المدرسة العمومية تحوّلت إلى قنبلة موقوتة وحاضنة لملايين الأطفال المفتقرين إلى الحد الأدنى من المكتسبات المعرفية والعلمية. المدرسة العمومية في المغرب أصبحت خاصة بالفئات الفقيرة من المجتمع، حيث ينحدر 98% من التلاميذ من أسر فقيرة ومتوسطة، مقابل 2% فقط ينحدرون من أسر ميسورة. هذا ما قالته دراسة همّت أكثر من 34 ألف تلميذ وتلميذة، قاسمهم المشترك انتماؤهم إلى السنة الأولى من التعليم الثانوي، أي العاشرة ضمن المسار الدراسي، والأولى في مسيرة الحصول على شهادة البكالوريا. الدراسة ليست من إنتاج جمعية حقوقية أو فعاليات مدنية، بل أشرفت عليها الهيئة الوطنية للتقييم برئاسة خبيرة سوسيولوجية هي رحمة بورقية، وتولى تقديمها شخصيا هذا الأسبوع المستشار الملكي ورئيس المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، عمر عزيمان.
«غيتو» مكتمل الأركان يحتجز أبناء المغاربة، ويسلبهم القدرة على النمو الفكري والذهني الطبيعي. فهذه المدرسة العمومية تستقبل أكثر من ستة ملايين طفل، ربعهم، حسب الدراسة الأخيرة للمجلس الأعلى للتربية والتعليم، يقطنون بأحياء سكنية غير لائقة، وثلثهم من آباء وأمهات أميين، موظفين وفلاحين وتجارا وسائقين وأجراء ومتقاعدين. هذه المدرسة التي فتح مجلس عزيمان نقاش إخضاعها لرسوم جديدة تصب في تمويل الإصلاح المفترض للمنظومة التربوية، يحتاج 17% من تلاميذها إلى منحة للالتحاق بصفوفها.
75% من تلاميذ السنة الأولى ثانوي في المغرب يتجاوز سنّهم العتبة القانونية للوصول إلى هذه المرحلة من الدراسة، أي 15 سنة، وأكثر من ثلثهم كرّر سنة واحدة على الأقل في مساره التعليمي، وثلثهم حُرم من التعليم الأولي العصري. الغالبية العظمى من التلاميذ المغاربة ترغب في الاستفادة من حصص للدعم المدرسي الإضافي (90%)، فيما يخضع 36% منهم بالفعل لهذه الحصص الدراسية المؤدى عنها من جيوب الآباء والأمهات، في مواد علمية بالدرجة الأولى، إضافة إلى اللغات. هذه المواد هي بالضبط ما كشفت الدراسة انهيار مستوى التلاميذ المغاربة فيها، حيث حصلوا على نتائج كارثية في مواد اللغات والرياضيات، وسجّلت العينة المختارة نتائج دون المعدل في هذه المواد، والأغلبية نالت نتائج أقل من 33/100.
وفي الوقت الذي يتحوّل فيه إجراء فرض رسوم جديدة على التعليمين الثانوي والعالي إلى بند في مشروع قانون إطار، بمبرر توفير مصادر جديدة لتمويل المنظومة التعليمية؛ كشف بحث ميداني، أنجزته المندوبية السامية للتخطيط، أن قرابة 65 في المائة من المغاربة يعتبرون أن الكلفة المادية هي العائق الأول أمام تعميم التمدرس. الدراسة كشفت أن 47 في المائة من المغاربة سيختارون التعليم الخصوصي لو أمكنهم ذلك، مقابل 43 في المائة فقط قالوا إنهم سيفضلون التعليم العمومي.
خبير قادم من حقل السوسيولوجيا، هو محمد الناجي، قال إن «تدمير المدرسة المغربية يندرج ضمن قرار سياسي استراتيجي لإغلاق الطريق أمام أي معارضة ذكية، وحرمان البلاد من نخبة حقيقية. الكل يعرف ما يقع في المدرسة، وعزيمان وآخرون يُستعملون في مثل هذه المهام لتحويل الأمر إلى قضية وطنية مثل الصحراء، كما لو كانت قدرا محتوما». وشدّد الناجي على أن الأمر لا يتعلّق بالمرة الأولى التي يخرج فيها مسؤولون رسميون لإعلان انهيار المدرسة المغربية، «هم فقط يتوفرون على ذاكرة قصيرة، وينسون أنهم فعلوا هذا مرات عديدة. وهذه محاولة ليبرئوا أنفسهم من هذه المسؤولية الخطيرة. إنهم هم المسؤولون، وعملية تدمير المدرسة ليست بريئة، بل تندرج في إطار استراتيجية تهميش فئات واسعة، وإفقاد المجتمع نخبة حقيقية، لأنها شرط ظهور معارضة سياسية صلبة. المدرسة، باختصار، رهان سياسي كبير».
فيما يرى خبير آخر، هو عبد السلام الرجواني، أن الأمر يتعلق باختيارات استراتيجية يجب القيام بها، «فالنهوض بالتعليم يتطلب استراتيجية، ومصادر التمويل قد تكون عديدة، مثل سن ضريبة على الشركات المعفية حاليا في الفلاحة والصيد البحري، فليؤدوا 10% فقط من الأرباح عوض 36% المفروضة على الشركات الأخرى». وأضاف الرجواني أن هناك 800 ألف تلميذ يدرسون في التعليم الخصوصي، «وهم يؤدون إلى غاية 4000 درهم شهريا، فلماذا لا نفرض 100 درهم تضامنية على كل تلميذ في القطاع الخصوصي لفائدة المدرسة العمومية؟».