في سلسلة من الانتصارات الجديدة التي حققها على مدار الأيام الماضية، سيطر الجيش العراقي على معظم أجزاء غرب الموصل، آخر معاقل «داعش» في البلاد. في السابع من مارس، اليوم الذي مثل منعطفا كبيرا في الصراع، سيطرت وحدات الجيش على المركب الرئيس للحكومة في مدينة الموصل، إلى جانب متحف القطع الأثرية الشهير، وما يقترب من نصف المدينة القديمة. أسبوعا قبل ذلك، كان الجيش العراقي قد سيطر على مطار المدينة، كما أن كافة المداخل والمخارج المؤدية إلى الموصل -المدينة التي أعلن أبو بكر البغدادي من داخلها في يونيو 2014 قيام «الخلافة»- صارت تحت سيطرة الحكومة.
في غرفة القيادة المكلفة بالنصف الشرقي للمدينة، الذي تم تحريره في دجنبر، العميد قيس يعقوب مسرور جدا. «إنهم منهارون تماما الآن»، يقول، مضيفا: «حين يقوم الجيش بهجمة تتم بسرعة كبيرة، في غضون أسبوع أو أسبوعين، سينتهي الأمر». ربما يستبق العميد الأمور، لكن ليس كثيرا. تحرير غرب المدينة الذي لم ينطلق إلا الشهر الماضي، صار بسرعة أكبر مما كان متوقعا. رغم ذلك فبقية العراك قد تكون صعبة، داعش متمركزة في الأجزاء القديمة من المدينة، حيث الشوارع ضيقة، ما يعيق تحرك الآليات العسكرية ويضاعف خطر الكمائن والخسائر البشرية.
ويقدر مسؤولون أمريكيون يشتغلون بتنسيق مع الجيش العراقي إن عدد مقاتلي التنظيم الباقين بالمدينة يقدر بـ500 مقاتل، حيث فر باقي جنود التنظيم أو تم قتلهم في غارات جوية. ويتذكر سكان المدينة مجموعة من المباني المنهارة التي كان يستعملها مقاتلو التنظيم كمعاقل. «كان هذا المبنى مركزا تجاريا قبل أن يسيطر عليه التنظيم»، يقول معمر يونس، أستاذ اللغة الإنجليزية، مضيفا: «ثم دمرته طائرات التحالف». ويرى هذا الموصلي أن تحرير المدينة لم يكن ليتم بطريقة أخرى (غير الغارات الجوية).
غير أن إخراج «داعش» من المدينة يبقى الجزء الأسهل من المعادلة. فرؤية ما وقع في شرق الموصل يشير إلى أن إعادة إعمار غرب المدينة سيتطلب كثيرا من الوقت. ثلاثة أشهر بعد تحريرهم، لايزال سكان شرق الموصل بلا ماء صالح للشرب، ومصدر الكهرباء الوحيد يأتي من مولدات كهرباء خاصة.
«لدينا الأمن الآن، لكننا نعيش بلا خدمات أساسية»، يقول محمد أحمد، الصيدلاني، مضيفا بنبرة تذمر «لا حكومة هنا». حاكم الإقليم يعيش في أربيل، على مسافة ساعات من المدينة. لا علامة على وجود وكالات دولية في المدينة المستعادة، باستثناء بعض المصحات والحقائب المدرسية الفارغة التي منحتها يونيسيف للتلاميذ. فشلت الحكومة المركزية في مد المدينة بإدارة مدنية، تاركة إياها إما بين يدي الجيش، المشغول بمهامه، أو الحكومة المحلية، العاجزة عن الاشتغال.
الكثير يرى أن انعدام الأمن هو سبب هذا الشلل، لكن الأمر مبالغ فيه. فرغم أن أصوات الرصاص والأسلحة النارية مازالت تسمع من جهة نهر دجلة، فإن شرق الموصل يبدو آمنا إلى حد معقول. تم ترك الميليشيات الشيعية خارج المدينة لتفادي الاقتتال الطائفي، مثلها في ذلك مثل مقاتلي البشمركة الأكراد. كما لا يطبق أي حظر للتجوال، حيث يتكفل رجال الأمن بحراسة الشوارع، ويحاولون البقاء يقظين من أي بروز «لخلايا نائمة» موالية للتنظيم.
كما أن المدارس فتحت أبوابها من جديد، وهو ما أسعد الآباء الذين توقفوا عن إرسال أبنائهم إلى المدارس بعد سيطرة داعش على المدينة مخافة أن يجري غسل أدمغتهم الصغيرة من طرف المتطرفين. بعض المتاجر والمطاعم فتحت أبوابها أيضا، لكن حركة التجارة مازالت بطيئة. الاقتصاد العراقي تسيطر عليه الدولة، وأغلب السكان الذين يتوفرون على مناصب قارة يعملون مع الحكومة. ومن المثير هنا أن الحكومة استمرت في صرف أجور موظفيها لحوالي سنة بعد سيطرة «داعش» على المدينة، ولم يتوصل الموظفون بأجورهم لحوالي سنة أخرى. في المقابل، لم تعرف المعاشات أي انقطاع في صرفها، ما جعل الأسر تعول عليها في تدبير حاجياتها إلى جانب الاستدانة.
باستعادة الموصل، ستكون هزيمة «داعش» في العراق كاملة. بلا شك سيلجأ من تبقى حيا من مقاتليها إلى خطة التفجيرات والهجمات الانتحارية. ولفترة من الزمن، سيواصل التنظيم وجوده في سوريا. لكن هناك أيضا بدأ يُحاصر ويتقلص نفوذه في «عاصمته» الرقة.
أما الموصل فستواجه، على المدى البعيد، مشاكل كبرى. كثير من سكانها، بلا شك، تعاون مع الغزاة (داعش)، ما سيعني أن المدينة معرضة لموجة من تصفية حسابات. السُنّة سيحرصون على أن يتم منحهم حصتهم كاملة من السلطة بالمدينة وإقليم نينوى المجاور لها، رغم أن الجيش الذي حرر المدينة غالبيته شيعة. الأكراد سيطالبون بدورهم بمكافأة مقابل مشاركتهم في هزيمة التنظيم. وأكثر أجزاء المدينة ستحتاج إلى إعادة الإعمار. إعادة مد المدينة بالكهرباء والماء الصالح للشرب مع اقتراب فصل الصيف القائظ في البلد، ستمثل بداية جيدة لحل أزمات المدينة.
عن «ذي إيكونوميست»/ترجمة « اليوم 24 »