rochdy منذ 5 سنوات

أنت أولهم

كريم حسن منذ 5 سنوات

استفدت من الاتحاد الاشتراكي واليوم تتكلم عنه وكأنك لاتعرفه من العيب أيها الاستاذ صاحب عين العقل انه لا عقل لك اليوم لأنك انهزمت وهزمت معك أفكارك الاتحادية ، المناضل الاتحادي هو إخلاصه والدفاع عنه من موقع الانتماء انت الان مجرد رقم في معادلة يتم استخدامها ضد حزبك

مغربي منذ 5 سنوات

أنت واحدهم !!!!!

ابو امين منذ 5 سنوات

لماذا لم يستحضر السيد الاشعري هذه الاستنتاجات حينما كان الخروج عن المنهجية الديموقراطية و تشبث بالحقيبة الوزارة