منذ ثلاث سنوات والحكومة البريطانية تدرس طلبا مصريا وخليجيا يقضي بوضع جماعة الإخوان المسلمين على قائمة الإرهاب، باعتبارها جماعة دينية متطرفة خرجت من تحت عباءتها جل الحركات الجهادية، لكن البريطانيين دهاة، وحتى عندما فقدوا إمبراطورية لا تغرب عنها الشمس، فإنهم احتفظوا بالخبرة التاريخية والذكاء السياسي في التعامل مع قضايا العالم العربي والإسلامي ومشاكله الحارقة، لأنهم مروا من هناك وحكموا بلدانا كثيرة، وكانت أيديهم تلعب لعقود طويلة في طنجرة هذه القطعة الجغرافية من العالم، لهذا، عندما ازداد إلحاح الجنرال السيسي وحلفائه في الخليج على حكومة كاميرون، استدعى هذا الأخير سفير بريطانيا السابق في السعودية، جون جينكيز، وكلفه بوضع تقرير عن جماعة حسن البنا، التي تأسست سنة 1928، أي عندما كان الإنجليز هناك في المحروسة…
بدأ السفير يقلب في أوراق وزارة الخارجية البريطانية وفي تقارير المخابرات، ويستمع إلى كل صاحب رأي في جماعة الإخوان المسلمين وفروعها المنتشرة حول العالم، ولما انتهى من وضع التقرير قدمه إلى حكومة بلاده، التي وضعت فوقه خاتم «سري جدا»، ولما ألح البرلمان والإعلام البريطانيان على الحكومة لنشر التقرير أو خلاصته على الأقل، قالت الحكومة البريطانية إنها «لم تعثر على أدلة يمكن بمقتضاها تصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية»، لكن، في الوقت ذاته، أوصى التقرير الجماعة بمواقف «أكثر شفافية» حول صلتها بجمعيات خيرية وأئمة مساجد يروجون التطرف، وهو المأخذ الذي دفع رئيس الحكومة البريطانية حينها، دافيد كاميرون، إلى القول «بحربائية البريطانيين» إن «أي صلة» بهذه الجماعة يمكن أن يكون مؤشرا على تطرف محتمل»، لكن الحكومة رفضت في حينه نشر التقرير كاملا… وفهم الجميع الرسالة… هذا النقاش المهم لم يبق محصورا في دواليب الحكومة، بل انتقل إلى البرلمان، وما أدراك ما البرلمان البريطاني، حيث أعدت لجنة الشؤون الخارجية فيه، بقيادة كريسبين بلانيت، تقريرا وافيا من 29 صفحة، نشر أول أمس في الموقع الرسمي للبرلمان على النيت، يوصي الحكومة بتشجيع حركات الإسلام السياسي في العالم العربي والإسلامي على المشاركة السياسية، والاندماج في بناء ديمقراطيات محلية متطورة. وحذر التقرير من أن الجماعات التي «تتعرض للاضطهاد تشعر بالإقصاء»، وحينما «يشعرون بأن أبواب المشاركة السياسية قد أغلقت في وجوههم، قد يتجهون إلى العنف، إذا لم يتمكنوا من تغيير أوضاعهم بالوسائل السلمية». واعتبرت الحكومة البريطانية في جوابها عن تقرير البرلمان، في أول موقف معلن لحكومة غربية منذ الانقلاب العسكري على محمد مرسي في مصر صيف 2013، أن «أفضل جدار لتفادي التطرف هو دعم العملية الديمقراطية، وضمان أن يكون للأفراد صوت، وما من شك في أن جماعات الإسلام السياسي، بما في ذلك كبار زعمائها، يناط بهم دور في غاية الأهمية لضمان حدوث ذلك سلميا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا».
وأدرج التقرير حزب العدالة والتنمية المغربي وحركة النهضة التونسية ضمن الأحزاب السياسية الإسلامية التي تتبنى «سياسة برغماتية» تعطي الأولوية للسياسات الاجتماعية. وفي الوقت الذي أوصت اللجنة في التقرير الحكومة بضرورة التعامل مع تلك الأحزاب ودعمها، أكدت الحكومة، في ردّها على التقرير، أنها ملتزمة فعلا «بتطوير الحكم الديمقراطي»، وأنها «متفقة مع اللجنة حول أهمية التعامل مع الأحزاب السياسية الإسلامية التي ترفض العنف، والتي تلتزم بالديمقراطية والتسامح مع أتباع الديانات الأخرى والأقليات، وتحترم الاتفاقيات الدولية».
مفيد للساسة وأصحاب القرار عندنا أن يقرؤوا ليس فقط مضمون هذا التقرير، بل كذلك منهجية إعداده، وكيف يساعد البرلمان الحكومة في بلورة سياساتها الخارجية وتوجهاتها الدبلوماسية.
التقرير فيه ثلاث رسائل؛ الأولى إلى الغرب، وتنصحه بتشجيع المسار الديمقراطي في العالم العربي والإسلامي، لأن هذا هو الطريق الوحيد لوقف التطرف والإرهاب الصاعد من هذه المنطقة، والمتدفق على طول مساحة المعمور، في عالم سقطت فيه الحدود وتقلصت فيه الجغرافيا. الرسالة الثانية موجهة إلى الأنظمة العربية، ومفادها أن وسعوا المشاركة السياسية في دولكم، وشيدوا مؤسسات للحكم الرشيد تذوب فيها النزعات المتطرفة، وتجد فيها كل القوى السياسية والاجتماعية نفسها أو بعضا من مطالبها على الأقل، وإن الإقصاء والعنف والاستبداد هي الوقود المثالي للإرهاب. أما ثالث رسالة فهي موجهة إلى قوى الإسلام السياسي، جماعات وأحزابا، أن انسجموا مع العصر وقيمه، وجلها لا يتعارض مع دينكم، واقبلوا التعدد والاختلاف، وآمنوا بالديمقراطية كآلية ومضمون للحكم، وميلوا إلى الاعتدال في الفكر، والبرغماتية في السياسة، وشيء من العلمنة في الإيديولوجيا، والباقي أنتم أعرف به من سواكم.