الوجه الآخر للحرب على الإرهاب تكشف حالة عبده الحاجي، المواطن المغربي المقيم بفرنسا الذي اتهم باطلا بالإرهاب، الوجه الآخر للحرب التي تقودها فرنسا ضد الإرهابيين. كما تكشف الثغرات العديدة التي تصيب حالة الطوارئ، التي اعتمدها قصر الإليزيه غداة 13 نونبر 2015. فيما يلي حيثيات هذه الحالة.
لم يبقَ من تدخل وحدة التدخل التابعة للدرك الفرنسي سوى بعض الآثار الظاهرة، حيث رممت شقوق بوابة البيت المفجرة بالديناميت، وعُوّضت النافذة الزجاجية. لكن بعض الأمور مازالت تدور في ذهنه في حلقة مفرغة، مثل تفتيش بيته في عز الليل واعتقاله بطريقة عنيفة ووضعه رهن الإقامة الجبرية طيلة ثلاثة شهور، وكذا المهانة التي لحقت به جراء اعتباره إرهابيا محتملا. إذ هو لاعب رماية ومسلم ممارس لشعائر دينه، حيث لم يتضايق من هذه التفاصيل من أجل تجريمه، بل ذهب إلى حد بناء مبررات اعتقاله على هشاشة نفسية جاءت عقب حادثة عمل أودت بحياة أحد زملائه أمام أنظاره قبل بضعة أشهر. لكن الاتهامات سقطت الواحدة تلو الأخرى، حيث ألغت المحكمة الإدارية قرار اعتقاله، ورفعت عنه الدعوى خلال فبراير الماضي. وأصبح ملفه اليوم فارغا، ولم يتبق منه سوى بعض القمصان المزورة التي حاولت المحكمة متابعته من أجلها. ففي يوم 8 دجنبر الجاري، علم عبر البريد أن الدولة أدينت بإصلاح الأضرار التي لحقت به.
« سنقتلك »
بدأ كل شيء يوم 20 نونبر 2015 بسان فاليريان (يون)، هذه البلدة الصغيرة التي يسكنها أقل من 2000 ساكن، والتي تقع على بعد نحو عشرين كيلومترا عن مدينة « سونس ». ويقول أمر التفتيش، الذي وقعه الحاكم جان كريستوف مورو، إن « هناك أسبابا جدية تدعو إلى التفكير بوجود أشخاص أو أسلحة أو أشياء لها علاقة بأنشطة ذات طابع إرهابي ». وعلى الساعة الرابعة والنصف، كانت وحدة التدخل التابعة للدرك قد فجرت الباب. إذ كان عبده الحاجي، البالغ من العمر 31 سنة، المغربي الجنسية، نائما في غرفته. « استيقظت فزعا، ثم خرجت رافعا يدي، حيث ضربني الوكلاء بدرع على رأسي، فاصطدمت بحائط »، يقول هذا الشاب المتخصص في الصناعة الكهروميكانيكية. ثم تابع عبده سرد الواقعة التي امتدت « خمس دقائق بدت لامنتهية »، كلها ضرب وشتائم عنصرية صدرت عن عناصر هذه الوحدة النخبوية: « ما أن أحكم دركي السيطرة علي حتى خنقني وألقى بكامل ثقل جسده على ظهري، فيما وضع آخر أصبعه في عيني، ولم يفتأ آخر يشتمني: « الإرهابي ابن القحبة »، « العربي الوسخ »، « سنقتلك ». وانتهى الأمر بشهادة تقضي بعجز لمدة خمسة أيام وندبة غير ظاهرة في قصبة الأنف.
أثناء التفتيش داخل هذا البيت الذي يتقاسمه مع أفراد أسرته، حجز الدرك على عتاد الرماية، ومنه ثلاثة أسلحة مرخصة: مسدس وبنادق صيد وبندقية شبه أوتوماتيكية عبارة عن نسخة من الكلاشنيكوف. غير أنها جميعها خاضعة للقانون. يقول عبده الحاجي: « في فرنسا، من غير الممكن أن تملك شغف الرماية وأن تكون مسلما ». كما حجز الدرك راية للتوحيد، كتب عليها الركن الأول في الإسلام: « لا إله إلا الله ». وهو رمز مشترك، لكن استولت عليه دعاية تنظيم الدولة الإسلامية. سرت عنه الشائعات بسرعة. يقول متأسفا إن « الناس يقولون إنني أتوفر على راية داعش في بيتي. فقد دُمرت عندما تردد صدى ذلك ». تلقت حياته الاجتماعية ضربة قاسية: « كنت أتبادل أطراف الحديث مع بعض الجيران. الآن، لا يحيونني حتى التحية ». فتدخل القوات يقلص الهدوء الذي يطبع بلدة صغيرة، « الجميع فيها معروفون ». فيتكفل القلق والشائعات بما تبقى. فتضفي المذكرة البيضاء، تلك الوثيقة المجهولة التي تصدرها وزارة الداخلية أحيانا، اللمسة الأخيرة على اللوحة المرسومة بطريقة فجة. ربما كان هذا الكهروميكانيكي « على اتصال بمجرم بلجيكي من أصل مغربي ». أمام المحكمة الإدارية، ستثير الولاية بعد ذلك رابطا « غير مباشر »، لكن دون أن تقدم أبدا المزيد من العناصر. بعد ذلك، أجبر على الإقامة الجبرية، رغم أنه كان بدون سوابق حتى ذلك الوقت، حيث كان على عبده أن يحضر إلى مقر الدرك المحلي ثلاث مرات في اليوم الواحد.
حلّ عبده بفرنسا في سن الثانية، وترعرع بهذه المنطقة. تنشغل والدته بأمور البيت والعائلة، بينما ظل والده يعمل أعمالا موسمية، قبل أن يصبح موظفا في مطعم، ثم عاملا مياوما. إنها « مهنة قذرة »، كما يقول باختصار شديد. أما هو، فقد حصل على شهادة في الدراسات المهنية، وباكالوريا مهنية، ثم شهادة تقني عالي، قبل الالتحاق للعمل بمصنع محلي بعد نهاية دراسته. وقد استثمر في حياة قريته، حيث خلق ناديا لكرة القدم. وأدخله زملاؤه إلى عالم الرماية والقنص. ويعتبر هو المسلم الوحيد داخل ناديّه المسمى « لاباتريوت سينونيز » (إحالة على اسم بلدته). وفي مارس 2015، انفجرت آلة داخل المصنع حيث يعمل. وعندما انقشع الدخان، رأى زميله وصديقه « جان بيير » ميتا منزوع الوجه. كما أصيب ثلاثة عمال آخرين بجروح خطيرة. فيما كان عبده الحاجي، الذي كان قريبا من مكان الانفجار، محظوظا، حيث لم يصب بأي أذى. يقول عن هذا الحادث: « قبل ثانيتين، كنا نضحك جميعا، ثم تحول المكان إلى مشهد حرب ». لم يقوَ على العودة إلى العمل، نظرا لهشاشة نفسيته. وستبني الولاية عملها جزئيا على هذه الاختلالات الطبية. فهذا الشاب يشكل تهديدا انطلاقا من هذا الحادث. بعد أن فقد عبده رفيقه الأساسي في الرماية، سيتصل ببائع الأسلحة، الذي سيشهد لصالحه، بغية إعادة بيع أسلحته التي لم يعد يستعملها. وهو ما تؤوله وزارة الداخلية مسبقا بأنه يعكس إرادة مسبقة لإخفاء مشروع جهادي.
سقوط الدعوى ولكن!
بناء على نصائح شقيقه، اتصل بمحام قصد خوض المعركة القانونية. ففي يناير الماضي، رفع دعوى قضائية تشكك في محاكمته أمام المحكمة الإدارية، لكن رفضتها بدعوى اقتناعها بحجة الولاية. ولم يكن بمقدور عبده الحاجي التنقل من أجل الدفاع عن نفسه، لأنه سيخرق التزام المثول اليومي أمام الدرك. وعشية جلسة الاستئناف أمام مجلس الدولة (أعلى هيأة قضائية إدارية بفرنسا)، رفعت الولاية الأمر القاضي بالإقامة الجبرية، ثم ألغى القاضي الإداري قرار المحاكمة بدوره. وبين هذا وذاك، حاولت المحكمة متابعته بسبب القمصان الراقية الإحدى عشر المحجوزة. ورغم إسقاط الملف، إلا أن الصدمة باقية.
يرى عبده الحاجي أن « الولاية أرادت أن تحقق إنجازا على حسابي لإرضاء وزارة الداخلية ». وقد نجح جان كريستوف مورو، في جميع الحالات، في أن يجعل الجميع يتحدث عن قضيته. ولم يمارس حاكم الولاية حظر التجول داخل المدينة، التي لا يعرف عن شبابها استعداداهم للجهاد، إلا في هذه الحالة. لكن بعد وقت وجيز، دفع تحرك الولاية لجنة برلمانية إلى زيارة المدينة من أجل مراقبة حالة الطوارئ بها. يقول « أريي أليمي »، محامي عبده الحاجي، الذي يعمل على متابعة قضايا مماثلة: « ما حدث يجسد اختلالات حالة الطوارئ: فالمعلومات لا تتقاطع فيما بينها، وهي خاطئة، حيث وضعت الولاية بطريقة تعسفية مسلما موضع إرهابي ». ويضيف قائلا إنه « في هذه الحالة، لا تعترف الولاية بأخطائها أبدا ». وقد أدينت الدولة عبر المحكمة الإدارية بتعويض الضرر الذي لحق بعده الحاجي، وبتغريمها 170 أورو. وهي غرامة تقع في حدودها الدنيا، وتبتعد كل البعد عن تعويض الخسائر الناتجة عن التفتيش والاعتقال، التي تنضاف إليها مصاريف المحامي وقيمة الأسلحة المحتجزة. كما تجري وقائع متابعة جنائية ضد مدير الحريات بوزارة الداخلية، طالما من المستبعد متابعة برنار كازانوف مباشرة. ويبقى أن عبده الحاجي يريد، في آخر المطاف، أن يحصل على الجنسية الفرنسية، وهي خطوة كان قد استهلها قبل إقرار حالة الطوارئ، لكنه لم يتلق أي خبر عنها.
حالة الطوارئ
يستعد البرلمان للتصويت على تمديد حالة الطوارئ للمرة الخامسة، بعد أن طبقها مرسوم رئاسي غداة هجمات 13 نونبر 2015. إذ أيدت لجنة القوانين داخل الجمعية الوطنية (البرلمان) يوم الاثنين الماضي النص الذي تبنته الحكومة في مجلسها الوزاري. وكان من المفروض أن يصوت النواب على قرار التمديد ليلة الثلاثاء/الأربعاء، قبل أن ينظر فيه مجلس الشيوخ خلال الأيام المقبلة. لكن جدول الأعمال تغير بسبب استقالة مانويل فالس من منصبه كوزير أول يوم 6 دجنبر، مما يدفع إلى إمهال التصويت على القرار أسبوعين آخرين.
عن « ليبراسيون » الفرنسية