كلفة "البلوكاج".. الحكومة و17 مؤسسة دستورية في غرفة الإنعاش

18/11/2016 - 19:09
كلفة "البلوكاج".. الحكومة و17 مؤسسة دستورية في غرفة الإنعاش

تبدو كلفة البلوكاج الحكومي أكبر مما هو ظاهر، ذلك أن الحكومة ليست وحدها التي توجد في وضعية أزمة، بل هناك 16 مؤسسة دستورية أخرى تعيش وضعا شبيها، سواء كانت مرتبطة بالزمن الحكومي مباشرة، مثل مجلسي النواب والمستشارين، أو غير مرتبطة به، كالمحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، إذ كان مفترضا أن تنصب قبل عام أو عامين أو أكثر.

ويميز حسن طارق، أستاذ العلوم السياسية، بين صنفين من المؤسسات «المعلقة»؛ الصنف الأول يتمثل في مؤسسات أحدثها الدستور لأول مرة، مثل هيئة المناصفة ومكافحة التمييز، والمجلس الاستشاري للمرأة والطفولة، والمجلس الاستشاري للشباب والمجتمع المدني، والمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية.

وهي مؤسسات «قد يكون عاديا ومفهوما تأخر خروجها إلى حيز الوجود، لأنه حدث تأخر في إعداد القوانين الخاصة بها، كما أن الإحداث يتطلب موارد بشرية ومالية مكلفة.

أما الصنف الثاني فيتجلى في مؤسسات كانت موجودة قبل دستور 2011، لكن هذا الأخير غيّر اسمها، وأضاف إليها صلاحيات واختصاصات جديدة، على رأسها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي انتهت مدة انتداب أعضائه في شتنبر 2015، ومجلس المنافسة، الذي يوجد في وضعية غير قانونية منذ 2015، والهيئة الوطنية للوقاية من الرشوة ومحاربتها، التي تعيش بدون قيادة إدارية تماما، ومؤسسة الوسيط، التي انتهت المدة الانتدابية لأعضائها ورئيسها قبل أزيد من عام، وينطبق الوضع نفسه على مؤسسة الاتصال السمعي البصري (الهاكا)، التي صدر القانون المنظم لها، لكنها لاتزال تعيش طبقا للأحكام الانتقالية، إضافة إلى مجلس الأعلى للجالية الذي يعيش الوضعية نفسها.

ويمكن أن ندرج ضمن هذه المؤسسات، التي كانت موجودة وتم تغيير اسمها مع إضافة صلاحيات جديدة، المحكمة الدستورية التي نشر القانون التنظيمي الخاص بها في غشت 2014، والمجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي نشر القانون التنظيمي الخاص به في مارس 2016، واللذين يعيشان طبقا للأحكام الانتقالية في الدستور، رغم أن كلا المؤسستين جرى انتخاب نصف أعضائهما كما هو مبيّن في الدستور.

لكن هناك مؤسسة منسية ولا يتحدث عنها أحد إلا لماما، تتمثل في المجلس الأعلى للأمن الذي ينظمه قانون داخلي، ولم يجتمع لحد الآن.

علاوة على ذلك، هناك مؤسسات مرتبطة بشكل مباشر بالحكومة، إما معلقة، كما هو حال مجلس النواب، أو تعيش وضعية عطالة في انتظار الحكومة، ويتعلق الأمر حاليا بمجلس المستشارين، الذي تم إيقاف كل أشغاله، من جلسات عامة واجتماعات اللجان، منذ تحول الحكومة السابقة إلى حكومة تصريف أعمال.

عبد الحفيظ اليونسي، أستاذ القانون العام، يعتبر أن هذا الوضع «غير السوي» له كلفة عالية على عدة مستويات، أولها أن هناك «تعطيلا لأحكام الدستور الذي جاء استجابة لمطالب شعبية، وكان مفترضا أن يتم الإسراع في تفعيل أحكامه»، وهي كلفة يدفعها المغرب رمزيا «أمام مواطنيه وأمام الخارج من سمعته وصورته، وربما من مصالحه»، رغم أن المغاربة لا يتوفرون على مؤسسات مستقلة ومختصة لقياس هذا النوع من التكاليف، وقياس آثارها على عامل الثقة بين المواطنين ودولتهم، وبين هذه الدولة في علاقاتها بالدول الأخرى.

أما الكلفة الثانية فهي اقتصادية، فتعطيل دور مجلس المنافسة أو هيئة محاربة الرشوة، على سبيل المثال، معناه تعطيل وظيفة مراقبة السوق ومحاربة التلاعب في الأسعار بالنسبة إلى المجلس، ومعناه تعطيل مراقبة المال العام ومكافحة الفساد بالنسبة إلى الهيئة. فإذا كان دور المؤسستين هو «تعزيز الثقة في مناخ الأعمال، ومحاربة الممارسات المنافية لقواعد المنافسة الحرة، ومحاربة الفساد والاحتكار والرشوة، وهو ما يشجع على تدفق الاستثمارات الداخلية والأجنبية»، فإن هذا الرهان الاستراتيجي يعد معطلا الآن، الأمر الذي يفتح الباب أمام التساؤل حول خلفيات ذلك.

محمد رضى، مهندس وخبير في السياسات العمومية، يعتبر أن السبب يكمن في أن صانعي القرار السياسي اعتقدوا أن ولاية حكومة برئاسة حزب العدالة والتنمية مؤقتة، وأنه يجب انتظار انتخابات 7 أكتوبر لانتخاب أغلبية جديدة، يمكن معها تشكيل تلك المؤسسات «على راحتهم».

رضى يعتبر أن «عدم القبول بوضع سياسي معين عقب دستور 2011 أدى، بالتدريج، إلى وضع أسوأ يتمثل في الإنكار المؤسساتي والدستوري».

لكن حسن طارق، أستاذ العلوم السياسية، يعتبر أن دستور 2011 كان وراء «تضخم مؤسساتي غير مسبوق في تاريخ المغرب»، وهذا التضخم في عدد المؤسسات أفرز إشكاليات معقدة تحتاج إلى وقت من أجل حلها، من جهة، لضبط وتنظيم العلاقة بين هذه المؤسسات الدستورية والمؤسسات المنتخبة، أي الحكومة والبرلمان بمجلسيه، ومن جهة ثانية، لتنظيم العلاقات فيما بينها، أي الحدود الممكنة بين مؤسستين حقوقيتين على سبيل المثال، وأين تقف صلاحيات هيئة المناصفة في مجال يتقاطع فيه عملها مع اختصاصات المجلس الوطني لحقوق الإنسان.

لكن طارق يعتبر أن هناك دورا «للتقدير السياسي لصانع القرار الذي ارتأى تأخير تنصيب المؤسسات الدستورية».

شارك المقال