لعبة الانتظار القاتلة

06 فبراير 2017 - 17:00

غدا ستكمل المملكة الشهر الرابع بدون حكومة، أي بدون جهاز تنفيذي، وبالتبعية، بدون جهاز تشريعي، والنتيجة المباشرة هي تعطيل عجلة الاقتصاد والاستثمار والتشغيل، وشل المؤسسات الدستورية، والدخول في فراغ سياسي لا تعرف تبعاته.

خرج رئيس الحكومة غير الموجودة، عبد الإله بنكيران، أول أمس، من اجتماع الأمانة العامة لحزبه غاضبا ويائسا، وقال للصحافيين، الذين سألوه عن تطورات المفاوضات لتشكيل الحكومة: «أي مفاوضات؟ ماكاين مع من نتفاوض؟»، في إشارة إلى غياب مخاطب لبنكيران، سواء في الدولة أو الأحزاب.

لا حاجة اليوم إلى الرجوع إلى خلفيات البلوكاج الذي تحول إلى أزمة سياسية عميقة. الجميع بات يعرف السبب الحقيقي لهذا «المسلسل المكسيكي» الذي دخلته مشاورات تشكيل الحكومة، وعلى رأس هذه الأسباب قطع الصِّلة بين نتيجة اقتراع السابع من أكتوبر وتشكيل الحكومة المقبلة، وإرجاع زمام المبادرة إلى أهل الحل والعقد، والباقي كله تفاصيل وجزئيات ومفرقعات وضباب لحجب الرؤية.

حتى لو تشكلت الحكومة اليوم، فإنها ستكون ضعيفة ومفككة، لأن «الطاجين برد»، والناس ملوا من الانتظار، وإرادة التراجع عن مكتسبات الربيع المغربي ظهرت للعيان، وضعف الأحزاب وترهلها باتا أوضح من الشمس في نهار صيفي (الليلة الفضيلة باينة من العصر).

الجميع اليوم في ورطة لا يعرفون كيفية الخروج منها. الدولة، التي دفعت الأحرار والحركة والاتحادين الدستوري والاشتراكي إلى وضع العصا في عجلة بنكيران، لا تريد أن تتخلى عن لشكر وساجد حتى لا تظهر بمظهر الذي خسر الرهان، وبنكيران، الذي يرفض دخول الوردة والحصان إلى الحكومة، لا يرغب في أن يظهر بصورة من تعرض لخدعة كبيرة بعدما منحه المواطنون ثقتهم، وبأنه يجازي لشكر وساجد على الدور القذر الذي لعباه لتعطيل خروج الحكومة.. والنتيجة أن الأطراف جميعها استسلمت للانتظار، كل طرف ينتظر من خصمه أن يستسلم أو أن يتعب، أو أن يرتكب خطأ يبرر تنازله عما يعتبره جوهريا… أما تكلفة الجلوس في قاعة الانتظار هذه فيؤديها المواطنون من جيوبهم ومن استقرارهم، ومن ثقتهم في المسلسل الإصلاحي.

إذا كانت الانتخابات لا تفرز أغلبية تحكم وأقلية تعارض، فما الجدوى من إجرائها أصلا؟ وإذا كانت كلمة الشعب لا وزن لها في ميزان السياسة، فلماذا نستدعي الناخبين ليدلوا بأصواتهم كل خمس سنوات؟ وإذا كان الدستور لا يسعف في إيجاد حلول للأزمات السياسية، فماذا نصنع به؟ وإذا كانت البلاد تستطيع أن تمشي لمدة أربعة أشهر بدون جهاز تنفيذي، فلماذا لا تسير أربع سنوات بدون حكومة، وبدون أحزاب، وبدون مؤسسات، وبدون برلمان، وبدون مظاهر ديمقراطية؟

هل يتصور عاقل اليوم أن هناك بلادا مثل المغرب تحتمل كلفة كل هذا الفراغ السياسي، وكل هذا التدمير للأحزاب السياسية، وكل هذا القصف للدستور، وكل هذا الدمار الذي يطال البناء الديمقراطي الهش، في دولة لا غاز فيها ولا نفط.. دولة تصنفها كبريات مراكز البحث في العالم على أنها ذات نظام هجين، لا هو سلطوي ولا هو ديمقراطي، معلق بين خطاب يسوق وعود الإصلاح، وواقع يتحلل من التزامات البناء الديمقراطي كلما وجد إلى ذلك طريقا.

لقد جرب بنكيران أسلوب التوافق والانحناء للعاصفة، وإعطاء الوقت للوقت، كما كان يردد الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، ولم يبق أمامه إلا أن يجرب علاج الأزمة بالصدمة، وأن يعلن فشله في تشكيل الحكومة لغياب إرادة سياسية لاحترام نتيجة صناديق الاقتراع، وأن يرجع المفاتيح إلى الملك محمد السادس، ويشكره على الثقة التي وضعها فيه ولم يجدها لدى غيره من الفرقاء السياسيين الذين تآمروا عليه وعلى التجربة الديمقراطية الفتية. هكذا يسهم بنكيران في جعل المشهد السياسي أكثر وضوحا، وتعرية غطاء المناورات، ووضع جميع الأطراف أمام مسؤولياتهم، أما لعبة الانتظار هذه، فإنها أصبحت لعبة قاتلة لروح السياسة ولمغزى الإرادة الشعبية.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

sans nom منذ 4 سنوات

بارك علينا من الضحك ...راه خمس سنين دازت كلها ضحك.....تبهلوانيت

مغربي حر منذ 4 سنوات

سوف نرى من سيضحك في الأخير ... و الأيام بيننا

مغربي غيور منذ 4 سنوات

Arrêtons de tourner autour du pot. Le système qui a réussi à faire baisser la pression avec un peu de démocratie veut maintenant retrouver sa vraie nature, antidémocratique.

ندى منذ 4 سنوات

المغرب لن يتغير ولن يكون بلدا ديمقراطيا بل مازال يستلهم من قاموسه التقليدي ابجديات الحكم مؤسسات فارغة غير مجدية ودستور مبهم مصوغ على شاكلة وذوق اللوبي نعم الملك هو الذي يحكم وكل السلطات الاخرى مجرد اكذوبة وماكياج لتغطية حقيقة التحكم ببلادنا البلوكاج مسرحية متقنة لها مخرجون وكتاب سيناريو لسد الابواب في وجه ابن كيران واكمال مشروع الفساد والافساد المافيات هي الاقوى ولن تركع لاصلاحات ابن كيران هذا هو المغرب الحداثي المتناقض

عبد الرحمان مراكش منذ 4 سنوات

للعلاج منهجان :العلاج بالتدرج والعلاج بالصدمة،يبدو ان الأول حسب رؤية الأستاذ بنكيران كان الحل الأفضل، ولكن بعد كل ماجرى ،تجلت الصورة عن ورطة رئيس الحكومة ولم يعد امامه سوى ان يكون رجل المرحلة ويعلن فشله ،مما سيفتح الباب امام المنهج الثاني للعلاج النظام من افة التحكم والمخزنه وذلك بالصدمه فهل سيملك ألأستاذ بنكيران وحزب العدالة والتنمية الذي يمثل اخر املنا في الحياة السياسية ،الشجاعة الكافية لتفجير الورطة في وجه كل التماسيح والعفاريت؟؟؟؟؟؟؟؟

ملاحظ منذ 4 سنوات

هههههههههه ضحكتيني و الله.. شكرا على النكتة...

ahmed rabass منذ 4 سنوات

العدالة والتنمية ليس حزبا له تصور واضح لمعضلات المغرب، لهذا فلا خير يرجى منه لاعادة أمينه العام الى رئاسة الحكومة..أنت تعرف من أين تِؤكل الكتف مع هذا الحزب، لهذا تحبذ أن تتشكل الحكومة برئاسته لتستفيد منه كما استفدت في الولاية المنتهية..

مجيد ن بوشتى منذ 4 سنوات

انتهى الكلام،متى؟عندما قال رئيس الحكومة:الملك هو الذي يحكم أنا فقط أساعد.لاحظوا معي ،قال أساعد ولم يقل أشارك.

مفيد منذ 4 سنوات

لمن يقول على بنكيران ان يضع المفاتيح عند صاحبها وينصرف لحال سبيله اقول وما يدريك لعل هذا ما يتمناه خصومه واعداء المسار الديمقراطي بل ويدفعون به لفعله حتى يخلوا لهم الفضاء ويشكلوها على مقاسهم ومزاجهم ويتخطو بذلك الدستور بدعوى الاستثناء وفقهاء البلاط كثيرون ممن سيجدون لها حلا ومخرجا . ارى ان بنكيران يعلم هذا بل ويلمسه مما جعله يمطط هو الاخر ويتركهم في ضيق من امرهم ولو ان الامر على حساب المغاربة جميعهم سيشهد التاريخ على رداءة بعض الاحزاب ونكوصها عن الديمقراطية وهي التي كان من المفترض ان تهرول في اتجاهها. والله اعلم

M.KACEMI منذ 4 سنوات

ما نتمنى ألا يحدث هو أن يقدم بنكيران مزيدا من التنازلات تجعل تشكيل الحكومة غير مرتبط بصناديق الإقتراع. ففي ذلك وأد للمسار الديمقراطي للبلد، وهذا أخطر ما في الأمر

مقهور منذ 4 سنوات

ان يبقى الوضع هكذا افضل من حكومةتحابي صحاب الشكارة وتنزل على ظهر المواطن المغلوب على امره بالزيادات و القرارات اللاشعبية

سعيد بورجيع منذ 4 سنوات

الإنتظار من جهة رئيس الحكومة المكلف ليس بقاتل لما ليس له فيه يد.. كونه مستعد لتشكيل حكومة لها وزنها السياسي في أي وقت.. بخلاف من يجعل من الإنتظار وسيلة ابتزاز وآلة تدمير الأمل في النفوس التواقة للمارسة الديمقراطية.. ولعل الإنتظار كلما طال هو قاتل لمن اتخذه مسلكا مغرضا

مواطن من العالم الثالث منذ 4 سنوات

اذا استسلم بن كيران لهذا البلوكاج وقبل بدخول حزب لشكر الى الحكومة ، فان حزب العدالة و التنمية، ، سيحترق كما احترق حزب الاتحاد الاشتراكي وسيصبح في نظر الشعب المغربي حزبا بدون أية فاعلية في تحقيق الإصلاح

مواطن من العالم الثالث منذ 4 سنوات

اذا استسلم بن كيران لهذا البلوكاج وقبل دخول لشكر الى الحكومة فان حزب العدالة و التنمية سيحترق كما احترق قبله حزب الاتحاد الاشتراكي . ولن تبق عنده اية فعالية في عملية الإصلاح في نظر الشعب المغربي

اسكاون سعيد منذ 4 سنوات

إذا كان ابن كيران قد تيقين بأن الأبواب قد وصدت في وجهه وأنه كما قال"ماكاين مع من نتفاوض؟" فماذا ينتظر؟ بكل صدق وصراحة ودن أي خطاب عاطفي فابن كيران يتحمل قدرا كبيرا من المسؤولية؛ لأنه بتنازلاته المتكررة، وتوسله لأخنوش الدخول للحكومة رغم كل التصرفات الصادرة منه التي حاول من ورائها إضعاف ابن كيران وتمريغ كرامته السياسية بالتراب. فهذا الحرص لا يفسر سوى على أن ابن كيران حريص على دفئ الكراسي الحكومية أكثر من احترام إرادة الناخبين، وإلا فابن كيران له فرصة كبيرة لرد الامور إلى نصابها بإعلان فشله في تشكيل الحكومة التي تحترم إرادة المواطن، وإرجاع المفاتح إلى جلالة الملك من أجل اتخاذ الازم، وإخراج البلاد من هذه المهزلة. والله لم أعد أعلم أي فائدة لهذه الأحزاب التي لا يهمها سوى تقسيم فوائد وليمة الحكومة، وإلا فبالله عليكم هل سمعتهم ورأيتم وتلمستم أي دور للأحزاب بكل تلاوينها في المعركة التي خاضهما جلالة الملك من أجل العودة إلى الاتحاد الإفريقي.

ahmed منذ 4 سنوات

هل تريد حكومة قبل معرفة الرئيس الفرنسي الجديد ومعرفة سياسة ترامب الحقيقية ومعرفة التوجه الافريقي؟ اما نحن فنحمد الله على غياب الحكومة

عمر منذ 4 سنوات

لم يعد للنجاح معنى كما لم يعد للفشل معنى في موضوع تشكيل الحكومة المغربية...أصبح الامر سيان، وحتى اولئك الذين صبروا لسنين ومنوا النفس باصلاح الشأن السياسي بالمغرب؛ أصيبوا باليأس والاحباط...الفرق بين المشهد الذي وقع في اسبانيا أنهم حين وقعت الازمة كانوا ينتظرون الحل بثقة من ينتظر شيئا يسره..أما حالنا في المغرب: فأيدينا على اكفنا خوفا من المجهول...

مغربي حر منذ 4 سنوات

اللعبة أنكشفت حتى للأطفال الصغار ، بن كيران و أصحابه رجال و نصف و الرجال في المغرب يعرفون من هو حزب العدالة و التنمية ، كنّا نأمل و معنا أبناؤنا أن يتغير المغرب نحو الأفضل و يسود العدل و الديمقراطية ، و لكن هيهات المفسدون و المجرمون و العفاريت و التماسيح لم يموتوا بعد ، كانوا فقط ينتظرون أن تمر العاصفة حتى يخرجون مرة أخرى للعبث بقدر المغاربة ...المسؤولية يتحملها شخص واحد في هاته البلاد و التاريخ لن يرحمه و سنحكي لاطفالنا الصغار كل الحكاية و كيف تلاعب هو و من معه بمصير أطفالنا و مستقبلهم و كيف أنه وضع مصيرهم في كف عفريت

التالي