في سياق تخليد الذكرى السابعة لرحيل المفكر محمد عابد الجابري، الذي غادر حياتنا الفانية في ماي 2010، شهدت بلادنا كثافة غير مسبوقة في صيغ الاحتفاء والاستحضار الرمزي لإسهامات هذا المثقف الاستثنائي، الذي طبع الحياة الفكرية المغربية والعربية لأكثر من أربعين سنة، من الاجتهاد والسؤال والتنقيب في شروط النهضة والتقدم والحداثة.
هكذا تم الإعلان عن تأسيس جمعية لأصدقاء الراحل من طرف نخبة من الجامعيين المنشغلين بقضايا مشروعه الكبير، لتهتم إلى جانب المؤسسة الموجودة، والتي تحمل اسمه في إثراء النقاش، حول منجزه الفكري على ضوء التحولات التي تعيشها المجتمعات العربية والإسلامية.
إلى ذلك عقدت العديد من اللقاءات والندوات، في الرباط والدار البيضاء، ولكن، كذلك، في مدن صغيرة ومتوسطة، منظمة من طرف مؤسسات ثقافية ذات إشعاع وطني، أو من طرف جمعيات ثقافية محلية .كل ذلك فضلا عن اهتمام واضح للصحافة الثقافية بحدث الذكرى.
جدير بالذكر أنه قبل أسابيع من حلول ذكرى رحيل صاحب « نقد العقل العربي »، كان قد دعا بعض المثقفين إلى اعتبار سنة 2017، سنة للجابري.
اللافت أيضا، في هذه العودة الرمزية، هو استحضار سؤال الديمقراطية والسياسة في إسهامات الراحل، طبعا إلى جانب أسئلة التراث والحداثة والهوية والنهضة.
الواقع أن محمد عابد الجابري لم يكن مجرد مفكر منعزل عن الحياة العامة، ذلك أنه كان شاهدا وفاعلا في ديناميكية ولادة ونمو الفكرة الديمقراطية في التربة المغرببة، إذ قبل أن يتفرغ للبحث والتدريس، مقدما استقالته من قيادة الاتحاد الاشتراكي، في بداية الثمانينيات، كان قد انخرط منذ ريعان شبابه في معارك النضال السياسي، في مختلف واجهاته الإعلامية والنقابية والحزبية والثقافية.
على أن تفرغه للبحث، لم يجعله بالضرورة يدير ظهره لهاجس الديمقراطية، سواء من خلال حضور رهان توطين وتأصيل الديمقراطية وحقوق الإنسان داخل الوعي العربي المعاصر، أو من خلال استمراره كمثقف عضوي منشغل بمحطات التحول الديمقراطي في المغرب وكل المجتمعات العربية والإسلامية.
وهكذا ظلت الفكرة الديمقراطية، في خلفية إسهامات صاحب « نحن والتراث »، سواء بصفته منظرا إيديولوجيا لحركته السياسية في زمن البحث عن الهوية والمرجعية خلال السبعينيات، أو بصفته فيلسوفا معنيا بقضية النهضة والحداثة في العلاقة مع التراث، أو بصفته مثقفا منشغلا بالتحولات السياسية والاجتماعية لبلاده.
هكذا حرص الجابري على الانطلاق من أن المطلب الديمقراطي لا علاقة له البتة بما طرح في التجربة الإسلامية من حديث عن الشورى، ذلك أن هذه الأخيرة ظلت تدخل في باب النصيحة وفضائل الحكام، وليس في باب الفروض والواجبات.
أكثر من ذلك، فالديمقراطية في السياق العربي، تتعلق في الحقيقة بانقلاب تاريخي لم يشهد له عالمنا الفكري والسياسي والاجتماعي، مثيلا. وهو ما يتطلب وعيا حادا بتعقد مسارات البناء الديمقراطي، ذلك أن الانتكاسات والارتباكات الممكنة لهذه الديناميكية، لا يجب أن تجعلنا نكفر بالفكرة الديمقراطية نفسها.
إن الأمر عبارة عن ميلاد عسير ومرحلة جديدة، وهو ما قد يحتاج إلى عملية قيصرية، كما يوضح صاحب مشروع « نقد العقل العربي ».
ولأنه كذلك، فالمسألة ليست فقط، مسألة تدبير سياسي لموازين القوى، بل هي في العمق معركة تأصيل ثقافي، إذ يحتاج التأسيس الديمقراطية إلى تكسير البنية الذهنية اللاشعورية القائمة على تعميم عقيدة التوحيد من مجال الدين إلى مجال السياسة، كما يحتاج إلى نقد وتجاوز شكوك الإيديولوجيا العربية المعاصرة حول الديمقراطية، سواء من حيث اعتبارها حالة اغتراب ثقافي، أو مجرد أداة لخدمة الطبقة البورجوازية، أو كمطلب غير مطابق للشرط الاجتماعي لبلداننا.
يحضر التفكير في الديمقراطية، داخل أعمال الجابري، ضمن مقاربة وظيفية ترتبط المشروع الديمقراطي بوظيفته التاريخية داخل مجتمعاتنا، حيث يصبح الانتقال إلى الديمقراطية، عندما يوضع في سياق التحول الحضاري الكبير من ثقافة البادية والقبيلة إلى مجتمعات المأسسة والعقلانية، ضرورة ملحة لمرافقة هذا التحول وتأطير مخرجاته في اتجاه التقدم.
على أن هذا الانتقال يظل في حاجة إلى قيام « كتلة تاريخية » تنبني على المصلحة الموضوعية الواحدة التي تحرك جميع التيارات، والتي تنجح في جعل أصدائها تتردد بين صفوف الشعب، سواء انطلقت من شعارات الحرية أو الأصالة أو الاشتراكية أو العدل…
إن الديمقراطية، مع استحضار كل ما سبق، تبقى في نهاية التحليل، عند الجابري، موضوعا لمعركة نضالية طويلة النفس، ذلك أن « الكلمة لا تُعطى. الحقوق لا تُمنح، وإنما تُؤخذ. ويجب أن نأخذها. يجب فرض الديمقراطية فرضا.. طال الزمن أو قصر. ويجب دفع الثمن.. صغر الثمن أو كبر. »