جاك أطالي

21 نوفمبر 2016 - 12:23

في مجلة داخلية تابعة لـ”غوغل”، نشر مارتين أبادي وديفيد جي أندرسون، وهما مشاركان في مشروع البحث حول الذكاء الاصطناعي الذي أطلقته المؤسسة العملاقة في 2011 تحت اسم “عقل غوغل” (google brain)، في 24 أكتوبر الماضي مقالا تحت عنوان مريب: “تعلموا كيف تحمون محادثاتكم ضد تشفير اصطناعي معاد”. يؤكد هذا المقال – الذي أعادت نشره بعض المجلات العلمية الأمريكية، ثم وسائل إعلام أخرى ولكن بطريقة أقل دقة – أن “شبكتين من الخلايا العصبية الاصطناعية” يمكن أن تخلقا شفرات سرية للتواصل فيما بينها، وبالتالي حماية نفسيهما من تدخل أي ذكاء آخر سواء أكان اصطناعيا أو بشريا. بعبارة أكثر دقة، منح مؤلفا المقال لذكائين اصطناعيين، أطلقا عليهما بحنان اسمي “أليس” و”بوب”، وسائل الحوار فيما بينهما دون أن يكون بمقدور ذكاء ثالث أطلق عليه اسم “حواء” (Eve)، الوصول إلى فحوى ما دار بينهما. إذاك طور “أليس” و”بوب”، أمام اندهاش الجميع، أشكالا من التشفير، أي لغات يستحيل تفكيك رموزها حتى على من أنشأهما.
إن الذكاءات الاصطناعية تنفع الناس في أداء مهام تنجزها بطريقة أفضل وسرعة أكبر. ومحاولة فهم كيف تفلح هذه الذكاءات الاصطناعية في ابتكار لغات لنقل رسائل سرية، أمر مفيد أيضا، لأن أي واحد منا قد تكون له مصلحة في خلق لغة خاصة به لا يشاركها سوى مع أولئك الذين يثق فيهم.
ولكن الإحاطة بتلك التقنية يمكن أن يكون مرعبا كذلك. فنحن ندرك منذ زمن طويل أن هذه الذكاءات الاصطناعية يمكن أن تستقل عن الإرادة البشرية.. أن هذه الذكاءات يمكن في الأول أن ترى أن مهمتها وضع حد لسلوكاتنا التي تبدو لها مضرة لنا.. أن هذه الذكاءات يمكنها أن تعتقد أن البشرية تسير صوب حتفها وتقرر أن مصلحة هذه الأخيرة في وقفها عند حدها قبل فوات الأوان. ولكن يمكنها، كذلك، أن تتحرك ضد الإنسانية لتحقيق مصلحتها، خاصة إذا اعتقدت، في نهاية المطاف، أن مصلحتنا تقتضي القضاء عليها: إذاك يمكنها محاربتنا، من باب الدفاع الشرعي عن النفس.
هنا يحدث بطبيعة الحال الأسوأ الذي ينذر به هذا المقال النظري الصرف مبدئيا: إذا ما أفلحت الذكاءات الاصطناعية في ابتكار لغاتها الخاصة بها والتي يستحيل تفكيك رموزها، فهذا يعني نهايتنا. إذ ستتحقق أسوأ الاحتمالات. وستكون البشرية المهووسة ببلوغ الخلود – وقبل أن تحول إلى الآليات خاصة الوعي بالذات حتى تضمن سرمديتها- قد خلقت ذكاءات اصطناعية خالدة قادرة على العمل في السر على تدمير الإنسان.
هل يجب علينا وضع حد لهذا الأمر؟ بلا شك. فللبشرية ما يكفي من متاعب – هي نفسها في مقدمة هذه المشاكل- ولا داعي لابتكار قلاقل إضافية.
بيد أن المؤلفين يعلنان، بلامبالاة، أنهما يسعيان إلى الذهاب بعيدا، وذلك بتلقين تلك الذكاءات الاصطناعية تقنيات تواصلية سرية أخرى مثل الـ”ستغانوغرافي” (إي إخفاء معلومات داخل أخرى دون الحاجة إلى تشفيرها).
من المستعجل جمع مؤتمر كوني كبير يجمع العلماء والحاكمين لاتخاذ قرار بشأن وقف هذه الأبحاث، كما جرى في مجالات أخرى بنسب نحاج متفاوتة (الأسلحة الكيماوية، تعديل الخلايا الجدعية).
مازال بإمكاننا استخلاص أفضل ما في العلم، بشرط عدم تركه يدمرنا.
ترجمة مبارك مرابط عن “ليكسبريس”

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.