مصطفى السحيمي : المغرب يعيش تراجعا ديمقراطيا

17/01/2017 - 10:00
مصطفى السحيمي : المغرب يعيش تراجعا ديمقراطيا

على هامش التطورات الجارية في الاحداث السياسية، خاصة منها المرتبطة بمشاورات تشكيل الحكومة، يدور نقاش حول الإشارات والدلالات التي تحملها هذه الاحداث، وتأثيرها على المسار الديمقراطي في المغرب. الخبير مصطفى السحيمي، يرى أن ما جرى في المغرب منذ 7 أكتوبر، تراجع ديمقراطي بالنظر إلى ابتعاده عن مضامين الوثيقة الدستورية، و »عدم رسملته للمكتسبات التي حققها كل من هذا الدستور واقتراع 7 أكتوبر، من خلال التساؤلات المرتبطة بمدى احترام الإرادة الشعبية ». ويخلص السحيمي إلى أن هذه الأحداث تؤثر كثيرا على مصداقية المسار الديمقراطي بالمغرب، « حيث سيتساءل جميع الذين صوتوا يوم 7 أكتوبر، عن الجدوى من مشاركتهم ».

حاوره: يونس مسكين

س: كيف تقرأ التطورات السياسية الأخيرة التي أفضت إلى انتخاب هياكل مجلس النواب قبل تشكيل أغلبية حكومية؟

ج: أعتقد أن ابن كيران ظل يراهن على إعادة تشكيل نفس الأغلبية الحكومية السابقة، أي التحالف مع أحزاب التجمع الوطني للاحرار والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية. وهو وبعد كل التطورات الاخيةر مازال يراهن على هذه الصيغة، مع استعداده للتنازل، على مضض، وتوسيع هذه الأغلبية لتشمل حزب الاتحاد الدستوري الذي شكل فريقا برلمانيا مشتركا مع حزب التجمع الوطني للأحرار. لكن ابن كيران يعترض في الوقت نفسه على التحاق حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بهذه الأغلبية، وذلك لأسباب متعددة منها غموض مواقف الاتحاد خلال المشاورات.

س: هل يمكن التوصل الى اتفاق رغم كل هذه التطورات؟

ج: المثير في كل ما يقع هو أن المشاورات لا تتعلق إلا بنقطة واحدة، وهي مكونات الأغلبية. ألا يتعلق الأمر هنا بمنهجية خاطئة؟ أقصد أنه كان من الأفضل اعتماد مقاربة مختلفة في البحث عن هذه الأغلبية الجديدة، وذلك على أساس برنامج مشترك، أو على الأقل الاتفاق على محاوره الأساسية وأولوياته وبرمجة الإصلاحات وشروط إنجازها. للأسف هذا النقاش الذي ينصب على العمق ويهم الواطنين لم يقع، وتحوّل الأمر إلى تفاوض حول توزيع الغنيمة الانتخابية التي استنكرها الملك في خطاب 6 نونبر الماضي بدكار. نحن أمام توجه « برلماني » في مداه الأقصى وليس في حدوده المتعارف عليها في التجارب الديمقراطية كفرنسا وإسبانيا…

س: ألا يمكن أن نتحدث عن منهجية خاصة بابن كيران في إدارة المفاوضات؟

ج: السؤال هو هل هي الطريقة المثلى لإدارة المفاوضات؟ فهو يحرص بشدة على التواصل مع الرأي العام، بشكل يومي تقريبا، ويعرف لماذا يفعل ذلك، أي بهاجس الحرص على الشفافية لكن أيضا لأخذ الرأي العام كشاهد. هذه الطريقة في التواصل المستمر ترغم المخاطبين الآخرين، مسؤولي الأحزاب السياسية، على الذهاب نحو توضيح مواقفهم. ابن كيران لم يحترم في هذا الأسلوب المتبع في التفاوض، مبدأ السرية المفترض توفره في المفاوضات، ويقوم بتسريب مطالب وتحفظات أخنوش، خاصة بعد لقائهما الذي انعقد في 30 أكتوبر الماضي، وتحديدا موقفه الرافض لمشاركة حزب الاستقلال في الأغلبية المقبلة. كما أن ابن كيران لم يحترم أجل اليومين اللذين طلبهما أخنوش يوم الأربعاء 6 يناير الجاري للرد على عرضه الأخير، وأصدر عشية الخميس بلاغا للأمانة العامة. كما يمكن تسجيل عدد من الوقائع الأخرى في هذا الإطار، مثل البلاغ الرباعي بين أحزاب الأحرار والحركة والاتحاد الدستوري والاتحاد الاشتراكي يوم 10 يناير، والذي عبروا فيه عن رغبتهم في الالتحاق الجماعي بالأغلبية، وبلاغ ابن كيران في اليوم نفسه الذي أعلن نهاية الاتصالات مع الاحرار والحركة. كل هذه المعطيات تؤكد أننا بعيدون عن الممارسة الجيدة في إدارة المفاوضات، والتي يجب أن تكون سرية في جزء منها إلى أن تنتهي بالاتفاق أو عدم الاتفاق. لكن لا بد أيضا من تسجيل حق رئيس الحكومة المعين التفاوض مع كل حزب على حدة عوض مخاطبة تكتل حزبي غير متجانس بالتحاق حزب الاتحاد الاشتراكي.

س: ألا توجد مشكلة في استقلالية القرار الحزبي كشفتها هذه المفاوضات؟

ج: السؤال مطروح، والأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، نبيل بنعبد الله يشير إلى هذه الفكرة مرارا. والأمين العام لحزب الاستقلال حميد شباط صرّح بذلك علنا غداة انتخابات 7 أكتوبر بعد اجتماع انعقد بمقر حزب الاتحاد الاشتراكي مع كل من حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الحركة الشعبية بمبادرة من إلياس العماري الأمين العام لحزب الجرار، بهدف دفعهم إلى عدم الالتحاق باغلبية ابن كيران. لماذا لم تتخذ أحزاب الأحرار والحركة والاتحاد الدستوري والاتحاد الاشتراكي قراراتها بكامل الحرية؟ بأية دائرة ترتبط هذه الأحزاب مجتمعة؟ وما الهدف تمت تلك العودة المفاجئة لأخنوش إلى حزب التجمع الوطني للأحرار وانتخابه رئيسا له؟ أعتقد أن حالة البلوكاج المنظم والمقصود تغذي كثيرا من التساؤلات المرتبطة أساسا بشرعية اقتراع 7 أكتوبر واحترام الإرادة التي عبر عنها الناخبون.

س: تقصد أن شرعية انتخابات 7 أكتوبر باتت محط تساؤل؟

ج: تصويت أكثر من سبعة ملايين ناخب موجود أمامنا، وهو واقع لا يمكن تجاهله. حزب العدالة والتنمية فاز بـ125 مقعد وبأكثر من مليون و600 ألف صوت، أي نصف مليون صوت إضافي مقارنة بانتخابات 2011. البعض كانوا يعتقدون أنه لن يحقق هذه النتيجة، بمن فيهم أنا حيث كنت أعتقد أنه سيواجه تصويتا عقابيا بفعل الحصيلة الحكومية لخمس سنوات. نتيجة الاقتراع كذبت كثيرا من التوقعات.

س: ما الإشكال المطروح مع نتائج هذا الاقتراع إذن؟

ج: نحن في وضعية خاصة جدا، فلأول مرة نجد أنفسنا أمام رئيس حكومة، يوجد أصلا في موقع المسؤولية منذ يناير 2012، ويفرض نفسه من جديد بفضل تصويت المواطنين. هذا الامر يعطيه ولاية مزدوجة من عشر سنوات، أي إلى غاية 2021. حزب العدالة والتنمية هزّ بقوة طبيعة وأبعاد النظام الحزبي القائم في المغرب، والذي اتسم على مدى عقود بثنائية قطبية بين الاحزاب المنحدرة من الحركة الوطنية وتلك التي تنعت بالأحزاب الادارية. حزب العدالة والتنمية يطرح خصوصية أخرى، وهي مرجعيته الاسلامية، أي أنه يتموقع في الحقل الديني على خلاف كل الاحزاب الاخرى. تموقعه هذا يجعله في مجال يشغله الملك أمير المؤمنين صاحب الاختصاص الأسمى لضمان الممارسة الحرة للعبادات. الحقل الانتخابي من جانبه شهد ظهور حزب العدالة والتنمية كمتصدر خلال فترة ست سنوات، متجاوزا كل الاحزاب الاخرى.

س: ماذا يعني كل هذا

ج: يعني أننا بحاجة إلى انتقال، بل إلى تحول لم يفرز بعد كل تأثيراته. كيف يمكن للملكية أن تأخذ بعين لااعتبار كل هذه التغيرات بينما تبرز شرعية جديدة؟ هناك ضبط لابد من القيام به في الممارسات والمنهجيات والفاعلين. وهذا الأمر يتطلب ثقافة ديمقراطية لم تنتشر بالشكل الكافي بعد رغم كل الخطابات من هذا الطرف وذاك. وهو ما يدفع إلى التساؤل حول مدى تكريس المبادئ التي ينص عليها دستور 2011. هل تقدمنا في هذا الطريق ونحن في بداية 2017؟ للأسف، المعطيات الحالية تجعلنا أمام خلاصة مفادها أننا نعيش تراجعا ديمقراطيا. نحن أمام ازدواجية تجمع بين إطار مؤسساتي قابل للمقارنة مع أكبر الديمقراطيات، وبين فاعلين سياسيين مصرين على ممارسات من طبيعة أخرى.

س: كيف يمكن تجاوز هذا التناقض بين النصوص والواقع؟

ج: مهمة القيام بهذا الضبط الضروري تعود إلى الملك، ويتأسس ذلك على مقتضيات الفصل42 من الدستور والذي يمنحه اختصاص ضمان استمرارية الدولة وصفة الحكم الأسمى ومهمة احترام السير العادي للمؤسسات الدستورية. في الظرفية الحالية التي نعيش فيها بلوكاج سياسي دام ثلاثة شهور، جاءت عوامل خارجية لتحقق نوعا من تخفيف الجمود، العامل الأول كان هو الأزمة مع موريتانيا على خلفية تصريحات حميد شباط، والعامل الثاني ينفلت بدوره من الحقل السياسي الداخلي ويتعلق بالاجندة الدبلوماسية وطلب المغرب الانضمام إلى الاتحاد الافريقي، وضرورة المصادقة على مشروع قانون خاص بقانونه التأسيسي من طرف غرفتي البرلمان.

*محلل سياسي وخبير دستوري

شارك المقال