ما يحلو تصديقه..

07 ديسمبر 2016 - 10:20

عندما كان جزء من الإعلام الأمريكي يسأل ترامب أيام حملته الانتخابية، كيف سيعيد لأمريكا مجدها مرة أخرى؟ كان ترامب يرد: “سأعيده لها بكل بساطة؟”، “نعم، ولكن كيف ستعيده؟”، يلح الصحافي أو المذيع في السؤال، فيجيب ترامب: “سترى الجواب عندما أعيده لها”. في أحد مؤتمراته، سأله أحد الصحافيين ماذا لو رفض أحد أعضاء حكومتك تنفيذ أوامرك لأنه يراها غير أخلاقية؟ فرد عليه: “لن يرفض.. صدقني لن يرفض”. ثم سأله آخر: “كيف ستجعل المكسيك تدفع ثمن الجدار الحدودي؟”، فرد: “كن متيقنا.. سأجعلهم يدفعون”. لم يفسر كيف، لكن الجماهير صفقت لرد ترامب، كيف تكذب رجلا عنده كل هذه الثقته في نفسه.
في مناسبة أخرى، سأل الكوميدي المصري، باسم يوسف، ضمن حلقة من حلقات برنامج ساخر ماتع يرصد فيه غرائب أمريكا بعيون شرق أوسطية، (سأل) بعض أنصار ترامب قبيل بداية مؤتمر خطابي عن أكثر ما يعجبهم في الملياردير الأشقر؟ فكان الجواب: “يعجبني التزامه بأنه سيعيد لأمريكا مجدها من جديد..”، سألهم باسم يوسف كيف؟ فردت سيدة “لا أعرف كيف تحديدا.. لكني واثقة من ذلك”. ثم فاز ترامب ولا أحد يعرف كيف على وجه التحديد.
قبل فوز ترامب خرجت أمة بأكملها من اتحاد مالي وثقافي واقتصادي ضخم، بعد نجاح خطاب قريب من خطاب ترامب في إقناع الناس بأن البقاء يعني الشقاء. غادرت بريطانيا الاتحاد الأوروبي بعد حملة ضخّمت من أخطار الاستمرار في الحضن الأوروبي، ورأت فيه كساد الأمة البريطانية العظيمة، وسوّقت ذلك بين الجماهير. وإلى الآن، لازالت المملكة لا تعرف كيف تدبر أمر المغادرة تقنيا وعمليا، ومن أين تبدأ فك خيوط التعاقدات والصلات المتشعبة مع الاتحاد بأخف الأضرار وأيسر الطرق.
هذا الواقع السياسي الأمريكي البريطاني على الخصوص، بما طفح به من خطابات اعتمدت على الإشاعة والتخويف والتهويل واختلاق القصص والحلول العجيبة وحبك الأكاذيب، انتهت إلى ما انتهت إليه من نتائج في الأخير، أعادت بقوة لدائرة الاستعمال في الإعلام وعلى شبكات التواصل الاجتماعي في العالم الناطق بالإنجليزية، مصطلحا يجمع شتات تلك المعاني، إلى درجة خصّه معها محررو قاموس أوكسفورد بلقب “مصطلح السنة”، بعدما سجلوا ارتفاعا في استعماله “بين سنتي 2015 و2016 بحوالي ألفين في المائة خاصة في النقاشات ذات الصلة بمغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي وانتخاب دونالد ترامب رئيسا لأمريكا”.
“Post-truth”، هو الفائز بلقب “مصطلح 2016″، الذي يقترب ترجمةَ للمعنى من “ما يحلو تصديقه”، حيث لا يعتمد “ما يحلو تصديقه” بالضرورة على صوابيته أو منطقيته بقدر ما يعتمد على حلاوته اللغوية ورنته العاطفية، دون أن يقيم للوقائع والحجج وزنا، ويعرفه القاموس على أنه “صفة ترتبط أو تحيل على سياقات تكون فيها الوقائع الموضوعية أقل تأثيرا في صناعة الرأي العام من الخطابات التي تتوجه للعاطفة أو للمعتقدات الشخصية”.
في الغرب الصحافة مستاءة كثيرا من دلالات هذا المصطلح وتتحسر على سياسة وسياسيي حقبة “البوست تروث”، وهي حقبة يساهم في صناعة رداءتها الجميع وإن بدرجات متفاوتة، يمين متطرف ويمين ويسار ووسط، الكل يساهم في جعل ما لا يقبله المنطق، ويكذبه الواقع، وينقصه العمق، مما “يحلو تصديقه”.
أخيرا، فكّرت في جرجرة المصطلح للحديث عن سيّاسيينا وفتوحاتهم اللغوية، فبدا لي أن المصطلح الإنجليزي عفيف ظريف لا يفي بالغرض..

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.