التغرير بالأطفال داخل النوادي الكروية.. فضيحة تهز الملاعب البريطانية

10/12/2016 - 16:23
التغرير بالأطفال داخل النوادي الكروية.. فضيحة تهز الملاعب البريطانية

« فعل لي أشياء أتحرج من ذكرها بالتفصيل، لكن عموما الأمر يتعلق بالممارسات الجنسية الأكثر شذوذا التي يمكن أن يتخيلها الإنسان، جرى اغتصابي عشرات وعشرات المرات لمدة ثلاث سنوات ونصف »، هذه شهادة من شهادات لاعبين بالمملكة المتحدة اغتُصبوا وهم صغار على أيدي قناصي مواهب اللعبة الأكثر شعبية في العالم، في فضيحة كروية ثقيلة لا يستبعد البعض أن تميط اللثام عن ممارسة أوسع نطاقا بدول أخرى من المعمور..

تعيش الأوساط الرياضية البريطانية منذ ثلاثة أسابيع على وقع صدمة كبرى بعد إفصاح مجموعة من لاعبي كرة القدم عن أنهم كانوا ضحايا تغرير واعتداءات جنسية من قبل المدربين الذين تولوا تدريبهم وهم أطفال في النوادي الكروية. وبدأت القضية التي تحولت إلى أكبر فضيحة تهز ملاعب بريطانيا بشهادات متفرقة، للاعب، ثم اثنان، ثم ثلاثة، ثم عشرة قرروا الخروج بوجه مكشوف وسرد ما تعرضوا له من ضروب التغرير والاعتداء الجنسي وهم صغار أو في سن المراهقة داخل نواديهم الكروية.

وتقدر بعض المصادر عدد ضحايا تلك الاعتداءات الجنسية اليوم بما بين 450 و900 ضحية، وهو عدد مرشح للارتفاع بما أن عدد الأشخاص الذين يعلنون عن تعرضهم للاعتداء الجنسي في سنوات سابقة يزداد يوما بعد آخر. ورغم أن الفضيحة التي هزت أركان عالم الرياضة في بريطانيا منذ ثلاثة أسابيع فقط لا زالت إلى الآن محصورة في حدود المملكة، فمن غير المستبعد أن تميط اللثام عن ممارسة أوسع نطاقا تخترق نوادي المستديرة في بلدان أخرى.

حلم النجومية يستحيل كابوسا

فعندما يتابع المرء تلك الدموع والنبرات المتألمة والمسحات الحزينة التي غطت أوجه اللاعبين البريطانيين وهم يقررون أخيرا التحدث عن اللمسات الشهوانية والاعتداءات والتحرشات والاغتصاب والخوف والعار، يصعب تقبل أن هذه المآسي تخص الملاعب البريطانية لوحدها. فهي قصص تعيد نفسها. قصص لملايين الأطفال المعجبين بكرة القدم عبر العالم والذين يتعلقون بـ »كبار اللعبة » الذين يفتحون عيونهم الصغيرة على مستقبل واعد « تحت أيديهم ».

رئيس الاتحاد البريطاني لكرة القدم، غريغ كلارك، يصف الفضيحة بـ « أسوء أزمات كرة القدم التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ هذه الرياضة ». وأمر الاتحاد بفتح تحقيق داخلي يبحث الإجراءات التي كان على الاتحاد أخذها أو عدم أخذها خلال السنوات الأخيرة تفاعلا مع إشاعات أو شبهات بهذا الخصوص. لكن يبدو أن هذا التحقيق غير كاف بالنظر إلى أن هذه الانتهاكات التي تم حصرها زمنيا في البدء في سنوات الثمانينات، من المحتمل أن تكون لا زالت ترتكب إلى غاية يومنا هذا.

يوم 16 نونبر الماضي، كان أندي وودورد، البالغ من العمر 43 عاما، واللاعب السابق بأندية عدة، منها على الخصوص بيري وشيفيلد يونايتيد، أول من قرر الحديث. روى لصحافي بجريدة « ذي غارديان » الانتهاكات الجنسية التي من المحتمل أن يكون ارتكبها في حقه باري بينيل، المدرب السابق لفريق « كريو أليكساندرا »، وسنه لا يتعدى الثماني أو التسع سنوات. عندما تفجرت الفضيحة، بدأ الحديث عن طفل راح ضحية اغتصاب ومدرب مجرم. ثم في الأيام الموالية، قرر لاعبان آخران، هما بول ستيوارت وديفيد وايت، فتح كتاب طفولتهما وكيف تحول حلم النجومية الكروية إلى كابوس للرأي العام.

سنوات من التغرير والصمت

وحاليا، بات أزيد من 55 ناديا لكرة قدم الهواة والمحترفين تحت مراقبة لصيقة من أجهزة الأمن عبر البلاد. وأعلنت مجموعة من النوادي الكروية فتح تحقيقات داخلية، فيما أعلنت نواد أخرى مثل « نيوكاسل » و »ساوثامبتون »، « تعاونهما الكامل مع السلطات ». نادي « كوينز بارك رانجرز » قال إنه يأخذ « الاتهامات الموجهة لأحد موظفيه السابقين ببالغ الجدية »، فيما أعرب نادي تشيلسي عن « أسفه العميق » لأنه دفع للاعبه السابق غاري جونسون 59 ألفا و300 أورو مقابل صمته عن الانتهاكات الجنسية التي يتهم إدي هارث، قناص مواهب في سنوات السبعينات، بارتكابها في حقه.

باسكتلندا، تأسف اتحاد كرة القدم لما تعرض له بيتر هاين، لاعب سابق يبلغ حاليا 50 سنة، من انتهاكات جنسية. وصرح هاين أنه كان ضحية اعتداء جنسي من طرف الحكم والمدرب السابق هاغ ستيفنسون لمدة أربع سنوات. وحكى اللاعب، في حديثه لإذاعة « بي بي سي »، كيف أن اللمس الجنسي بدأ يوم عيد ميلاده الثالث عشر سنة 1979، حينما أتى المدرب للمنزل وطلب من أبويه أن يصطحبه معه لمشاهدة مباراة نهائي كأس اسكتلندا بين « كلاسكو رينجرز » و »هيبرنيان ». وأكد هاين أنه لا زال يحتفظ بشريط مباراة النهائي لأنه يؤرخ لليوم الذي تغيرت فيه حياته، حيث عانى لما يتراوح بين ثلاث وأربع سنوات لانتهاكات متكررة على أيدي ستيفنسون. « فعل لي أشياء أتحرج من ذكرها بالتفصيل، لكن عموما الأمر يتعلق بالممارسات الجنسية الأكثر شذوذا التي يمكن أن يتخيلها الإنسان، بما فيها إيلاج لمرات عديدة. جرى اغتصابي عشرات وعشرات المرات لمدة ثلاث سنوات ونصف ».

توفي هاغ ستيفنسون، الذي يتهمه هاين باغتصابه، سنة 2004، دون أن تتم محاكمته لكن يوجد مغتصبون آخرون لا زالوا على قيد الحياة. وتم العثور على باري بينيل، الذي سبق أن أدين ثلاث مرات في تهم تتعلق باغتصاب الأطفال، فاقدا للوعي بأحد المنتزهات البريطانية أياما بعد تصريحات أندي وودورد التي يتهمه فيها باغتصابه. ورفضت الشرطة تأكيد ما إذا كان الأمر يتعلق بمحاولة انتحار أم لا. بالمقابل، اختفى بوب هيغينز (80 عاما)، مدرب فريق الناشئين سابقا بـ »ساوثامبتون »، بعدما بدأت تتضاعف الشهادات التي تتهمه بارتكاب اعتداءات جنسية.

تستر على المغررين؟

والأسوأ في هذه القضية الخطيرة هي أن الشهادات المروية ليست بالجديدة ولا المفاجئة. فلا زال هاري ريدناب، الذي كان مسيرا لفريق ساوثامبتون ما بين 2004 و2005، يتذكر كيف أن بوب هيغينز « كان خلال تلك المرحلة بلا شك الشخص الأكثر كفاءة لتدريب شباب البلاد، لكن كانت هناك حينها شائعات تدور حول سلوكه، لا أعرف صراحة كيف استطاع أن يبقى في كرة القدم لكل هذه المدة ». إضافة إلى الشائعات، سبق لفتى أن اتهم هيغينز في برنامج عرض على شاشة التلفزة. بل سبق لاتحاد كرة القدم أن نشر رسالة يفك فيها الارتباط مع أكاديمية بوب هيغينز التي أسسها المدرب بعد طرده من الفريق سنة 1989. لكن الاتحاد لم يفصح يوما عن سبب فك الارتباط مع الأكاديمية (ليتبين فيما بعد أن السبب هو قضية التغرير بالأطفال).

وفي عام 1997، أرسلت الشرطة والمصالح الاجتماعية رسالة للمدارس وجمعيات الشباب تشير إلى أن بوب هيغينز « يمثل خطرا على الأطفال ». لكن وفي غياب دلائل ملموسة، لم تتم إدانته قط واستمر في العمل في مجال كرة القدم إلى غاية 2012.

جمعية لكسر الصمت

أعلن ثلاثة لاعبين يوم الاثنين الماضي عن تأسيس مؤسسة مستقلة باسم « اوفسايد تراست »، « لإيصال صوت الضحايا والمطالبة بإنصافهم ». وتحدث الناطق الرسمي باسم المؤسسة، المحامي إدورد سميتورست، عن تلقي المؤسسة لمجموعة كبيرة جدا من الاتصالات. وصرح اللاعبون الثلاثة، وهم أندي وودورد وستيف ولترز وكريس أنسورث، أمام عدسات الكاميرات، عن رغبتهم في إعادة الثقة لضحايا التغرير.

وبكلمات مؤثرة، أكد الثلاثة فداحة الانتهاكات التي تعرضوا لها هم وغيرهم، مضيفين « فداحة القضية تتجلى بوضوح في خروج أزيد من 860 شخصا للتظاهر خلال الأيام الماضية. من الواضح أنه تم ارتكاب انتهاكات متكررة خلال سنوات طويلة، وهذه المؤسسة لا تتعلق فقط برياضة كرة القدم، ولكن بكافة الرياضات ». وفي تغريدة على تويتر، أعرب أحد اللاعبين الثلاثة عن حاجته لأخذ استراحة لبعض الأيام، داعيا قبلها الجميع إلى « كسر الصمت واستعادة الكلمة لتغيير المستقبل ».

*عن ليبيراسيون

شارك المقال