نظام يخاف الشعب وشعب يخاف الفوضى

14 أبريل 2017 - 17:00

صديقي مغربي مقيم في كندا منذ سنوات طويلة، تزوج هناك وحصل على الجنسية هناك، وأبناؤه تجري في عروقهم دماء مختلطة، لكن اهتمامه بأحوال بلده لم ينقطع، وأسئلته عن ألغاز السياسة فيه لا تتوقف. كلمني يوم أمس من بلاد الثلوج يسأل عما يجري في المغرب، وقد لاحظ أن عالم الفايسبوك المغربي يكاد ينفجر بالتدوينات الغاضبة من ولادة حكومة العثماني، فجرى هذا الحوار الذي يعكس نوع متابعة شريحة معينة من المغاربة لما يجري في بلدهم.

سألني باستغراب: «لماذا أقيل بنكيران من منصبه مع أنه فاز في الانتخابات الأخيرة، ومازالت شعبيته كبيرة، والبلاد محتاجة إلى رموز مثله لإنجاح إصلاحات صعبة تحتاج إليها البلاد؟».

قلت له: «بنكيران صرف من الخدمة بسبب ما تقوله، وليس لسبب آخر. حياتنا السياسية لا تحتمل وجود زعماء ورموز، ومنذ 18 سنة لم يحصل أي وزير أول أو أي رئيس حكومة على ولاية ثانية، سواء نجح أم أخفق. هناك دستور غير مكتوب يخصص ولاية واحدة لكل رئيس حكومة، حتى ولو فاز في الانتخابات. جرى هذا مع اليوسفي، حين صرف من الخدمة سنة 2002 رغم أنه حصل على المرتبة الأولى في الانتخابات، وجرى الآن مع بنكيران الذي استبدل برئيس حكومة من حزبه لأن الدستور الجديد قيد اختيار الملك لرئيس الحكومة».

رجع الصديق للسؤال مرة أخرى: «لكن، لماذا قبل حزب العدالة والتنمية بهذا القرار؟ كان باستطاعته أن يعتذر إلى الملك بلباقة، ويقول: ‘‘أنا غير معني برئاسة الحكومة إذا كانت ستخرج من يد الزعيم إلى شخص آخر’’. ألم يقتربوا من موقف مثل هذا سنة 2011 عندنا بدأت تتردد أخبار عن احتمال تعيين شخص آخر غير بنكيران في رئاسة الحكومة؟».

«بلا، ما تقوله صحيح. لقد أصدرت الأمانة العامة للمصباح سنة 2011، مباشرة بعد ظهور نتائج الاقتراع، بلاغا تقول فيه إنها ستجمع المجلس الوطني (برلمان الحزب) في حال وقع اختيار الملك على شخص غير الأمين العام للحزب لقيادة الحكومة، وفهم الجميع الرسالة، لكن، هذه المرة الأمور اختلفت. جزء من نخب حزب العدالة والتنمية غلب مصلحة الحزب على مصلحة الوطن، وغلب سلامة الأفراد على سلامة التجربة الديمقراطية. لقد كان باستطاعتهم أن ينزلوا إلى المعارضة، وأن يقوموا بعمل جريء ومهم يخدم المسار الديمقراطي، لكن بعضهم ذاق نعيم الكرسي ولم يعد قادرا على فراقه، وبعضهم ركبه الخوف، وأصبح يتصور أن السياسة لا تُمارس إلا بعقد تأمين من كل المخاطر Assurance tous risques.

رجع صديقي المغربي الكندي للسؤال: «وكيف قبل العثماني على نفسه هذا الدور؟»، قلت: «لا أدري ما هو تفسير الطبيب النفسي لهذا الأمر. هو إلى الآن يتجنب وسائل الإعلام، ويتجنب مواجهة زملائه في الحزب عن السبب وراء إذعانه لشروط أخنوش ومن يقف خلف أخنوش، لكنه سيجد مع وزرائه عشرات المبررات لتفسير رئاسته أغلبية ممنوحة ومفصولة عن نتائج الاقتراع، وجاءت لتلعب دورا واحدا هو التوقيع الرسمي على إغلاق القوس الذي فتح قبل خمس سنوات. لن يعدموا المبررات، فهناك ذلك المبرر المضحك الذي اخترعه الاتحاديون لدخول حكومة جطو، وأقصد ‘‘استكمال الأوراش المفتوحة’’، وهناك مبررات أخرى مثل ‘‘المهم هو المشاركة’’، ومادامت رئاسة الحكومة في ضيافة المصباح فكل شيء يهون، فمن الأفضل أن يبقى الحزب جالسا عند باب الحكم عِوَض أن يتيه في صحراء المعارضة. ففي النهاية، أصوات الشعب في ثقافة نخب «المشاركة غير المشروطة»، من اليمين واليسار، للاستئناس فقط، أما المعول عليه عندما يجد الجد فهو سند السلطة!

رجع صديقي يسأل: «وما هي انعكاسات كل هذا على وحدة حزب المصباح؟». أجبت: «اليوم طنجرة الحزب تغلي، وجل قاعدة المصباح يشعر بالإهانة، وبنكيران أعلن أنه لن يستسلم لقدر السلطة، وأنه خسر جولة ومازالت أمامه معركة، وهو قدم استقالته من البرلمان لأنه لا يرى نفسه في مقعد صغير في برلمان لا يقدم ولا يؤخر إلا نادرا… بنكيران باستقالته يريد أن يتصرف كزعيم سياسي وليس كنائب برلماني. الحزب اليوم يدير وضعا صعبا ومعقدا للغاية، حيث زعيمه شبه معارض، ورئيس الحكومة المحسوب عليه مدان بتهمة ‘‘الانبطاح’’، فكيف سيسير سويا حزب هذا وضعه؟».

توقف صديقي عن طرح الأسئلة، ومر إلى وضع خلاصة لهذا المشهد السياسي، فقال: «يا صديقي، كلما تقدم المغرب خطوة إلى الأمام رجع خطوتين إلى الوراء. إن نظامه خائف من الشعب، والشعب خائف من الفوضى، وكلاهما يعرف حقيقة الآخر، لكن ما لا يعرفه الاثنان أن العصر قطار سريع لا ينتظر أحدا».

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الهدهد منذ 5 سنوات

ذنب بن كيران انه اقترب من الشعب بشكل مدهش و هذا ما ازعج المخزن السياسي و الاقتصادي فاوكلا الامر للمخزن المخابراتي ليقوم بالمهمة. المخزن يريد ان يستفرد بالشعب و يرفض اي زعامة كواسطة

HINDI منذ 5 سنوات

لبنكيران٠٠٠اما المخزن فمعه المغلوبون والمقهورون ممن مشو في مسيرة البيضاء واطفال المدارس

Salam منذ 5 سنوات

خلاصة رائعة سيد توفيق بوعشرين وأجمل جملة في المقال هي "بنكيران صرف من الخدمة بسبب ما تقوله، وليس لسبب آخر"

إدريسي محمد منذ 5 سنوات

كلما قرأت عن الديموقراطية التي تدار في المغرب إلا تعبت هاد الشي كلو( تخربيق في تخربيق )

مجنون منذ 5 سنوات

يا اخواني بلاد المغرب خاصة و العرب عامة ؛ اخدهاالعلم ... وسيسترجعها العلم ... اين العلاماء ...؟

محمد أمين منذ 5 سنوات

هاد بنكيران عطيتوه حجم أكبر من الحجم اللي يستحق. بنكيران شخص منبطح لم يستطيع تنزيل مقتضيات الدستور .ولم يقم بأدنى إصلاح لا مقارنة بينه و بين الرموز كعبدالله ابراهيم و عمربن جلون وبنسعيد والقائمة طويلة .بنكيران نكرة و حزبه ممخزن أكثر من المخزن

ابو اشرف منذ 5 سنوات

لا يمكن ان نلوم العثماني على لعب دور الكومبارس في هذه الحكومة لانه في الحقيقة ورث كرسيا اصبحت ركائزه لينة بفعل التنازلات الكثيرة التي قام بها سلفه بن كيران ولم يعد بمقدوره الصمود امام سطوة المخزن الذي عادت اليه ثقته بنفسه في ظل الهجوم المعاكس للقوى المضادة في مختلف الدول التي قامت فيها الثورات .فلو احسن بنكيران استثمار الثقة التي وضعها فيه الشعب وسخر الصلاحيات التي منحها اليه الدستور الجديد في كسب المزيد من التنازلات بدل سياسة الانبطاح وهدر ما جلبه الشعب بحناجره ودماءه لاورث رئيس الحكومة الجديد سواء من العدالة والتنمية او اي حزب اخر كرسيا ذا قوائم صلبة في مواجهة المخزن .ان حال العثماني اليوم هو حال ذلك الثور الذي قال وهو بين براثن الاسد لقد اكلت يوم اكل الثور الاسود

بلحسن منذ 5 سنوات

لنتصور لحضة ان نضام الانتخابات تغير و ان الإدلاء بصوته أمر إجباري على كل مواطن...اولا المال الحرام في الانتخابات يكون في محنة كبرى الله ما ان كانت أغلبية المغاربة ممكن اغراءها بالمال. وان كان كذلك يلزم أي مغري صرف ما لا في استطاعته من الثروة. ثانيا فرز الأصوات يكون دالة أكبر على مدى زعامة حزب دون الآخرين خصوصا مقاربة مع حزب الورقة البيضاء....ذالك الحين ممكن إفراز قياديين و زعماء.....كل هذا الكلام من أجل توسيع صميم المقال و التساؤل أيضا ان كان المغاربة يخشون الأحزاب و الأحزاب يخشون كذالك الشعب.

Yassine منذ 5 سنوات

اعطني وزيرا واحدا في البجد يستطيع ان يسير وزارة الاقتصاد او الاستثمار او الفلاحة.. نتائج الانتخابات لا تعطيك الحق باش تخرج على البلاد ودير من هب ودب في وزارات ومناصب جد مهمة. راه غي اللي مابغاش يفهم ، العدالة والتنمية فيهوم غي الهدرة عليها الناس صووتو عليهم ولكن شي كفاء ات ماكاينش

منير الفاسي منذ 5 سنوات

بالعكس كانت جل قرارات بنكيران في الصميم فعل ماكان عليه فعله انسان صادق في بلد ملئ بالكذب و البهتان و سرقة ثروات البلاد

يحيا الوجدي منذ 5 سنوات

كلام الأخ كن كندا كله في الصميم و المغرب يحتاج إلى كل تفاعل الأحزاب السياسية لمواجهة التحكم . للاسف الشديد جميع الأحزاب رهينة التحكم و كل الأحزاب تحب التحكم و تحب أوامر الهاتف . فكيف للمغرب أن يتقدم بهذه الوجوه السياسية التي تضرب إرادة الشعب و تتحالف مع الخاسرين لإسقاط الفائزين !!!

مصطفى منذ 5 سنوات

العباد والبلاد والاولاد,والاصلاح والنجاح والفلاح ,والتقدم والديموقراطية , والوحدة والقوة, وغيرها ,جميعها ,تحتاج لزعيم واحد هو الملك , القائد الاعلى للقوات المسلحة بمختلف اصنافها , وامارة المؤمنين...ومهامه واختصاصاته في الدستور وفي غير الدستور , شاملة للشؤون التشريعية والتنفيذية والقضائية ولشؤون السيادة الداخلية والخارجية للوطن بارضه وسمائه وبحره وشعبه...ولكي يصير النظام شرعيا ومشروعا , لابد من ثقة متبادلة وخالية من الخوف بين الشعب و النظام فلماذا تريدون زعيما ثانيا؟ قيام زعيم ثاني يعطي "الحق" للنظام من الخوف , الخوف من الفوضى, اما الشعب هو السيد الذي لا يعرف الخوف , ويتحرك بشجاعة عندما تتوافر شروط الحراك

محمد منذ 5 سنوات

اذا عم الفساد فأولى مراحل الإصلاح هي الفوضى (ابن خلدون)

Abdou منذ 5 سنوات

ماذا لو طلبت جهة الحسيمة تقرير المصير كما يعرض على الأقاليم الصحراوية ماذا او كل مغربي أغلق حسابه البنكي ماذا لو تخلت الشبيبية عن تلويناتها السياسية واندمجت في حزب جديد الجواب يبقى هذا دربا من الخيال لأننا نحب وطننا فهل يستفيق الحاكم ويبادلنا نفس الحب

جلول منذ 5 سنوات

السيد وجدي ، باختصار شديد لو نظرت ابعد من أرنبة انفك ، وفي خير حال لو نظرت الي زيادة اهتمام المواطنين بالسياسة , وارتفاع وعيهم بها وتصالحهم مع الاستحقاقات الانتخابية و المحطات الحاسمة الوطنية ، أقول لو فحصت كل ذلك لوجدت و أيقنت ان وراءه ذلك الرمز الوطني بكريزميته النادرة ، وتأكدت ان محاولة ابعاده عن المشهد ووأد امال المغاربة في إصلاحاته المنتظرة والمؤكدة ، بعد ان مهد لها بما اعتبره الخبز يون ضرباً لقدرتهم المعيشية ، ما كان ليرضي الماسكين بتلابيب الريع لعقود، فماذا نابك منهم ؟ ان لم تكن مِنْهُم ، حتي تري في الشخص النظيف ، الغيور علي المستضعفين المهمشين ، شخصاً فشل في وقت رأي كل ذي عينين ، انه ضحية مؤامرة وتواطئ رخيص خطط له في ليل بهيم

مواطن منذ 5 سنوات

في نظرك اذا أجري استطلاع رأي نزيه ومهني حول شعبية المخزن وشعبية بنكيران. لمن ستكون الغلبة.؟

الحسن زايد منذ 5 سنوات

أنتم رسبتم في امتحان ٧ أكتوبر، فما عليكم إلا أن تراجعوا كراريسكم في انتظار الدورة المقبلة. أما انقلاب القصر على إرادة الشعب، فهذا سيحسم فيه الشعب إذا توفرت له الإرادة.

Kamal منذ 5 سنوات

أحسنت كالعادة

علال منذ 5 سنوات

لا بد من حد ادنى من الدقة والموضوعية والا فالامر يتحول الى دعاية فاشلة اين هو الشعب الذي تتحدت عنه كم الفا منه سيتظاهرون مثلا لو سجن واحد من هؤلاء الذين نريدهم ان يتحولوا الى ابطال. التاريخ شاهد صادق اما حكاية الزعيم صديقك فنكتة سخيفة فهل مجرد الاعتراض على الاتحاد يعد بطولة هذه نخبنا تشبهنا وتعبر عنا ومن يكرهها عليه ان يكره نفسه اولا واخيرا

ياسر سلمان منذ 5 سنوات

خلاصة مقتضبة و شاملة

Moulay منذ 5 سنوات

، لكن ما لا يعرفه الاثنان أن العصر قطار سريع لا ينتظر أحدا

ابراهيم أقنسوس منذ 5 سنوات

الخوف من الشعب ، بل وعدم الثقة فيه ، هذا أكبر دليل ، حي ، ومعاين ، على بعدنا عن الديمقراطية ، وقيمها . والملاحظ أن هذا الخوف ، وهذا التوجس من الشعب ، لا يقتصر على الحاكمين فقط ، بل ويطول الأحزاب أيضا ، هي الأخرى في عمقها ، لا تقوى على تحمل تقلبات الجماهير ، وردود أفعالها ، لا سيما حين يكون لها رأي لا يروق لها ، لأن أكثرهذه الأحزاب في النهاية لا يهمها من الشعوب إلا أصواتها ، لذلك تجد معظمها ، تطلب السلامة ، أو الضمانة ، بتعبير المغاربة ، والضمانة هي جناح السلطة ، وظلها .

oujdi منذ 5 سنوات

بالله عليك عن اي شعبية تتكلم هل تعيش في عالم آخر سيدك بنزيدان صرف لأنه رهن البلاد لخمسة أشهر فشل ولم يفشله أحد ،فشلته عقلية الغنيمة و فشله من أوهموه أنه زعيم وأن الشعب معه ،و أنت واحد منهم، وأنه هوأردوغان المغرب .لنعد لإنجازات صاحبك ما هي ؟ لقد أفقر ما تبقى من الشعب ورمى الفتات لبعض الفئات ،طبق تعليمات لغارد بالحرف واستحق الثناء منها، هو مرحلة مظلمة من تاريخ المغرب تميزت بالشعبوية المقيتة ،و نحمد الله لوجود المخزن الذي وضع حد لهذه المرحلة لأنه لولاه لبقي هذا الكائن جاثم على صدورنا لعقود مع وجود منظرين أمثالك .السي بوعشرين إقلب الصفحة بنزيدان إنتهى ولله الحمد .أتمنى أن تنشروا التعليق ولا تصادروا حق المغاربة المخالفين و هم الأغلبية

Anti منذ 5 سنوات

الأخ بوعشرين أخبر صديقك ان التغيير قادم لا محالة . لأنها سنة الله في خلقه. الظلم و الهوان الدي يعيشه المغاربة لا يمكن أن يدوم إلى الأبد. بصراحة تعبنا من استحمار القصر للشعب .