مذكرات.. "فتوى" الرميد التي عجّلت بتعيين بنكيران رئيسا للحكومة

05 يونيو 2017 - 21:40

عندما ظهرت نتائج الانتخابات التشريعية ليوم 25 نونبر، كان هناك ترقب كبير حول من الذي سيتم تعيينه رئيسا للحكومة، هل الأمين العام بنكيران، أم رئيس المجلس الوطني سعد الدين العثماني؟ “الدستور واضح، وهو يتحدث عن تعيين رئيس الحكومة من الحزب الأول وليس بالضرورة قائده”، يقول مصدر عاش تفاصيل تلك اللحظات، مضيفا أن لقاء لقيادة الحزب انعقد مساء يوم السبت الموالي ليوم الانتخابات، “فكان موقف الرميد حاسما، حيث بادر إلى القول إنه إذا تم تعيين ابن كيران فالأمر طبيعي ولا يحتاج إلى أي إجراء، أما إذا عين شخص آخر فينبغي عقد اجتماع للأمانة العامة ثم المجلس الوطني للنظر في الموضوع. ولما خرج بنكيران ليعقد ندوة صحافية، قال هذا الموقف بشكل واضح، فجاء الاتصال مباشرة بعدها من القصر يدعو بنكيران إلى الالتحاق بميدلت ليتم تعيينه رئيسا للحكومة”. هذه “الفتوى” التي قدمها الرميد حول كيفية التعاطي مع التعيين الملكي لرئيس الحكومة، لم تكن موضوع إجماع، “فرئيس المجلس الوطني سعد الدين العثماني، عاد ليزور بنكيران في بيته، وكان رفقة مصور إحدى الصحف اليومية، وقال له إنه يفضّل عدم التصريح بفكرة عقد اجتماع في حال تعيين شخص غير الأمين العام، لأنها قد تكون إشارة سلبية”.

مصادر عاشت في قلب تلك الأحداث، قالت إن التفاوض حول تشكيل الحكومة انطلق بسلاسة، “مع كل من عباس الفاسي والعنصر وبنعبد الله. الصعوبة الوحيدة التي واجهها بنكيران حينها كانت في مرحلة التفاوض مع الديوان الملكي. فقضية الرميد أوقفت مشاورات تشكيل الحكومة أسبوعا كاملا بسبب الاعتراض عليه من طرف المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة، ثم وقع بلوكاج قصير حول وزارة المالية، إلى أن تم التوصل إلى اتفاق اقتسامها بين وزير للمالية استقلالي ووزير منتدب من حزب العدالة والتنمية. كما وقعت أزمة كادت تنهي كل شيء، حين نشرتم أنتم في جريدتكم تشكيلة محتملة للحكومة انطلاقا من الحس الصحافي للجريدة، وهو ما قرأ فيه البعض فرضا للأمر الواقع من طرف بنكيران وحسمه موضوع لائحة الوزراء دون موافقة من القصر”.

منذ الساعات الأولى لإعلان النتائج الجزئية المؤكدة لفوز حزب العدالة والتنمية بصدارة الانتخابات، وحصوله بذلك على الحق في ترؤس الحكومة؛ بدأ سباق السيناريوهات والسيناريوهات البديلة في طرق أبواب حزب المصباح. زعماء الحزب يتقدّمهم الأمين العام عبدالإله بنكيران، سارعوا إلى إعلان الكتلة الديمقراطية حليفا مفضلا لهم، من أجل استكمال الأغلبية الضرورية لتشكيل الحكومة المقبلة. وهو ما أكدته تصريحات أخرى، خاصة من حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي. فيما يسود ترقّب كبير ما إن كان حزب المصباح سيقبل بانضمام حزب التقدم والاشتراكية لتحالفه المحتمل مع الكتلة، بسبب نتائجه المتواضعة في الانتخابات، واستعداد مكونات التحالف الثلاثي للتخلي عن رفيقهم الأصغر، أي حزب نبيل بنعبدالله.

في المقابل، حرص زعماء العدالة والتنمية على إخراج أوراق احتياط أخرى، وسارع عبدالإله بنكيران إلى إعلان استعداده للتحالف مع مكونات التحالف الثماني (جي8)، باستثناء حزب الأصالة والمعاصرة. وجاءت رسالة بنكيران موجّهة أساسا إلى كل من الحركة الشعبية، التي كانت تبدو مستعدة للتحالف مع الإسلاميين وغير مؤهلة لاتخاذ موقف متصلب في حال دخولها في مفاوضات لهذا الغرض؛ ثم إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، والذي سارع زعيمه صلاح الدين مزوار بدوره إلى تهنئة حزب العدالة والتنمية بفوزه. بنكيران احتفظ منذ البداية بورقتي السنبلة والحمامة تحسّبا لأي مطالب تعجيزية من أحزاب الكتلة الديمقراطية.

خطوات وئيدة وخاشعة خطاها عبدالإله بنكيران، رئيس الحكومة المعيّن خلفا لعباس الفاسي، داخل الإقامة الملكية بمدينة ميدلت، والتي هي الإقامة الخاصة بعامل المدينة. مصادر حضرت كواليس استقبال بنكيران، قالت لـ”أخبار اليوم”، إنه بدا في مظهر المُقبل على موقف مهيب، وكان وهو يدخل على الملك يتلقى أولى التعاليم حول البروتوكول الخاص بالبلاط الملكي، حيث كان مرافقه ينبّهه إلى المسار الذي يجب أن يتّبعه “ويقول له زيد من هنا.. دور من هنا”. ولحظة لقائه بالملك، انحنى بنكيران وقبّل كتفه، قبل أن يقف أمامه ويؤدي القسم الذي تلاه عليه أحد مسؤولي البروتوكول الملكي، ثم جلس بطريقة “المُحترم” لجليسه، حيث اقتعد حافة الكرسي.

سافر عبدالإله بنكيران إلى مدينة ميدلت على متن سيارة عادية إلى غاية مدينة ميدلت، بعدما توقع البعض أن يسافر عبر رحلة جوية عادية إلى الراشيدية أو طائرة خاصة. ورافقه كل من سائقه ومدير نشر جريدة “التجديد” مصطفى الخلفي. ورغم أن اللقاء الذي جمعه بالملك، وكان لقاءه الأول الذي طالما حلم به وبعث الرسائل المشفرة لطلبه، لم يدم أكثر من خمس دقائق، إلا أنه خرج منه شديد الفرح، معبّرا عن تلقيه عبارات لطيفة من الملك تعكس رضاه عنه. ورغم أنه كان يحمل فوق صدره شارة حملة التضامن التي أطلقها الملك مباشرة بعد الاستقبال، إلا أن أحد مسؤولي البروتوكول قدّم له بعد اللقاء شارة أخرى، تسلّمها بنكيران ولمس بها جبهته وقبّلها ثم وضعها في جيبه.

التصريحات  المبكرة التي أدلى بها زعيم حزب المصباح عبدالإله بنكيران لـ”أخبار اليوم”، بإعلانه توجّهه لتشكيل حكومة من الشباب الذين يصغرونه سنا؛ جرّت عليه متاعب مبكّرة في تشكيل أغلبيته البرلمانية. فموجة معارضة قوية ظهرت داخل الأحزاب المرشحة للتحالف مع بنكيران، بما فيها أحزاب الكتلة التي تعتبر الأقرب إلى الدخول في هذا التحالف. المعارضون داخل هذه الأحزاب هم الديناصورات الكبيرة، والتي سبق لجلّها أن حملت صفة وزير، ولم تقبل أن يشترط عليها بنكيران اختيارات بخصوص من يمثلونها في الحكومة المقبلة، او تحديد سنّهم او طبيعتهم. أي إما أن يستوزر القياديون الأقوياء أو يجروا الحزب وبرلمانييه إلى المعارضة وترك بنكيران دون أغلبية.

لم يكن لعبدالإله بنكيران أي لقاء مع الملك قبل هذا التعيين، باستثناء بعض مناسبات السلام البروتوكولي ضمن باقي السياسيين. مصادر مقربة من رئيس الحكومة السابق نقلت عنه قوله، إن الملك كان غاية في اللطف، “وعندما قال له بنكيران الحقيقة لا أعرف كيف أخطابك، مرة أقول جلالة الملك ومرة أقول سيدي محمد، قال له الملك إن سيدي محمد هي أحسنهم، لكونها اسم الرسول (ص)، ثم طلب منه عدم الإطالة في اللقاء كي لا يعتقد أحد أن اللقاء شهد تشكيل الحكومة أو ترتيباتها”. بمجرد دخول بنكيران وسلامه على الملك، طلب منه البروتوكول الوقوف وأداء القسم، “ذلك أن ذلك التعيين كان نهائيا، عكس التعيين الثاني الذي جرى في الدار البيضاء. يومها في ميدلت بدت الأمور محسومة ونهائية، وصدر الظهير في الجريدة الرسمية بشكل سريع. بينما هذه المرة كان الأمر مختلفا، وحتى بعد خروجه من التعيين في القصر الملكي بالدار البيضاء وصرح للصحافة، قال إن “الملك أعاد تعييني على رأس الحكومة وأتمنى النجاح في هذه المهمة”، وهو ما يشير إلى أن الأمر ليس سهلا”.

أول ما خطر ببال بنكيران كان هو القيام بزيارة للزعماء التاريخيين للأحزاب، للأخذ بمشورتهم، وفي الوقت نفسه بدأ الاتصالات مع الأحزاب السياسية، ابتداء من عباس الفاسي الذي كان حزبه قد احتل المرتبة الثانية، ثم جرى اللقاء مع كل من عبد الواحد الراضي وفتح الله ولعلو، وكان بنكيران رفقة عبدالله بها. “كانت الأمور تسير بخير، لكن إدريس لشكر أبدى منذ ذلك الوقت رفضا قويا لدخول حكومة بنكيران، خاصة بعد التصريح الذي أدلى به بنكيران وقال فيه إنه لا يرغب في رؤية الناس الذين كانوا في مرتبة أساتذته وزراء في حكومته، حيث فهم من ذلك الرغبة في التخلص من قادة الحزب وفرض وجوه أخرى، لكن بعض الأصوات الاتحادية لم تكن متفقة مع رفض المشاركة، لكنها لم تستطع التصريح بذلك”، يقول مصدر موثوق، موضحا أن الاتحاديين “أضاعوا على المغرب فرصة تاريخية وأخذوا كلام بنكيران بطريقة سلبية خاصة عندما قال عبارة “بغيت نسخن بهم كتافي”، في إشارة إلى القيمة الاعتبارية الخاصة التي يحظى بها الاتحاد لديه، ويبدو أيضا أن توجيهات ما طلبت منهم الابتعاد وعدم دخول الحكومة”.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي