البطة العرجاء

05 فبراير 2017 - 10:00

ماذا لو كانت بطة سليمة تمشي وتجري وتطير؟ ماذا لو لم تكن بطة مقيدة أو عرجاء؟ ماذا كانت ستفعل بالسياسيين وكبار الصناعيين وأصحاب المال والأعمال؟ هكذا يتندر الفرنسيون هذه الأيام بشأن مرشح اليمين القوي، فرانسوا فيون، الذي سقط بين مخالب البطة العرجاء، والمقصود هنا الجريدة الأسبوعية الساخرة le canard enchaîné، التي بعثرت أوراق كل المرشحين للرئاسة الفرنسية، على بعد أقل من ثلاثة أشهر من الانتخابات. المجلة، التي تأسست في 10 شتنبر 1915، وصلت إلى الصفحة السوداء من حياة المرشح الرئاسي فرانسوا فيون، والذي قدم نفسه لجمهور اليمين على أنه أنظف سياسي في فرنسا، وأن يده بيضاء كالحليب. البطة الحرة، رغم قيودها، زلزلت بيت اليمين الفرنسي الذي كان يستعد لتسلم مفاتيح قصر الإليزي، بعدما أعطته كل استطلاعات الرأي تقدما كبيرا على مرشحي اليسار. تحقيق من صفحة واحدة كان كافيا ليذيب 18٪‏ من شعبية فيون، بعدما نشرت المجلة تفاصيل حصول زوجته بينيلوب على أكثر من 800 ألف أورو عن مهام وهمية لم تقم بها إلى جانب زوجها أيام كان برلمانيا، أي أن مادام فيون كانت، ولسنوات، موظفة شبحا في البرلمان الفرنسي، ولم تقم بأي وظيفة تستحق عليها أكثر من 6000 أورو في الشهر من جيوب دافعي الضرائب، غير الاعتناء بأولاد فيون وشؤون بيت العائلة.

ولأن الفضيحة انفجرت في فرنسا، ولأن القضاء له عيون وآذان يرى ويسمع بها ما يدور في الصحافة والإعلام، فإن النيابة العامة قررت فتح تحقيق في النازلة، وزار محققوها مكتب فيون في البرلمان، ولم يعثروا على أي أثر لعمل زوجة المرشح للرئاسة الفرنسية، ولا حتى إيميلات منها إلى عنوان المكتب. لا شيء يدل على أنها كانت تقدم خدمة تستحق عليها أجرة كبيرة. فيون امتنع في البداية عن التعليق حتى يرى إلى أي حد تمتلك البطة العرجاء معلومات وملفات أخرى، ثم بدأ يجرب اللعبة المفضلة عند كل السياسيين، وهي تسييس القضية، واتهام الصحيفة بأنها مسخرة من جهات منافسة لاغتيال المرشح الفرنسي الأوفر حظا، ثم لما لم تنجح الخطة، وبدأ الفرنسيون يتساءلون ما إذا المعلومات التي نشرت صحيحة أم لا؟ أما توظيفها أو مصدرها أو من يقف خلفها أو توقيت نشرها فهذا لا يهم، فخرج فيون وقال إن زوجته كانت تراجع خطبه قبل إلقائها! هنا ضحك منه الجميع، حتى وسط حزبه، وقالوا له: «هل هناك موظف يراجع خطابا أو اثنين في الشهر بـ6000 أورو؟!».

ولأن أول ما يفقده السياسيون هو الذاكرة، فإن فيون نسي أن زوجته بينيلوب سبقت وصرحت لجريدة «الديلي تيليغراف» البريطانية، في 2007، عقب تعيين فرانسوا فيون رئيسا للوزراء، قائلة بالحرف: «لم أكن يوما مساعدة لزوجي، ولم أكن يوما ضمن فريق الاتصال لديه»، وأضافت بينيلوب: «لقد عرفني أبنائي كمربية فقط». وهي تصريحات فسرتها وسائل الإعلام الفرنسية بأنها اعتراف لا لبس فيه، وأن بينيلوب فيون لم تشتغل يوما إلى جانب زوجها.

في اجتماع لقادة الحزب، قال فيون إن هناك من يريد سرقة الرئاسة من الحزب، وإن العملية وراءها اليسار وجهات عليا -يقصد الرئيس فرانسوا هولاند- وإنه يحتاج إلى 15 يوما ليقرر بشأن مصير ترشحه للرئاسة.

لكن كل هذا لم يمنع القضاء من مباشرة عمله، ولم يمنع الصحافة من إكمال التحقيق والنبش في حديقة فيون، الذي لم يكن يتوقع أن يجد البطة العرجاء تنتظره في أول منعطف، وتحت إبطها ملف زوجته التي تقاضت أموالا من جيوب دافعي الضرائب، فيما زوجها يقدم الدروس في نظافة اليد، ويعد الفرنسيين بتطهير السياسة من سلطة المال والإدارة من الامتيازات.

ذكرني كل هذا المسلسل المشوق، الذي لن ينتهي قبل أن ينهي آمال فيون في دخول قصر الإليزي حسب ما أتوقعه، بمسلسل آخر كانت جريدة «أخبار اليوم» طرفا فيه سنة 2013، يوم نشرت فضيحة بريمات مزوار وبنسودة في وزارة المالية بالوثائق والأدلة، فماذا جرى؟ لم يحرك القضاء ساكنا، بل، بالعكس، رفضت النيابة العامة أوامر وزير العدل والحريات، مصطفى الرميد، بالتحقيق في النازلة، وانهالت على رؤوسنا الاتهامات الباطلة بأننا ننشر أوراقا مسربة من الإدارة، وأن هذه الأوراق تعتبر أسرار دولة، ولم يعد السؤال هو: هل تقاضي مزوار، وهو وزير للمالية، 90 ألف درهم شهريا «بريم» من مرؤوسه خازن المملكة، نور الدين بنسودة، قانوني أك لا؟ وإذا كان قانونيا، فلماذا يخفيه عن الأنظار ولا ينشر للعموم؟ وبأي مبرر يأخذ بنسودة «بريم» بـ100 ألف درهم بتوقيع مزوار، يومين بعد توقيع بنسودة لوزيره؟

بعد أسبوعين من الفضيحة، تحركت النيابة العامة، لكن في الاتجاه الخطأ تماما، فجرى استدعاء مهندسين إلى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، ووجهت إليهما تهمة خرق السر المهني وتسريب الوثائق إلى الجريدة، واعتمد المحققون على مكالمات هاتفية بين أحد المهندسين وكاتب هذه السطور، وجرى دفعهما إلى القاضي المسكين، الذي لم يجد بدا من إدانة أحدهما وتبرئة الآخر، لكنه ظل، طوال الجلسات، حائرا بشأن الأساس القانوني الذي سيتابع به الماثلين أمامه، وعن الطريق الذي سلكه هذا الملف حتى جاء بين يديه.

انتهت القصة نهاية سعيدة بالنسبة إلى أصحاب البريمات.. مزوار ترقى وأصبح وزيرا للخارجية والتعاون بعدما دخل الحكومة، وبنسودة بقي في مكتبه، وزادت سلطته على مديرية الخزينة، لأن الإدارة فهت الإشارة من وراء تثبيته، فيما انهالت المطرقة على الجريدة وفوق مدير نشرها، والرسالة واضحة: لا لصحافة التحقيق في هذه البلاد، ولا يمكن للدولة أن تتسامح مع صحافيين يحولون الإعلام إلى سلطة رابعة. هنا في المملكة الشريفة كل البط حر طليق، لكنه يعرف جيدا الخطوط الحمراء، ويعرف أين يحط وأين يبتعد. أيها الصحافي النموذجي، يمكنك أن تكتب عن أعطاب المجتمع لا أعطاب الدولة، يمكنك أن تكتب عن أحوال الطقس وأخبار الجريمة وجديد الرياضة وأعراض زملائك، يمكنك أن تسب بنكيران ليل نهار لأنه منتخب، ولأنه لا يوزع إشهارات «أكوى»، يمكنك أن تكتب عن السياسيين عندما يصيرون خصوما للسلطة، لا عندما ينامون في حجرها، ويأكلون من مائدتها، ويسافرون في طائراتها.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عبد المجيد العماري منذ 4 سنوات

ربما سيكون هناك من لا يتفق معي أو يطالب برأسي،ولكن أقسم بالله العلي العظيم حتى أقول من أراه سببا فيما نعيشه،هل سمعتم يوما عن رئيس دولة يرسل رسالة تعزية إلى معتقل على ذمة التحقيق في قضية فساد.(وعاشت عدالتنا دائما مستقلة)

عبد الوهاب منذ 4 سنوات

لان الشعب 70في المئة امي و 20فى المئة التي تعرف فقط القراءة و الكتابة و لاتفهم و 9 في المئة التي تعي و تفهم مرتزقة و 1في المئة الباقية التي تفهم و تعي لا حول لها و لاقوة امام 99في المئة الحمية من الاغبياء تغلب السبع و لو كان وليا صالحا و هدا ما وقع لبنكيران هو الاسد و لكن اصبح فارا امام حمية الاغبياء.

Chefchawni Issam منذ 4 سنوات

Had moha kaytkhalas bach ikteb hadchi. walakin ila kan yaktbou fabour , rah mkalakh men tiraz rafi3.

مكلوم من بلد المظالم منذ 4 سنوات

بهذه التصرفات الخرقاء يصنعون سوريا جديدة فلم يعد لهم حزب اسلاموي يسكتون به الشعب

Machi Moha منذ 4 سنوات

Pour Mouha.....Ma33333....fhamtini daba !!

مستقبلا منذ 4 سنوات

قريبا على وسائل الاعلام: سيتم تعويض "فيون نسي" بالرئيس السابق "نيكولا ساركوزي"

YouZo منذ 4 سنوات

Merci Si Toufik pour cet article l'affaire de Filion en France c'était très enceint, mais à mon avis il faut l’attaquer par ce qu'elle est une affaire de corruption. et tout ça ce n'est pas le cas au Maroc bien sûr , je suis tout fait d'accord avec vous concernant l’investigation de la presse dans les affaires politiques mais malheureusement nous n'avons pas une presse indépendante et libre. là ou le problème, comment va contribuer à bâtir notre démocratie sans presse libre et indépendante...

bamouloud منذ 4 سنوات

لا دموقراطية مع الاستبداد حديثك عن الاصلاح والانتخابات والمشاركة والحكومة لا معنى له في دولة لا استقلال فيها للقضاء ولا حرية للصحافة ولا محاكمة للمفسدين, نحن في دولة تحتضن الفاسق وتطارد الصالح حتى ياتي الله بأمره

Pureminded منذ 4 سنوات

ya Mouha ghatbqa gheir Mouha ces débats sont tres loin de toi By the way i am amazigh

بن عساس منذ 4 سنوات

ما دام في المغرب أشخاص مثل "موحا إزرفان"، فالمفسدون يستطيعون أن يعيتوا في الأرض فساداً بدون مراقب أو محاسب. لأن هناك محاميا يدافع عنهم ويلهي المجتمع من خلال إشاعات مفتعلة واتهام الصحفيين بأنهم مسخرون لجهات لا يعرفها إلا موحا، وليس له أي دليل على ذلك سوى إشاعات خلقها المفسدون في الأرض والحرث. اللهم الطف بهذا البلد

M.KACEMI منذ 4 سنوات

"يمكنك أن تسب بنكيران ليل نهار لأنه منتخب، ولأنه لا يوزع إشهارات «أكوى»، يمكنك أن تكتب عن السياسيين عندما يصيرون خصوما للسلطة، لا عندما ينامون في حجرها، ويأكلون من مائدتها، ويسافرون في طائراتها." ذلك بالضبط ما أدركه الشاطر رشيد نيني وسار على هديه. فخطه التحريري فيه محدد واحد أوحد: تشويه وتسويد صورة البجيدي وزعيمه. وبعد أن كان جزاؤه السجن أيام تشبته بكرامته، صار جزاؤه ما ورد في المقطع المقتطف من المقال أعلاه. سبحان مبدل الأحوال، من صحيح إلى باطل الأقوال، وهنيئا للفساد بخادمه الجديد

متابع منذ 4 سنوات

صلاح الدين و نور الدين. 2013- 7 أكتوبر 2016. حلل و ناقش.

محمد ناجي منذ 4 سنوات

المغرب دولة ابتلعها الفساد المتغطرس.. والفساد المتغطرس في المغرب سياسة ممنهجة ومرغوب فيها ،، والفاسدون الكبار محميون من طرف الأكبر منهم ،، أما النيابة العامة فما هي في مثل هذه المواقف إلا بمثابة حرس شخصي (Garde-corps) لأولئك المتغطرسين من أصحاب النفوذ، ومن يماثلهم من أصحاب الرشاوى السمينة .. النيابة العامة تملك سلطة الاتهام ، وهي سلطة تجعلها تصنع من المجرم بريئا ومن البريء مذنبا، وتحول الفاسدَ إلى ضحيةِ وشايةٍ كاذبة أو قذف وتشهير ، ومن المبلغ عن الفساد متهما ومتابعا بالفساد أو إفشاء سر الدولة أو الوشاية الكاذبة ، أو بالقذف والتشهير في أخف الحالات.. إنني بصراحة أزداد يوما عن يوم اقتناعا بأن الحكومة المنتهية قد كانت من الغباء ومن البلاهة بحيث أضاعت على المغرب فرصة الإصلاح الحقيقي بدخولها في لعبة مهادنة الفساد ومصالحته؛ فازداد تغولا ، وازداد الشعب تشرذما واختلافا ، وبلغ الفساد القضائي ذروته، حتى أصبح التفاوض مع بعض القضاة الضالعين في الفساد كالتفاوض مع شناق في سوق البهائم ، إما عبر سمسار معلوم ، أو بالوجه المكشوف في الحالات المكتنزة لحما وشحما..

ettahiri2010 منذ 4 سنوات

إن فرنسا بلد ديمقراطي والقضاء فيها فوق الجميع لانه مستقل والقضاة لا يسمعون الا لضميرهم ولا يتقيدون الا بالنصوص القانونية.أما قي المغرب فالامور مختلفة تماما.فالمفسدون يسرقون وينهبون دون خوف لانهم منخرطون في لوبيات قوية توفر لهم الحماية.وهكدا لك نسمع بمساءلة أي مفسد.بل العكس هو الصحيح :فاذا انكشف أمر مفسد كبير لفقت التهمة لاكباش فداء واصبح المفسد بطلا يكافأبالترقية الى منصب أهم.

ياسر المغربي منذ 4 سنوات

مقال رائع كالعادة، استمر ياسيد بوعشرين، مهما طال الليل لا بد من بزوغ الفجر.

bouhali منذ 4 سنوات

Cet article rend service beaucoup plus aux Moufssidines qu'aux gens intègres. ils vont nous rappeler que même en France existent des Mezouar et des Bensouda, mais -comme dit l'autre- au moins là bas, quand ils sont pris ils payent doublement, alors qu'ici non seulement ils sont promus, mais c' est le peuple qui paye à leur place .

moha izerfan منذ 4 سنوات

maguelti walou ya abide petrodollar dyal ikhwan dyal qatar

التالي