« الخطاب السياسي للحركات الاستقلالية المغربية » هو عنوان الذي أصدره في الآونة الأخيرة الكاتب والباحث محمد البكري. وهو يتكون من جزأين يدرسان بنية الخطاب السياسي ووظيفته وخصائصه اللسانية. عن هذا محتوى هذا العمل الضخم يدور الحوار الآتي:
- أصدرت في الآونة الأخيرة مشروعا ضخما من جزأين، عنوانه « الخطاب السياسي للحركات الاستقلالية المغربية: بنيته ووظيفته في ضوء لسانيات الخطاب ». ما هي الخلفيات المحيطة بنشر هذا العمل؟
في سنة 1975، سجلت أطروحة دبلوم الدراسات العليا مع الأستاذ المرحوم عبد الكبير الخطيبي، بعنوان « معجم الحركة الوطنية المغربية ». وكان الهدف هو ألا أقوم بدراسة لسانية تقنية صرف، وإنما إنزال النظرية اللسانية من برجها إلى أرض الواقع، أي تلك النظرية التي تطلب ودها كل العلوم المعرفية: التاريخ مع مدرسة الحوليات، الأنثروبولوجيا مع ليفي ستروس، التحليل النفسي مع جاك لاكان، الابستيمولوجيا مع ميشيل فوكو… ذلك أن المنهج اللساني مطلوب على نحو كبير، ليس في أوربا فحسب، بل حتى في أمريكا، بسبب الأزمة الحاصلة في العلوم الإنسانية. لكن السؤال المطروح هو: ماذا ستعطينا اللسانيات في تحليل الخطاب السياسي؟
كان السؤال إشكاليا منذ البداية، لأن اللسانيات كانت لا تزال حينها في بداياتها الأولى، وكذلك السيميائيات. ومن هنا، كان من الواجب أن نطرح أسئلتنا الواقعية الخاصة، ونبحثها بواسطة هذه العلوم الجديدة. بعبارة أخرى، طرحت على جيلنا حينها مسألة أن نفهم أنفسنا وتاريخنا، ونواجه تحديات العصر علميا ومعرفيا، وليس فقط سياسيا، وقد كنا في أوج ما يسمى بـ »سنوات الجمر والرصاص ». إذ كانت الأسئلة السياسية والاجتماعية كانت أسئلة حارقة جدا، وتطلبت مواجهتها والإجابة عنها. وكان السياق المغربي والعربي والعالمي يدفعنا في هذا الاتجاه؛ فإما أن تكون واعيا، أو يفوتك التاريخ. من هنا، جاءت ضرورة دراسة الخطاب السياسي السائد في المغرب الحديث، لاسيما عند الحركة الوطنية التي كونت الأطر والقيادات التي حكمت المغرب ما بعد الاستقلال.
هكذا، تطورت الفكرة إلى مشروع ينبني على دراسة خطاب التنظيمات السياسية الوطنية المطالبة بالإصلاح (1930- 1942) أو بالاستقلال (1942- 1956). يفيد الواقع أن السياسة هي الخطاب، وكل ما نفعله سياسيا هو الكلام. وهذا الكلام ليس بريئا، ولا بسيطا، ولا مجردا. بل به نعيش ونحيا ونتطور ونتقدم. فما هي إذا البنيات الأساسية لهذا الخطاب؟ فكتابي هذا، الذي يتكون من جزأين، يبحث في البنية الداخلية لهذا الخطاب، وهو ليس سوى جزء من عمل آخر أنجزته سنة 1993، وهو يدرس الخطاب السياسي ابتداء من 16 ماي 1930، وهو تاريخ الظهير المسمى بـ »الظهير البربري »، باعتباره حدثا أطلق حركة تطالب بالإصلاحات في ظل الحماية، أي نوع من المشاركة في الحياة السياسية وفتح أبوابها أمام المغاربة، الخ. طبعا، درست فيه النصوص التي رافقت « الظهير البربري » ومطالب الشعب المغربي لسنة 1934 والمطالب المستعجلة لسنتي 1936 و1937، ثم الجرائم التي ارتكبتها الحماية سنة 1937 من اعتقالات واغتيالات ونفي، الخ، وأخيرا دخول الجيش الأمريكي إلى السواحل المغربية وعشاء محمد الخامس وتشرتشل وروزفلت، حيث كان محمد الخامس قد سمع إشارة قوية مفادها أن كل شيء حسن، إلا العيش في ظل حماية دولة أخرى.
- يتزامن هذا المشروع مع مشروع آخر للمفكر عبد الله العروي حول الأصول الثقافية والاجتماعية للحركة الوطنية المغربية. بأي طريقة يميز مشروعك نفسه عن عمل العروي؟
*** يدرس عبد الله العروي، بطريقة اجتماعية تاريخية، أصول الحركة الوطنية؛ أي أصول كل أشكال دفاع المغرب عن نفسه، حيث درس بنية المخزن وبنية الدولة وبحث عن أصولها في اللحظة السابقة. أما هذا العمل، فهو دراسة للخطاب السياسي الأحزاب والمنظمات السياسية، باعتباره خطابا يمثل الشعب ويطالب بتطوير الشعب وتمتيعه بالحريات والديمقراطية وتطوير التعليم والاقتصاد. وهو يحاول أن يستخرج بنية هذا الخطاب. سترى أنني درست في الجزء الأول، مثلا، الأسس النظرية والمنهجية لنظرية تحليل الخطاب، وأقدم وصفا دقيقا لظروف إنتاج الخطاب السياسي وملابساته، كما أحلل النصوص التي تضمنت هذا الخطاب. وهذا يعني أنني تتبعت نصوص الخطاب السياسي من سنة 1930 إلى سنة 1956 نصا نصا.
- في هذا السياق، ما هي الخصائص التي تميز خطاب الحركات الاستقلالية المغربية؟
*** من الصعب الإجابة على هذا السؤال بشكل مستفيض في هذا الحوار. أولا، يمكن القول إن هذا الخطاب صادر عن مؤسسات بعينها، إن لم نقل إنها تحتكره وحدها، ويمكن إجمالها في الشمال في حزبين هما: حزب الإصلاح الوطني وحزب الوحدة المغربية، وفي الجنوب في حزب الاستقلال وقبله الحركة الوطنية لتحقيق المطالب من جهة، وحزب الشورى والاستقلال وقبله الحركة القومية من جهة ثانية، وما تفرع عن هذين الحزبين من مؤسسات أخرى كالمقاومة وجيش التحرير. وقد ركز خطابها في مرحلة أولى على الإصلاح وتقديم المطالب التي لم تكن تقدم سوى للسلطان وبالموازاة مع الإقامة العامة أو وزارة الخارجية الفرنسية. فيما ركز في مرحلة ثانية على الاستقلال، لكنه ينقسم هنا إلى قسمين: خطاب يقول أسبقية الاستقلال على الديمقراطية، وآخر يقول بأسبقية الديمقراطية على الاستقلال. بل اكتشفت فكرة لمحمد بن الحسن الوزاني، مفادها أن يكون الاستقلال على الطريقة التالية: أن يجتمع الناس في مناسبة مبايعة الملك، ويعلنون الاستقلال، ويلغون الحماية؛ أي استقلال على الطريقة الأمريكية. في حين، كان المطلب الآخر يفيد بأن يتدخل السلطان لدى فرنسا ويطلب الاستقلال.
ومن أهم الخصائص الأخرى أنه يتوجه، في حالات معينة، إلى كل العالم العربي والإسلامي، وبعض الدول كحلف الأطلسي، وأنه يحاول أن يعالج كل القضايا من تعليم، امرأة، حريات عامة، اقتصاد، الخ. لنلاحظ أنه ما بين سنة 1950 و1955، كانت المسألة المطروحة رسميا هي الاستقلال المتداخل (interdépendance). كما أن هذا الخطاب كان يطرح بعض الأسئلة: ما هو المغرب؟ كيف يتصور المغربي نفسه وهويته؟ ما هي حدود المغرب؟ ما هو نظام الحكم؟
- في نظرك، هل مازال طرق موضوع الخطاب السياسي لمرحلة الاستعمار يكتسي راهنية في المشهد المعرفي الحالي؟
*** تتعلق الراهنية أولا بمستجدات التحليل اللساني والسيميائي للخطاب. من الطبيعي أن أخرج هذا الكتاب، لأنني ظللت اشتغلت على هذا الموضوع، في أربع مجلدات، منذ سنة 1976 إلى اليوم. وقد كان هاجسي هو: كيف يحلل الخطاب موضوعه؟ وهي تتعلق ثانيا بأن هذا الخطاب لا يمكنه أن يكون ويوجد، ما لم يساهم في إنتاج معرفة وعلم ذوي موضوع حارق، وهو موضوع تاريخنا. إذ لا يمكن أن نسير إلى الأمام بدون هذه الدراسة. أعطيك مثلا، فالمسألة التي طرحت حول شباط، تلك المتعلقة بموريتانيا والصحراء، هي مسألة تمثل امتدادا لهذا الواقع السياسي أيام الاستعمار. وحياتي الشخصية موشومة بما يلي: أنني عشت مرحلة من حياتي خلال الحماية، وأنني شاهدت مأساة وادي زم بعيني، وأنني عشت كل الإخفاقات لسنة 1965 وما تلاها من سنوات، وأنني عشت مشكلة الصحراء… أليست هذه المسائل التي عشناها بهذه الكيفية امتدادا لذلك الماضي؟ لذلك، من الضروري أن أساهم في توضيحه. ومع ذلك، سيظل مطروحا على الدوام.