هزت واقعة « طحن » محسن فكري، الذي قضى نحبه سحقا داخل شاحنة للأزبال، الشعور الوطني، ودفعت الآلاف إلى الاحتجاج العفوي في الشارع على امتداد التراب الوطني، من الحسيمة إلى بني ملال ومن أكادير إلى وجدة.
خروج الآلاف من المواطنين، من مختلف الأعمار والفئات الاجتماعية وحتى التيارات السياسية رأى فيه توفيق عبدالصادق، باحث في العلوم السياسية متخصص في الحركات الاحتجاجية، بأنها « صرخة عارمة من أجل الحرية والكرامة ».
في هذا السياق، تشبه مسيرات 30 أكتوبر كثيرا مسيرات 20 فبراير، وحتى الوقفات التي خرجت ضد قرار العفو الملكي عن مغتصب الأطفال الإسباني، دانيال كالفان، وتختلف جذريا عن باقي الاحتجاجات التي تخرج يوميا، وتفوق 50 وقفة أو مسيرة أو اعتصام بحسب المعطيات الرسمية، من حيث دوافعها والأهداف التي تسعى إليها.
توفيق عبدالصادق اعتبر في حديث مع « أخبار اليوم » أن الذين خرجوا في احتجاجات يوم الأحد الماضي « تبنوا الاحتجاج كفعل مقاومة من أجل الاعتراف الجماعي »، وأضاف نحن أمام فئات « تطالب بالاعتراف بها، وبآمالها وطموحاتها ومصالحها، وبأهميتها في بناء الوطن »، وهي مرحلة جديدة « تتجاوز فيها هذه الفئات المطالب المادية الاجتماعية، إلى النضال بواسطة الاحتجاج من أجل استرجاع الكرامة المهدورة ».
تتقاطع قضية محسن فكري مع حادثة محمد البوعزيزي في تونس، وخالد سعيد في مصر. يبدو الحادث هامشيا، لكنه صادم للشعور الإنساني والوطني، بحيث يُسحق مواطن بسيط يقاتل يوميا ضد الجوع نتيجة فعل سلطوي، وفي لحظة ما يصبح « قصة » تلخص كل المآسي والظلم والجبروت الذي تمارسه السلطة على المواطنين، فيثير التضامن والتعاطف، ومن ثم الاحتجاج.
وعن طريق التضامن، تتطور الاحتجاجات وقد تجد نفسها، بحسب توفيق عبدالصادق، أمام مسارين: مسار تراكمي يبدأ في الهامش وينتقل إلى المركز، كما حدث بالضبط في تونس مع واقعة البوعزيزي حيث اندلعت الاحتجاجات في سيدي بوزيد، ثم امتدت إلى « القصرين » والمدن الهامشية، وظلت تحفر 15 يوما قبل أن تجد لها صدى في العاصمة تونس يوم 14 يناير 2011.
يشبه هذا المسار قليلا ما حدث في احتجاجات 30 أكتوبر بالمغرب، إذ اندلعت مباشرة عقب انتشار خبر سحق محسن فكري داخل مدينة الحسيمة، ثم امتدت في اليوم الموالي نحو مدن مجاورة كإيمزورن وبني بوعياش، لتتفاعل مع نشطاء الفايسبوك طيلة يوم السبت 29 أكتوبر 2016 تحت شعار حارق: « طحن مو »، وبسرعة كبيرة اختفت الحدود بين الواقعي والافتراضي (الفايسبوك)، ليخرج الآلاف إلى الشوارع في 13 مدينة كبرى ومتوسطة. لقد صار فكري أيقونة للكرامة المغربية، تماما مثلما أصبح البوعزيزي عنوان ثورات « الربيع العربي ».
يُميّز سعيد بنّيس، أستاذ باحث في علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس أكدال، في الاحتجاجات التي جرت خلال السنوات الأخيرة بين تلك التي حدثت بدافع « قيم مادية »، وتلك التي تحدث بدافع « قيم رمزية ».
فالأولى، تخرج للشارع، كفضاء عمومي، نتيجة مطالب مادية صرفة كالسكن أو الصحة أو الشغل أو التعليم وغيرها، وهي احتجاجات قد تنفذها النقابات العمالية، كما قد تنفذها فئة متجانسة مثل أساتذة الغد أو جمعيات المعطلين وغيرهم، وتتميز هذه الاحتجاجات بحد أدنى من التنظيم، وقد تستمر مدى أطول في الشارع.
أما الصنف الثاني من الاحتجاجات التي تندلع سعيا وراء قيم رمزية كالحرية والكرامة والعدالة، فتكون عفوية في الغالب، وتشارك فيها فئات مختلفة اجتماعيا، لكن يجمعها تصور مشترك للعيش في إطار المواطنة. وهو تصور يعتبر أن المؤسسات موجودة لخدمة المواطن وليس لقمعه، والاستجابة لحاجياته ومطالبه، وإن لم تستجب فهي غير جديرة بالثقة والاحترام، مما يزكي الشعور بالحكرة والظلم، ويبرر الاحتجاج ضدها.
تفاصيل أكثر في عدد نهاية الأسبوع من جريدة أخبار اليوم