ماذا ينتظر الناس من العثماني؟

19 أبريل 2017 - 17:00

اليوم سيعرض رئيس الحكومة الجديد برنامجه على البرلمان، أو بالأحرى سيعرض نواياه الطيبة على أنظار ممثلي الأمة، رغم أن الهامش أمامه صغير في بلاد ميزانيتها السنوية لا تزيد على 32 مليار دولار.. بلاد ترتفع فيها نسبة النمو إلى 4,5% إذا سقط المطر، وتهوي النسبة ذاتها إلى 2% أو أقل إذا حبست السماء رزقها، أي أن السياسة في البلد منذ قرن يصنعها المطر.

ومع ذلك فإن المغاربة ينتظرون بغير كثير من الأمل من هذه الحكومة شيئا ولو كان صغيرا أو رمزيا، وهنا نعرض بعض انتظارات الناس، نصفها يتطلب مالا وجهدا وتفكيرا وإبداعا، والنصف الآخر يتطلب فقط الجرأة والشجاعة والإرادة السياسية.

يطلب الناس الشغل في بلاد يدق فيها باب العمل كل سنة 600 ألف مواطن من 15 سنة فما فوق، ابتداء من الذين يغادرون كرسي التعليم مبكرا، إلى الذين يتخرجون من مراكز التكوين المهني، إلى الطلبة الذين يخرجون من الجامعات والمعاهد بدبلومات وبدون دبلومات، إلى شعب القرى الذي يهاجر إلى المدن كل سنة بحثا عن فرصة للعيش، فيما لا يوفر القطاعان العام والخاص معا سوى أقل من 200 ألف وظيفة شغل، ويبقى 400 ألف في قاعة انتظار غير مريحة إطلاقا… ماذا ستصنع لهؤلاء يا سيد العثماني؟ القطاع العام لا يقدر سوى على طرح ما بين 10 آلاف و15 ألف منصب شغل كل سنة، فيما القطاع الخاص يحتاج إلى ثورة كبيرة لكي ينتج مناصب شغل تكفي هذا الشعب، وهنا للدولة مسؤولية كبيرة في تنشيط هذا القطاع وتحفيزه وتوسيع نشاطه ومقاولاته لتستوعب جيوش العاطلين، وكل هذا يتطلب مالا وأفكارا وجرأة ومشاريع وليس إنشاء ونوايا طيبة.

المغاربة يا سيد العثماني يطلبون منك، ثانيا، الشروع الحقيقي في إصلاح التعليم الذي انهار تماما، وأصبح مثل أغلال الحديد في أرجل بلاد تغرق. أعطاب التعليم، الذي يضم هذه السنة أكثر من سبعة ملايين، يعرفها الجميع، وهي أعطاب ظاهرة في مستوى التلاميذ الضحل في جل المواد، وظاهرة في الفوضى التي تعرفها إدارة المدارس والفصول، وظاهرة في مركزية القرار في الوزارة بالرباط، وظاهرة في اكتظاظ التلاميذ في أقسام صغيرة، وقلة الإطار التعليمي، وعدم تعويض الأساتذة الذين يخرجون إلى التقاعد، والأعطاب ظاهرة أيضا في بعد برامج التكوين عن حاجيات السوق، وفوق هذا وجود لوبي نقابي لا يفكر إلا في نفسه… لكن، قبل هذا، أزمة التعليم هي أيضا أزمة تمويل. نحن بلاد لا نصرف على التلميذ الواحد في السنة سوى 500 دولار، في حين تصرف جنوب إفريقيا على كل تلميذ 1500 دولار في السنة، والبيرو، الدولة التي في مستوانا تقريبا، تصرف 800 دولار على كل تلميذ في السنة، أما في فرنسا فالتلميذ يكلف هناك 7400 أورو كل سنة، وبلجيكا 11000 أورو… إذن، تحسين جودة التعليم يتطلب أموالا أكثر، وإطارا تعليميا أكبر، وحكامة أحسن. كيف سيحصل هذا؟ ومن أين ستأتي هذه الحكومة بالمال؟ وما هو تصورها لإخراج النموذج التدبيري للقطاع من أزمته؟

القطاع الثالث، الذي ينتظر الناس من الحكومة الجديدة شيئا فيه، هو الصحة المريضة في هذه البلاد، وما حكاية وفاة الطفلة إيديا في تنغير، التي لم تجد آلة سكانير واحدة تنقذ حياتها لا في المستشفى المحلي ولا الإقليمي، إلا خير دليل على النقص الفادح في العلاج بالمغرب. ومرة أخرى قطاع الصحة يحتاج إلى مال ومال كثير، وإلى إعادة تأهيل شاملة للمرفق العام الغارق في فوضى تدبيرية كبيرة، وإلى مراقبة ومحاسبة وصيغة جديدة لتعميم التغطية الصحية، غير نظام راميد الذي لا يسمن ولا يغني من جوع صحي. ورجاء، لو استطعتم أن تلغوا من البيانات الرسمية تلك العبارة التي تقول، عقب كل حادثة سير خطيرة: «وقد صدرت التعليمات المولوية لتتبع الحالة الصحية للضحايا عن قرب وتقديم كل الإسعافات الضرورية»، فافعلوا ذلك. هذه الجملة تجرح مشاعر الناس، هل يحتاج مريض أو مجروح أو منكوب إلى تعليمات مولوية وهو في يد طبيب؟ هل حياة البشر أصبحت رخيصة إلى الدرجة التي يحتاج فيها العلاج إلى توصية مولوية؟

إذا نجحت هذه الحكومة في خمس سنوات في التقدم 50% فقط على درب إصلاح هذه الأوراش الثلاثة، سيعلق لها المغاربة ميدالية.

الآن، هناك ثلاثة إجراءات أخرى لا تتطلب مالا لكنها تتطلب «شيئا من النحاس»، هي:

أولا: أن يكون رئيس الحكومة رئيس حكومة يحكم ولا يراقب، وألا يسمح لأي جهة بالاتصال بوزرائه من وراء ظهره، وألا يسمح لوزير الداخلية، مثلا، بأن ينقل إليه تعليمات الملك، وألا يسمح بتشكيل حكومة داخل الحكومة، وحتى وإن كانت هناك قرارات صعبة ولا يوافق عليها رئيس الحكومة، فيجب أن تمر من مكتبه لا وراء ظهره. هذا أقل احترام يمكن للعثماني أن يقدمه للدستور، لكن هذا يتطلب منه أن يكتب استقالته من اليوم الأول لدخوله إلى المكتب، ويتركها جاهزة للتوقيع كل مرة يرى فيها أنها الحل الأخير.

ثانيا، ينتظر منك المغاربة محاربة «شوية» من الفساد والريع المتدفق انهارا ووديانا في المغرب، وتحت أنظار جيوش الفقراء والمهمشين. أسس وكالة مستقلة على رأسها شخصية وطنية لا يرقى إليها شك من خوف أو طمع، وكلفها بمراقبة الصفقات العمومية ووضع دفتر تحملات دقيق. افتح طريقا سالكا لتقارير المجلس الأعلى للحسابات إلى القضاء.. آه، قلت القضاء. هذا ورش أقفل على ما فيه، ولا داعي إلى رش الملح على الجرح، مات مشروع الرميد لإصلاح القضاء وستعلن مراسيم الدفن قريبا.

ثالثا: التزم، يا سيد رئيس الحكومة، بتحسين ترتيب المغرب في التقارير الدولية لمراقبة حقوق الإنسان، والتعذيب، وحرية الصحافة، وتأسيس الجمعيات، والشفافية الدولية، وصيانة كرامة الإنسان، وحرية التظاهر، واحترام أحكام القضاء، ووقف شيء من تعسف وظلم الإدارة للناس… إذا حققت تقدما بـ30% فقط، فقد تكفر عن تنازلاتك الفظيعة في تشكيل هذه الحكومة.

هل هذا كثير؟ ما عرضناه هنا ليس إلا النزر اليسير من الإصلاحات التي تحتاج إليها البلاد من حكومة يعرف الجميع كيف ولدت، وهي من باب إنقاذ ما يمكن إنقاذه ليس إلا.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

محمد زغنون منذ 5 سنوات

القضية كلها في "شيء من النحاس" لا مال ولا يحزنون، لو أن لرئيس الحكومة السابق والحالي "شيء من النحاس" وبادر بإصلاحات مزمجرة لاصطف الشعب من ورائهما ولانهالت الأموال على الحكومة من حيث تدري ولا تدري، لأنه إذا كان "شيء من النحاس" موجودا فذلك يعني أن الخوف من الفساد منعدم وبالتالي فإن الفساد سيهجر المغرب وبالتالي فأي بلد يختفي فيه الفساد يرزقه الله من حيث لايحتسب...

عبد العماري منذ 5 سنوات

هناك مثل مأثور يقول:"كينغز البردعة وكيحشم من الحمار". هذا الكلام إذا وجهناه للعثماني فسنحول البردعة إلى أشلاء متناثرة من القش دون أن يأبه الحمار بوجودنا حتى.ما تحدثت عنه لن يتحقق حتى يقتنع النظام بمصلحة البلاد والعباد وذلك باقتسامه السلطة والثروة مع الشعب.

طنجاوي منذ 5 سنوات

عجباتني داك يملك شيء من النحاس يعني خاصو ايكون فحل وقاد

«شيئا من النحاس» منذ 5 سنوات

«شيئا من النحاس» ههههه راه ماعندوش حتى ديال البلاستيك. لو علم أصاحب الحال أنه سيحارب الريع، لما جعلوه في هذا المنصب. راه مسكين غير بنعرفة في زمن مافيهش علال بن عبد الله.

morad منذ 5 سنوات

بقليل من التبصر احتمال كبير أن ينجح العثماني في ما استعصا على بنكيران والسبب بسيط الدولة العميقة يمكنها تسهيل مهمة العثماني لأنه ليس له شعبية بنكيران وبالتالي لا يشكل خطر على شعبية الملك إذا يمكنهم إزالة المتاريس والحواجز التي وضعت لسلفه ولقد لاحظنا هبوط حدتها في الإعلام وشكرا

مواطن غاضب منذ 5 سنوات

لا يملك أحد في المغرب شيئا حتى يفعل أو لا يفعل .. من الأجدى أن تتوجه بهذا المقال إلى الملك ،، أما العثماني أو غيره فليس بيده إلا أن ينفذ التعليمات والتوجيهات .. عندما يصبح عندنا نظام ديمقراطي يمكن ساعتها أن نحاسب الحكومة ورئيسَ الحكومة وكلَّ وزير على ما فعله في وزارته؛؛ أمَا والحال على ما هو عليه؛ فلا مسؤولية ولا محاسبة؛؛ ولا ننتظر من أحد شيئا ، ولا أمل لنا في ي تغيير

عزيز مدار منذ 5 سنوات

حرام عليك ياسيد بوعشرين أنا مواطن أشتغل في شركة خاصة بأجر 4000 درهم بالتأكيد أنا لست فقيرا فهل أنا غني ؟ طبعا لا،أكمل الشهر بالسلف من الأصدقاء ،فهناك الكراء والأطفال و التنقل و المصاريف الأخرى لا يبقى شيء،فكيف تريد مني إضافة ثمن البوطا الدي تتحمس له؟واحدة للطبخ و الأخرى للفرن و الثالثة للدوش أي زيادة 240DH??? من أين? حرام عليك

عشير منذ 5 سنوات

المسؤول عن التعليم في المغرب منذ زمان بعيد هو القصر ، و ليس الحكومات المتعاقبة. لقد اتضح كل شيء.من وضع بلمختار على رأس وزارة التربية الوطنية؟ من وضع حصاد على رأس وزارة التربية الوطنية و التكوين المهني و التعليم العالي؟..........انتهى الكلام.يجب ربط المسؤولية بالمحاسبة.

احمد منذ 5 سنوات

ينتظرون رفع الدولة يدها عن التعليم و الصحة و رفع الدعم عن الغاز و السكر و الدقيق و الماء و الهواء و الشمس و الامن و الا كسجين

أكرم منذ 5 سنوات

المشكل والحل في المغرب إختصرته عبارتك"التعليمات المولوية"ذلك هو أس الداء الذي تتفرع منه جميه اﻷمراض.والشجرة التي تعطي الثمار المرة.وما العثماني أو غيره سوى موضفين صغار ينفذون التعليمات والتوجيهات السامية.

mohamed منذ 5 سنوات

هاد شي كله على تواضعه لم يقم فيه وليك بنكيران بأي شيئ رغم قضائه خمس سنوات في رئاسة الحكومة و قضاها في القهقهات المصطنعة و النكت الحامضة و إلهاء الإعلام بتخربيقاته و في المقابل و بسنطيحة لا مثيل لها طبق ما أملته عليه المؤسسات المالية من إجراءات ضد حق المواطنين في العيش الكريم أما السيد العثماني فحتى إذا تعذر عليه تطبيق أشياء إيجابية فعلى الأقل يبدو أنه كيحشم على عرضه و غيبقى متواضع و داخل سوق راسو و رحم الله من عرف قدره

محمد الفيكيكي منذ 5 سنوات

أسي توفيق لم نعد ننتضر شيأ. إنتهى الكلام

اسماء مساوي منذ 5 سنوات

ينتظرون الاكاذيب والخزعبلات

ابراهيم أقنسوس منذ 5 سنوات

المشكل عندنا ، سيدي المحترم ، أن هذه الإجراءات التي لا تتطلب مالا ، تتطلب ما هو أكبر من المال ، وفي سبيلها تضيع كل أوقاتنا ، لأن تحصيلها ، والنجاح فيها ، يساهم بدرجة كبيرة ، في تجاوز كل العوائق ، من تلك التي تتطلب مالا ، إذ كيف يمكن أن تواجه مشاكل ، من حجم ، البطالة ، والتعليم ، والصحة ، دون أن تكون ، رئيس حكومة ، يحكم بالفعل ، وقادر على مواجهة ، الفساد بتلويناته المعقدة ، وقادر على ضمان الحد المعقول من الحقوق ، المتعارف عليها ، دوليا ، لمواطني بلده . أتصور أن المقال سيكون أقرب إلى وضعنا ، لو بدأ بالإجراءات الثانية ، لأنها هي من تحدد ، نجاح أو فشل الأولى ، عندنا . وشكرا .