الرزرازي: المغرب يمكن أن يستفيد من ميل ترامب لمحاربة الإرهاب

17 نوفمبر 2016 - 20:21

يقدم الخبير المغربي المصطفى الرزرازي، أستاذ العلاقات الدولية وإدارة الأزمات، في هذا حوار، صورة مختلفة للرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، عن الصورة التي روجتها وسائل الإعلام الأمريكي.

وقال في الحوار، ان المغرب يمكن أن يستفيد من ميل ترامب لمحاربة الإرهاب.

ما هي دلالات انتصار دونالد ترامب داخل المشهد السياسي الأمريكي؟
أظن أن انتصار ترامب حددته عدة معطيات داخلية بالولايات المتحدة الأمريكية، ويمكننا أن نقسمها إلى أربعة أسباب أساسية:
الخلل الأول يكمن في طبيعة الحزب الديموقراطي الأمريكي، الذي دخل إلى النمطية المطلقة، فاقدا بذلك تميزه الذي كان يعطيه نفسه “التقدمي” أو “المستنير”. ولعل آخر ضربة كانت للحزب الديموقراطي لم تكن فقط من هيلاري التي تم الكشف عن تلاعبها في صنع قرارات مصيرية عالميا، خارج إمرة القوانين والأعراف، وهو ما كشفته إف.بي.أي.

أوباما تم اختياره لتميزه العرقي، ولانتمائه لنخب الطبقة المتوسطة، لكنه لم يكن موفقا إلا في إنتاجه للخطاب، الأمر الذي أدى إلى استياء الناس منه.

أضف إلى هذا أن الحزب الديموقراطي، الذي أسس له فرانكلين دي روزفلت وليندون بي جونسون، يتمركز حول الطبقة العاملة من البيض، لكن الحزب في أدائه أهمل طبقته القاعدية، وإن كانت قد تلاحمت مع مجموعات عرقية مهمشة، وأصبحت قوة انتخابية وازنة. وهذا هو العنصر الثاني.

ويبدو أن ترامب كان مدركا لهذه التعقيدات التي تمددت لتطال الطبقات الوسطى من المجتمع الأمريكي.

وقد فقدت الطبقتان الدنيا والمتوسطة مكانتيهما في غضون عقود. كما فقدتا الثقة في المستقبل المبني في قيم أمريكا، على أن العمل ضمانة للعيش الكريم.

ولعل ما التقطه ترامب وأهملته هيلاري، هو أن شريحة الطبقات الدنيا والطبقة المتوسطة من البيض هي قادرة على نقل ترامب إلى قمة البيت الأبيض. وبالنظر إلى استطلاعات الرأي، أوضحت الإحصائيات عدم صحة ادعاءات الإعلام الموالي للديموقراطيين، المتعلق بميل السود واللاتينيين والنساء للتصوبت على هيلاري ضد ترامب. إذ ما حدث هو أن أكثر من 20% من ذوي الأصول الإسبانية صوتوا لصالح ترامب.

إذا كان الأمر كذلك، فلماذا هذا الذعر الكبير الذي أحاطت به وسائل الإعلام العالمية انتصار ترامب، هل هو مخيف إلى هذه الدرجة، وهل فعلا كان مفاجأة؟

إذا كنت تعني بالذعر الكبير الذعر المرضي الناتج عن حالة احتقان معرفي بسبب تضارب مصفوفتين لدى الرأي العام، أي مصفوفة “ترامب لا يصلح رئيسا”، ثم مصفوفة “ترامب أصبح رئيسا”، فالأمر في رأيي يتعلق بحالة تنافر معرفي Cognitive Dissonance والتي تعني إجمالا في التعريفات المقتضبة حالة من التوتر أو الإجهاد العقلي أو عدم الراحة التي يعاني منها الفرد الذي يحمل اثنين أو أكثر من المعتقدات أو الأفكار أو القيم المتناقضة في نفس الوقت، أو يقوم بسلوك يتعارض مع معتقداته وأفكاره وقيمه، أو يواجَه بمعلومات جديدة تتعارض مع المعتقدات والأفكار والقيم الموجودة لديه.

فعلا لعب الإعلام الأمريكي دورا خطيرا في تدبير الرأي العام الأمريكي ثم الدولي بخلق حالة الالتباس والتردد والتوتر، ثم استتبعها بآليات الدعم النفسي والعاطفي (من خلال إسقاط الصورة المثلى عن ترامب)، وصولا إلى تقديم وصفة النبذ والرفض للمرشح ترامب. عملية تدبير دعائية-نفسية هائلة لم نعش مثلها إلا في لحظات حاسمة في تاريخنا الحديث.

وعلى الأقل بالنسبة إلي شخصيا، أظن أني عايشت بعض أثارها– وإن كنت صغيرا حينها- فيما يسمى بالنكبة العربية، ثم عشناها كاملة خلال التدبير الإعلامي الأمريكي لحرب الخليج الثانية خلال اجتياح قوات صدام للكويت، ثم خلال أحداث الحادي عشر من شتنبر، تلتها حالة الغليان التي رافقت ما يسمى بالربيع العربي، ثم هذه الانتخابات. وفي كل هذه اللحظات، كانت المظاهر شبه متشابهة:
• استعصاء التنبؤ
• سيل المعلومة وتضاربها
• انتفاء الربط السببي بين الوقائع وأسبابها
• لاعقلانية التداعيات
وهي كلها عمليات عقلية-تمثلية لها آثارها على الوجدان وعلى السلوك.

ومع ذلك انتصر ترامب، لماذا؟
نعم، فالإعلام زيف الحقائق أحيانا، وأخفاها أحيانا أخرى، أو عززها باللبس أيضا. لكن ترامب المتمرس في تدبير آليات الاستهلاك والمستهلك داخل عالم الأعمال، استغل كل ذلك من خلال تركيزه على آلية هدم المتقابلات:
فحين تحركت الآلة الإعلامية الموالية لهيلاري كلينتون بتقديم السيدة كلينتون كممثلة لمقاربة النوع وللمرأة، نهج ترامب مقاربة مغايرة، وهي التشكيك في الانتماء المعرفي والسلوكي لهيلاري كلينتون لشريحة النساء. إذ ركز ترامب على نزع الأنوثة عن هيلاري، وتقديمها كآلة سياسية بلباس نسائي، أي صورة ما يشبه في التحليل النفسي الأم الفاقدة لأمومتها، غير القادرة على منح الطفل دور الأمومة، لتجاوزها عتبة الموضوع المانح لوظيفة الحب (الأم)، ودخولها في وضيفة الموضوع المانح للأمان (الأب)، مما يؤدي إلى نبذ الرضيع للأم ودخوله في حالات اكتئابية.

أما الآلية الثانية، فكانت بتقديمه لامرأة في منتصف العمر، وهي رئيسة حملته الانتخابية السيدة كيليان كونواي التي كانت تنافس هيلاري في تمثيل المرأة، وتنزع عنها انفرادها بهذا الدور.

الجانب الآخر هو نجاح ترامب في قلب الهجوم عليه من طرف الآلة الإعلامية الديموقراطية إلى مظلومية من دكتاتورية المؤسسة التقليدية، وأنماط التدبير التقليدي.

في مقابل ذلك، تحرك ترامب للخروج إلى الإعلام بدون برتوكولات في الأداء اللغوي أو في تدبير لغة الجسد، وهو ما أعطى انطباعا لدى الأمريكيين من الطبقات الدنيا والوسطى، بأن الرجل “مثلنا يصرخ مثلنا، ويتكلم مثلنا، ويغضب مثلنا”.

 

أما الأمر الثالث، فهو أن الرجل أعطى إحساسا بأنه لا يهتم إلا بالأساسي في حياة الناس، وهو الصحة والتعليم والأمن كأولويات. ولا ينكر أحد أن استقدام أوباما كان مبنيا على هذه الملفات، إضافة إلى ملف الأزمة المالية، لكنه لم يتوقف كليا في معالجتها.

حتى بالنسبة لملف الهجرة. فقد كان تعامل ترامب معه ذكيا، فهو لم يقل بطرد المهاجرين، ولكنه كان يتحدث عن الهجرة غير الشرعية، وهو يعلم أنها قوة غير انتخابية على الأقل.

وعموما، لم يكن ترامب متفرجا أمام إعلام الصحافة الكبرى دون أن يتحرك، فقد فضح بطريقته كيف أن إعلام المؤسسات الكبرى لم يكن منصفا له حتى في التعريف به. فقد غيب الإعلام صورة ترامب الذي درس بالأكاديمية العسكرية في نيويورك، ثم بجامعة فوردهام، وبجامعة بنسلفانيا، علاوة على حصوله في مرحلة متأخرة على دكتوراه فخرية في إدارة الأعمال التي منحتها له 2010 جامعة “روبرت غوردون” البريطانية، والتي كانت الجامعة قد قررت سحبها منه في منتصف الحملة الانتخابية بسبب تصريحاته التي وصفتها الجامعة بأنها “لا تتلاءم إطلاقاً مع أخلاقيات وقيم الجامعة.”

هذا علاوة على تغييب أن الرجل له أدبيات ومؤلفات يمكنها أن تمثل مرجعية في فهم نظرته للأشياء وللعالم مثل كتابه أمريكا المشلولةCrippledAmerica ، وفن التدبيرThe Art of the Deal رفقة الكاتب توني شوارتز، و”فن الاستمرارSurvivingat the Top”، و”فن العودة” The Art of the Comeback بتعاون مع الكاتبة كايتبونر، ثم كتابه “أمريكا التي نستحق The AmericaWeDeserve ” بتشارك مع دايفشيفلر، و”كيف تصبح غنياHow to GetRich” ، والطريق إلى القمة The Way to the Top: The Best Business Advice I EverReceived ، وكتب أخرى كثيرة، كان آخرها وإن حمل طابعا دعائيا لبرنامجه الانتخابي وهو كتاب “عظيم مرة أخرى: كيف يمكن إصلاح أعطاب أمريكا” Great Again: How to Fix Our CrippledAmerica.

وهل سيتغير ترامب بعد وصوله للرئاسة؟
في أول خروج إعلامي لترامب بعد فوزه، حاول أن يظهر أكثر مرونة في عدد من الملفات خاصة خطة الضمان الصحي التي أقرها باراك أوباما والمعروفة باسمه “أوباما كير”(obamacare)، التي تراجع عن عزمه إلغائها وووعد فقط بتعديلها..

المبدأ العام هو أن رجل الانتخابات ليس هو رجل التدبير، وهي سنة عهدناها منذ قرون وليس سنوات. فترامب سيخضع كغيره لتنشئة سياسية خلال قطعه لمسافة الممر التي تفصله بين ترامب رجل الأعمال-المرشح الجمهوري، وبين ترامب الجالس على كرسي البيت الأبيض المحاط بخبراء ومستشارين، وكتابة خاصة، وحرس، وخبير تجميل وخبير ملابس، وسائق جديد، ورجال استخبارات. كل هذه المكونات الجديدة ستجعل من الرجل يتغير، وينضبط، ويحدث منظومة صنع القرار داخل البيت الأبيض، لكن دون أن يشعر بهذا التغيير. خاصة أن اللقاء بالناس والطاقم الجديد وبقادة الدول من العالم، ستجعله يعيد تقييمه وانطباعاته الأولى عن عالم التدبير الرئاسي.

ومع ذلك، هذا لا يعني أن ترامب كما عهدناه سيذوب مطلقا، فالرجل- كما يقول الراحل الحسن الثاني- هو الأسلوب. وسيكون أسلوب ترامب شعبويا-قوميا-مقاولاتيا بكل تأكيد، لكنه منضبط بقواعد البيت الأبيض وتقاليده.

كيف تقرأ تداعيات وصول ترامب من الناحية الجيوستراجية؟

ربما ستؤدي رئاسة ترامب للولايات المتحدة الأمريكية إلى تعزيز ظاهرة سيطرة الاتجاهات القومية الشعبوية على مقاليد الحكم بعدد من الدول بمختلف القارات الخمس، مما قد يهدد بمتلازمة الليبرالية كقيمة مترابطة بالديموقراطية.

كما قد يؤدي انتصار ترامب إلى إضفاء الشرعية على استفتاء للـ Brexit (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي)، ويعطي قيمة مضافة لبوتين في مواجهة الأنتلجنسيا الروسية المعارضة لنمط حكمه الشعبي بتركيا، علاوة على ظهور حالة انفراج لدى اليمين الفرنسي والأسترالي والغنهاري مباشرة عقب الإعلان عن نجاح ترامب، باعتباره سيعطيهم قوة وزخما في تعزيز خطابهم الشعبوي الذي لم يعد معزولا بعد التحاق البيت الأبيض بهم.

وعليه فجبهة الاتجاه الشعبوي القومي ستتوسع، ولذلك أثر كبير بدون شك في تدبير الملفات الساخنة دوليا.

ولفهم هذه الدينامية، لابد من الإشارة هنا إلى أنه بعد سقوط المنظومة الشيوعية، سقطت أيضا متلازمة الربط الميكانيكي بين الليبرالية المدعومة بالطبقات الميسورة، ضد الاشتراكية المدعومة بالطبقات العمالية والطبقات المتضررة من النظام الليبرالي.

ذلك أن تدبير النظام الليبرالي لذاته، فشل في إعادة هيكلة ذاته، وظل سجينا لها، ولم يتمكن سوى من تجميل ذاته، وتوسيع الهوة بين شريحة التكنوقراطيين الذين تفننوا في خلق أرستقراطية نخبوية تدير دوائر المال والأعمال، وبين السياسيين على اختلاف تلويناتهم، الذين يرهنون مصيرهم بمعدل ربح أصوات العامة، لتحقيق انتصاراتهم أو ضغوطاتهم على سطوة التكنوقراط. داخل هذا المخاض، توفق اليمين في كل دول العالم من التقاط شعارات الشعبوية القومية، كآلية لتدبير الشعوب، ولكن أيضا من أجل إنقاذ النظام الرأسمالي الليبرالي من الانهيار.

لكن إذا كانت الشعبوية توفقت في ربح قلوب الناس من خلال تحريك الدافعية الغريزية للحياة عند الناس البسطاء من الشرائح الواسعة، فهل ستتوفق في تدبير نظام العمل ونظام الإنتاج داخل النظام الرأسمالي؟

في مرحلة أولية، وهذا ما ظهرت ملامحه منذ حوالي ست سنوات، يبدو أن قيادات التيارات الشعبوية في العالم، بدأت تميل إلى تدبير أزمة النظام الرأسمالي على أساس البحث عن حلول مرتبطة بمقولة “الخارج”. ولذا كانت ملفات الإرهاب القادم من الخارج، والهجرة المهددة لقيم الداخل ولسوق العمل القومي، هي العناوين الكبرى لحملات كل مرشحي التيارات اليمنية المحافظة في العالم.

إلا أن الجديد في قدوم ترامب إلى قمة صنع القرار الأمريكي، يتجسد في دفاعه عن نمط جديد من الدولة، والتي أسميها الدولة المقاولةL’Etat-Entreprise ، هذه الدولة المقاولة التي تريد أن تتخلى عن مفهومي التضامن الإقليمي والتضامن العالمي من أجل حماية الانسجام والتوازن داخل التكتلات الإقليمية والعالمية. وربما كان استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بمبرر كلفة الاتحاد على ميزانية بريطانيا وعلى سوقها المالية أحد مظاهر التحول، ثم تظهر مقومات هذا المفهوم الجديد مع ترامب الذي يرفع شعار إعادة الاعتبار لأمريكا في العالم، لكن من منظور التدبير المقاولاتي للعلاقات الدولية. حيث يختفي مفهوم التضامن بين الأحلاف، ويقوم مقامه مفهوم بيع الخدمة للحلفاء.

فترامب يجسد هذا الجيل الجديد من تطور الدولة التي يريد فيها أن يدفع الخليجيون خدمات الوجود الأمريكي بالمنطقة، وأن يدفع اليابانيون والكوريون خدمات الوجود الأمريكي باليابان وبكوريا الجنوبية.

وحتى الأوروبيون فيما يتعلق بحلف الناتو، الذي يجد نفسه اليوم أمام تحديات هذا المفهوم. أضف إلى كل هذا، رغبة ترامب في إعادة النظر في مختلف الاتفاقيات التجارية الموقعة من طرف الولايات المتحدة، وإعادة جدولتها على أساس منطق الربح-الخسارة بالمعنى المقاولاتي الصرف.

ماذا عن تدبير الدول العربية لعلاقتها بالولايات المتحدة خلال ولاية ترامب، وكيف تتوقع هذه العلاقة خاصة بالنسبة للمغرب ولدول الخليج؟
على المستوى المغربي، يعتبر المغرب من أهم شركاء الولايات المتحدة التقليديين بالقارة الإفريقية، لاعتبارات تاريخية، وأخرى مجالية، ثم أمنية واقتصادية.

فعلى المستوى التاريخي، كان المغرب أوّل دولة اعترفت باستقلال الولايات المتحدة عام 1787. أما على المستوى المجالي، فالمغرب يتقاطع مع الولايات المتحدة تصورات مشتركة كثيرة في إعادة هيكلة وبناء منظومة الدول المطلة على الأطلسي، أضف إلى كل هذا الاعتبار الجيوستراتيجي، حيث المغرب حليف أمني وعسكري تقليدي للولايات المتحدة بالمنطقة. فالمغرب وقع مع الولايات المتحدة الأمريكية اتفاقية للتبادل الحر، تلاها توقيع شراكة استراتيجية شاملة، كل هذه عناصر أساسية ستجعل العلاقات المغربية الأمريكية تتجاوز الأحكام ولحظات التوتر العابرة كتلك التصريحات التي كان ترامب قد نعت خلالها المغرب أو المغاربة ببعض النعوت السلبية. لكن إذا ما حللنا سياقات تلك التصريحات، نجدها كانت تستهدف في مجملها هيلاري كلينتون وليس المغرب.

براغماتيا، سيجد ترامب في المغرب دعما في تدبير ملفين، ملف مكافحة الإرهاب بمنطقة شمال إفريقيا والساحل، ثم ملف تعزيز قناعاته المتعلقة بوحدة الدول واحترام الوحدة الوطنية لها.

وهما ملفان سيلقيان تجاوبا إيجابيا كبيرا من طرف الدبلوماسية المغربية. لكن هذا يقتضي مع ذلك جهدا إضافيا للحكومة المغربية الجديدة، التي يلزمها توزيع زاوية نظرها لتشكل الفاعلين البيروقراطيين داخل البيت الأبيض وداخل الخارجية الأمريكية، من أجل شرح وجهات نظر المغرب في عدد من الملفات التي تحظى بدور الولايات المتحدة الأمريكية، وهو نفس الدور الذي يجب أن تقوم به دول الخليج فيما يتعلق بتدبيرها لعلاقاتها مع الولايات المتحدة. وذلك ببناء خطة علاقات عامة تستطيع من خلالها إقناع أعضاء الكونغرس والفاعلين داخل البيت الأبيض والخارجية الأمريكية بمخاطر اختلالات التوازن الإقليمي التي قد تنتج بسبب السياسة الإيرانية العنيفة داخل منطقة الخليج ككل.

وربما كان مناسبا دخول دول الخليج على الخط من أجل إقناع ترامب بضرورة إعادة النظر في التقارب الإيراني الأمريكي على حساب العلاقات التقليدية لواشنطن مع الخليج. خاصة بعد تدبير الملف النووي لصالح إيران بصورة تؤثر دون شك في توازنات القوى الإقليمية بالمنطقة.

ولكن قبل كل هذا، على السعودية- تحديدا- مضاعفة جهودها بفتح قنوات ربط مباشرة مع ترامب من أجل تصحيح الاختلالات التي حصلت في التحالف الخليجي الأمريكي منذ الولاية الثانية لأوباما.

فالفرصة مواتية اليوم إذا تم استغلال نتائج الانتخابات البرلمانية الإيرانية بعد وصول الإصلاحيين والمعتدلين من مؤيدي الرئيس حسن روحاني إلى البرلمان بنسب تخفف من سيطرة المحافظين داخل البرلمان.

وإذا ما ظل ترامب على تعهده في إعادة النظر في الاتفاق النووي الإيراني، سيكون لذلك تأثير في خلق حالة الاضطراب وعدم الانسجام داخل المجتمع السياسي الإيراني، خاصة وأن نتائج الانتخابات التشريعية الإيرانية كانت أشبه ما تكون بالاستفتاء على الاتفاق النووي الذي يحظى برضا أغلبية أعضاء البرلمان اليوم، ذلك أنه من مجموع 80 مرشحاً معارضا للاتفاق النووي، لم يتكلل بالنجاح إلا 12 مرشحا فقط.
لكن هذا يعني أنه بالرغم من أن الانتخابات البرلمانية الإيرانية الأخيرة جاءت منسجمة مع إرادة إعادة دور إيران إلى المنتظم الدولي، فإن موقف الإدارة الأمريكية قد يلعب دور المخل، في انتظار الانتخابات الرئاسية الإيرانية منتصف عام 2017.
وطبعا، لا يقتصر هنا تدخل الولايات المتحدة في الولاية الجمهورية الجديدة مباشرة على إلغاء أو إبطاء الملف النووي، ولكن هناك ملفات أخرى مترابطة مثل ملف اليمن وسوريا وحزب الله، ويمكن من خلالها حد التمدد السريع والتنامي للنفوذ الإيراني.
إن الرهان اليوم ليس هو رفع حدة التوتر، ولكن يكمن في تصفية الأجواء على أساس دفع إيران إلى التراجع عن سياستها الإقليمية الهادفة إلى انتزاع الريادة من السعودية، وإلى تشجيع المد الشيعي، مقابل تطبيع شامل للعلاقات التقليدية. لكن هل هذا ممكن؟ علينا أن ننتظر قليلا حتى تكتمل صورة فريق ترامب.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.