ما هي أبرز الملفات المطروحة على العلاقات المغربية الموريتانية بعد الانفراج الأخير؟
بصرف النظر عن القضايا الأساسية المطروحة بين الطرفين، وبعيدا عن كتلة الجليد الذي تراكم خلال السنوات الأخيرة، فإن المكالمة المباشرة بين الملك والرئيس الموريتاني، هي المطلب الملح الذي كان ضروريا لإحداث ثقب في هذا الجليد الذي يتضمن كثيرا من الأشياء التي لا أهمية لها، وحسابات ليست بالأهمية الكبرى. المشترك القوي الذي يربط بين البلدين يجعل كل الخيارات الاستراتيجية لتعميق نموذج نوعي للعلاقات مع العمق الإفريقي، تُسائلنا وتتطلب منا أن نجعل أكبر تحدي هو تشريك موريتانيا وتشريك الجزائر، إذ لا يمكن أن ننجح في ما نفعل إلا معهما.
هل التطور الذي حصل في اليومين الماضيين كفيل بتحقيق ذلك؟
المكالمة الهاتفية بين الملك والرئيس يَسّرت كل شيء، وفي العلاقات الدولية ليس هناك كبير وصغير، ولا يمكن استصغار مبادرة البادئ بتكسير الجليد، فالكبير الحقيقي هو الذي يستطيع أن يلتقط في زحمة التراكمات السلبية مؤشرات للبناء المشترك. الأزمة بمعناها العلمي ليست مشكلة، بل هي انعطافة لتحول جديد ويكفي معرفة التقاط الخيوط، والانتصار هو الذي يتحقق لإرادة الشعوب وليس لهذا الطرف أو ذاك. التراكمات السلبية في هذا الملف كانت تخدم أعداء التحول لدى الطرفين، وما حدث هو تحرّر الملك من كل هذه النوايا الجسورة والخائفة والمترددة أو المستهينة بدور موريتانيا في التحول الذي يسعى إليه المغرب.
من هذا المنطق المبادرة الملكية بالاتصال هاتفيا بولد عبدالعزيز هي خطوة موفقة لا تقل أهمية عن مسار الانفتاح على إفريقيا الشرقية والدول التي تعترف بالبوليساريو والعودة إلى الاتحاد الإفريقي. بل يمكنني أن أقول إن أهم ما وقع في هذه السنة هو هذه المكالمة الهاتفية أكثر من قرار العودة إلى الاتحاد الإفريقي، لارتباطها الوثيق بالمجال الحيوي والاستراتيجي لأي بناء مع العمق الإفريقي. بلاغ وزارة الخارجية الموجه إلى موريتانيا كان واضحا في رده على بعض الأطراف الإفريقية التي تشكك في موقف المغرب من حدود الدول، وإذا تجرأنا اليوم لنقول لموريتانيا لا مطامع لنا فيك، أتمنى أن نتوجه بنفس الروح والمسؤولية إلى الجزائر ونقول لها ماذا تريدين؟ كل شيء ممكن بدءا بالحدود وتحقيقا حتى لرغبتها في الوصول إلى المحيط الأطلسي عبر أقل الطرق كلفة.
مازال هذا المطلب الجزائري مطروحا؟
كتاب علي الشامي: « الصحراء الغربية عقدة التجزئة في المغرب العربي »، كان قد كشف بالوثائق كيف أن بومدين عرض سنة 1970 على الحسن الثاني 47 دراسة لنقل الغاز والحديد من الجنوب الجزائري إلى البحر المتوسط أو نواذيبو في الساحل الأطلسي، وضمن العروض والدراسات واحدة تقترح نقل هذه الثروات إلى طرفاية، أي حوالي 500 كلم مقابل أكثر من 1500 كلم في العروض الأخرى، وعوض أن يتفاعل الحسن الثاني اقترح التوجه نحو العيون وهي مازالت تحت الاحتلال الإسباني.
وهل يسمح السياق الإقليمي والدولي الحالي بتحقيق ذلك؟
السياق الدولي المظلم أصبح يهدد دولا وكيانات بأكملها اليوم، وانتفاء القيمة الأخلاقية على منظومة الأمم المتحدة يجب أن يكون أكبر دافع ومحفز للإخوة في الجزائر والمغرب والفضاء المغاربي، ومع العمق الإفريقي لتحرير مقدرات هذه القارة. وأتمنى أن يتم في القريب العاجل برمجة لقاءات مغربية جزائرية في هذا الموضوع، ليس بمعنى التنازل، بل من أجل شعوبنا والمسؤولية كل المسؤولية هي أن نتحرر من بعض المقولات الصغيرة وبعض عمليات الاختطاف والتسييج الموجودة عند كل الأطراف والجدران السميكة، التي تتفنن في بنائها الإرادات الرافضة للبناء المشترك في الرباط وفي الجزائر ونواكشوط وتونس.
هل الدبلوماسية المغربية مستعدة لمثل هذا الخيار؟
المنطق البراغماتي الجديد لدى محمد السادس يجب أن يطرح، أيضا، مع الجزائر من حيث الحدود ونقل ثرواتها إلى المحيط الأطلسي، وهذا التوجه إلى الجزائر يجب ألا يرافق بإحراجها بموضوع الصحراء. علما أن خطوة من هذا القبيل لن تكون ضعفا، بل يجب أن نطرح معها كل الإمكانيات التي تشكل هواجس لديها، وأن نحرص نحن من جانبنا على عدم إحراجها في موضوع الصحراء من أجل البناء المشترك، لأننا عندما سنخلق هذا المركز المغاربي الحقيقي، سنخلق قنوات تحويل النزاع في فضاء مغاربي وإفريقي كبير.
لكن هل هناك عناصر ممهدة لمثل هذا التحوّل؟
محمد السادس اليوم، مؤهل ليستمر في هذا الاتجاه، وله كل التراكمات الإيجابية لذلك، والكبير الحقيقي هو الذي ينصت للشعوب المغاربية، خاصة أن السياق الدولي خطير وسيفرض علينا إما أن نكون جميعا أو لا نكون، وبالتالي يجب أن تصمت وتتراجع الأصوات التي تصطاد في الماء والعكر، فلا معنى اليوم، كما جرى في سياق إطلاق المرحلة الثانية لتسوية وضعية المهاجرين، التي تحولت من خيار استراتيجي قائم على مقاربة حقوقية، إلى حلبة للمزايدات السياسية. هناك معركة حقيقية اليوم، في صناعة القرار في هذا البلد الأمين، بين من يريدون التخندق من أجل استكمال عمليات الاختطاف والحجز، وبين من يريدون التقدم.
*خبير في ملف الصحراء