سواء نجح سعد الدين العثماني في مهمته واستقر على رأس الحكومة للخمس سنوات المقبلة، أو تكاثفت المفاجآت السياسية لتأتي بأحد غيره، فأكبر ضحية لقرار الإعفاء هو الخطاب الحكومي الذي تحرر من لغة الخشب على عهد بنكيران بعدما استطاع الرجل كسر رتابة الحديث الرسمي « السعيد » و »الهادئ » حد الملل.
فلم تمر إلا ساعات قليلة عن إعفاء بنكيران من رئاسة الحكومة حتى خرجت تحليلات وآراء وما يقترب من تسريبات تفيد بأن لسان بنكيران، المتفلت من قيود الحديث الرسمي « الرزين » و »البالغ في التحفظ »، ربما كان من الأسباب التي جيشت المشاعر ضده. وفي هذا التحليل غير المستعبد، إشارة صريحة إلى السلوك اللساني والخطابي المطلوب من خَلَفه: كثير من الكلام الوديع والمنمق والمقعر، مقابل جدار صمت على بئر السياسة الكريه.
فربما يكون بنكيران قد نجح طيلة مشواره الحكومي، بل وإلى آخر تعليق له على قرار إعفائه، الذي لم يخلو من « معنى »، قد كسر بقوة واحدا من ثوابت المغرب الرسمي المتصل ب »التحفظ في الكلام » (la retenue)، حتى وإن لم يعني هذا التحفظ في الأخير سوى الهروب من مصارحة الناس بما يدور في كواليس السياسة والإغراق في الكلام الرتيب والممل، المليء بالأرقام والإنجازات البلاغية الفارغة.
خطابات بنكيران القوية والمباشرة خاصة من على منصة البرلمان كانت تمثل عرضا سياسيا قل نظيره في البلاد، بشهادة قياسات لنسب المشاهدة كانت قد أثبتت أن عروض رئيس الحكومة الخطابية تلاقي إقبالا واسعا. لكنها لم تكن خطابات مجانية، بل جلبت تعاطفا مهما للحزب، وأعادت السياسة إلى ساحة النقاش العمومي، (الواقعي والافتراضي)، وعكست جزءا من الواقع السياسي المستور للبلاد.
فمثلا، سيظل لفظ « التحكم » الذي وظفه بقوة بنكيران من أقوى الأمثلة على الأثر السياسي لخطاباته، حيث لم يكن يتورع في إخراج الثنائية القائمة في عمق النظام، بين التحكم والحكومة، أو التسلط والاختيار الديمقراطي، إلى دائرة الضوء، مؤكدا بذلك استمرار فاعليتها في المشهد وبشهادة رئيس الحكومة ذاته. فهل تعود الألسن إلى عقالها بعد بنكيران؟