يقدم محمد الأشعري، قيادي يساري ووزير سابق، رؤية أخرى لما جرى يوم 7 أكتوبر، اعتبر فيها أن تراجع أحزاب اليسار كان متوقعا بسبب التمزقات التي عانى منها.
ورفض الاشعري الحديث عن مقالة إلياس العماري الأمين العام لحزب الاصالة والمعاصرة.
وهذا نص الحوار :
كيف قرأت مقالة إلياس العماري التي ضمّنها دعوة إلى « مصالحة تاريخية شجاعة »، بعدما كان يدعو إلى محاربة الإسلاميين؟
بصراحة لا تهمني مثل هذه الشطحات، ولا أريد أن أقدم تعليقا على شيء لا يهمني.
كتبت جريدة « الواشنطن بوست » أن حزب العدالة والتنمية وحركة النهضة في تونس يقدمان « جيلا جديدا من الإسلاميين » يقبلون بالديمقراطية، هل توافق على هذا التحليل؟
هذا صحيح إلى حد ما، لا يجب أن ننكر التطورات الحاصلة داخل العدالة والتنمية، بالرغم من وجود ثوابت يمكن أن نختلف معها. لكن التطور السياسي لهذا الحزب يستدعي أن نتعامل معه بكل جدية، وألا نتصرف بطريقة الرفض المسبق أو الإقصاء المبدئي. حزب العدالة والتنمية أثبت نوعا من المرونة في التعامل مع الكثير من حقائق السياسة المغربية، ومن مسؤوليات مكونات هذا الحقل السياسي أن تستوعب هذه الحقيقة، وأن تتعامل معها بإيجابية.
فالموقف القائم على الرفض لهذا المكون السياسي غير مقبول، وأعتبر أن تطور حزب العدالة والتنمية في وضعه الراهن شيء يجب التعامل معه بطريقة أفضل، بهدف الدفع به إلى تطور أعمق نحو التحول التدريجي من حزب ديني إلى حزب مدني، لأن ذلك في صالح ترسيخ الاختيار الديمقراطي.
بعض المحللين، منهم محمد مدني، اعتبروا أن من النتائج السياسية للعملية الانتخابية الأخيرة، خصوصا مصادقة الملك على الاختيار الشعبي لبنكيران لولاية حكومية ثانية، خطوة نحو الملكية البرلمانية، هل توافق على هذا الرأي؟
ما حدث ليس شيئا جديدا من حيث الشكل، فمنذ العودة إلى المنهجية الديمقراطية جرى بشكل متواتر تعيين الأمين العام للحزب الفائز رئيسا للحكومة، لكن القضية في العمق لا تتعلق بالشكل فقط، بل بمدى التقدم الحاصل على مستوى تطبيق الدستور وإنجاز الإصلاحات وتوسيع الحريات، ومحاربة الفساد والنهوض الاقتصادي، والربط بين المسؤولية والمحاسبة، وتقييم السياسات العمومية، أي بما تقوم به المؤسسات من أعمال تتماشى وروح الديمقراطية. أقصد أن ما يقربنا أو يبعدنا عن الملكية البرلمانية هو ما تحققه المؤسسات على مستوى المضمون، أما احترام الشكليات فهو جزء من العملية وليس العملية كلها.
– ولكن ألا ترى أن الجو السياسي الذي تشكل عقب 7 أكتوبر، حيث بات لدينا حزب قوي هو « البيجيدي » ربما مؤهل مقارنة بالسابق لتشكيل حكومة أكثر انسجاما، قد يوضح المشهد السياسي مستقبلا؟
ما يقدم العملية السياسية في أي بلد هو وجود أحزاب قوية، وليس وجود حزب قوي، وإلا لكان علينا أن نؤسس حزبا قويا للدولة، أي حزبا وحيدا، و »نقضي الغرض ». الجوهري في المعادلة هو وجود أحزاب قوية، وتوازن دقيق بين العائلات الفكرية والسياسية في البلاد، أما وجود حزب قوي لاعتبارات متعددة فهو قد يعقد التحول الديمقراطي في المغرب وليس العكس.
تقصد أن تشكيل حكومة بقيادة « البيجيدي » مع أحزاب الحركة الوطنية والديمقراطية لن يسرع التحول في البلاد؟
أن يتحدث البعض اليوم عن أحزاب حركة وطنية وديمقراطية هو من باب التوصيفات الوهمية. أنا لا أقرأ العائلات السياسية من خلال عناوين الدكاكين، بل من خلال الوجود الفعلي والسياسي والجماهيري. يجب أن تقدم وصفة للمواطنين تحترم ذكاء الناخبين، وتحترم المنطق السياسي، ولا يمكن أن تخاض الانتخابات في سياق تحالف معين، وتشكل الحكومة في سياق تحالف آخر.
وحتى لو ظهر أن هناك فائدة لتشكيل أغلبية حكومية جديدة أساسها العدالة والتنمية والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية فيجب أن يعالج هذا الأمر بنوع من المنطق السياسي، وليس فقط لأن هذه الصيغة لها بريق « وصفة وطنية تهرس الحجر »، والعدالة والتنمية يجب ألا يفكر بمنطق « زوق تبيع »، ولا أن يسكره النجاح فيوجه أول رصاصة يطلقها بعد الفوز إلى قدمه.
لقد قرأت على صفحات جريدتكم حوارا للأستاذ عبدالإله بنكيران يقول عن حزب الاستقلال: « أنا لا أعرف ماذا يريد، فهو يقول الشيء ونقضيه »، إذن كيف لحزب مثل العدالة والتنمية أن يكتشف فجأة أن حزب الاستقلال لم يعد متذبذبا بين تحالفات متعارضة، والأمر نفسه بالنسبة إلى الاتحاد الاشتراكي الذي أعلن منذ فترة طويلة عن تحالفه مع « البام ». كيف له اليوم، أن يغسل يديه ويتقدم ليأكل من مائدة العدالة والتنمية.
أنا لست ضد هذه الفكرة في حد ذاتها، وأعتبر أنه من الممكن أن تكون الأقرب إلى الهيكلة المعقولة للحقل السياسي في المغرب، لأن هناك أشياء كثيرة مشتركة بين قواميس هذه الأحزاب، لكن حتى لا نظهر بمظهر من يفكر في المواقع والمكاسب السهلة، علينا أن نتعامل بنضج مع الناخبين.
مثلا، على الاتحاد الاشتراكي أن يعقد مؤتمره، وأن يقدم نقدا ذاتيا لاختياراته وللنتائج التي حصل عليها، وأن يُفسح المجال أمام قيادة جديدة يمكن لها أن تختار التحالف مع العدالة والتنمية. وسأعفي نفسي من الحديث عن الأحزاب الأخرى حتى لا تعتبر كلامي عنها تدخلا في شؤونها، لكن في تقديري ليس مقبولا على الإطلاق أن تصبح قضية تدبير الشأن العام قضية صفقات، يجب أن تستند إلى إجراءات سياسية شجاعة داخل هذه الأحزاب، وعلى تحليل جدي للأوضاع السياسية.
بشكل عام، كيف تقرأ نتائج انتخابات 7 أكتوبر في سياق تراكمي؟
أقرؤها في سياق ما هو ثابت وما هو متحول في المجال السياسي المغربي. بالنسبة إلى ما هو ثابت منذ سنوات، هناك أولا توسع الحقل التقليدي في البلاد، وهو الحقل الذي أصبح يمس فئات كثيرة في المجتمع، خاصة الفئات المتوسطة والحضرية، وهذا التوسع في الفكر التقليدي يرجع إلى الاشتغال المستمر للأذرع الثقافية والفكرية لحركة الإسلام السياسي، ويرجع أيضا إلى الأعطاب التي عرفتها السياسة التعليمية والسياسة الثقافية لبلادنا، وأعتبر أن هذا المعطى يؤثر إلى حد بعيد على توجهات الناخبين واختياراتهم.
ثانيا، هناك ما أسميه بمنزلقات « السياسة العمومية » في المجال الحزبي، فمنذ بداية الستينيات دخل في مخ السلطات العمومية أن من واجبها تدبير الحقل الحزبي بما يعني ذلك من صنع الأحزاب وتقسيمها وإضعافها وتقويتها وقتلها وبعثها، حتى أصبحنا اليوم أمام حقل خراب لم يجد الحزب الإسلامي صعوبات قصوى للانتصار عليه، فإذا أضفنا إلى ذلك ما حدث من خيبات أمل وتصدعات في الصف اليساري بعد تجربة التناوب، فسندرك أن البلاد قد دخلت منذ سنوات في دورة انحسار مؤلمة للحياة السياسية فكرا وهياكل وممارسة.
أما فيما يتعلق بالمتحولات، فهناك أولا ما يتعلق بأوضاع الأحزاب الوطنية التقليدية، وأقوى تحول في هذا الإطار هو انهيار قوى اليسار وتمزقها بشكل لم يسبق له مثيل، في مناخ اتسم منذ انفجار الشارع العربي، بهيمنة تخوفين: تخوف من الإسلاميين وتخوف من الشارع. وبالنسبة إلى عدد كبير من الناس حتى المنتمين منهم إلى النخب، فإن الجدار الوحيد الذي يمكن أن يُستنجد به لمواجهة التخوفين هو الدولة التي أصبحت المستفيد الأساسي من اللعب على التخوفين.
وهناك ثانيا، تلك الصعوبات القصوى (السوسيوـ ثقافية) التي نجدها اليوم في إعادة بناء التيار الوطني التقدمي الديمقراطي في صيغة تلائم تحولات المجتمع، وانبثاق حاجيات جديدة وتطلعات لم تعد الهياكل التقليدية تتكفل بها، بل ربما لا تستطيع فهمها واستيعابها.
من هنا هذا الاضطراب الكبير الذي تعيشه الأحزاب « الوطنية » وغرقها في الصراعات المصلحية وفي التناحر حول المكاسب، والأدهى من ذلك أن جل هذه الأحزاب وفي غياب تام لمشروع جديد تنهض به، تتصور أن « الحنكة في تدبير الفشل » هو الكفيل بإعادتها إلى الواجهة، والحال أنه من السذاجة أن نعتبر أن النهوض من هذا السقوط المريع يمكن أن يتحقق ببعض المراوغات السطحية.
إن الأمر يتطلب سنوات من العمل والمكابدة فكريا وثقافيا وسياسيا وتنظيميا لبناء قوة تستطيع أن تواجه التيارات التقليدية وتهزمها بأصوات الناخبين وليس بأي شيء آخر.