في أيامه الأولى داخل مقر رئاسة الحكومة، كان على عبدالإله بنكيران أن يكتشف كل شيء. فترة من التأمل والتعرف على المحيط الخاص بمقر رئيس الحكومة داخل المشور السعيد، المحاط بمكاتب المستشارين الملكيين وسامي الموظفين. لهذا المكتب بروتوكوله الخاص وأعرافه وتقاليده.
من بين ما اكتشفه بنكيران وهو يجرّب الجلوس فوق مقعد رئيس الحكومة، كانت تلك العبارة التي اعتاد الوزراء الأوائل في السابق استعمالها في التوقيع.
من عبدالرحمان اليوسفي فإدريس جطو ثم عباس الفاسي، كل منهم كان يستعمل عبارة خاصة به في التوقيع على الوثائق والمراسلات التي تحتاج أن تمهر بتوقيع رئيس الحكومة.
« اقترح موظفو رئاسة الحكومة على بنكيران التفكير في عبارة خاصة به يوقع بها على غرار من سبقوه إلى هذا الموقع، وبما أن جلالة الملك كان يخاطبه بعبارة « محب جنابنا الشريف »، فإن بنكيران اختار أن يرفق أول توقيع له داخل رئاسة الحكومة، بعبارة « محب جنابكم الشريف »، وأصبحت منذ ذلك الحين، هي التوقيع الخاص برئيس الحكومة عبدالإله بنكيران، في المراسلات التي تصدر عنه.
تقليد آخر سوف يستحدثه بنكيران لأول مرة في أسلوب اشتغال رئاسة الحكومة، كان هو تلك الكلمة المرتجلة التي كان يلقيها في مستهل كل اجتماع للمجلس الحكومي.
عادة اعتقد البعض أنها مجرّد تجربة تواصلية يفتتح بها بنكيران ولايته على رأس الحكومة، ليعبّر بها عن أسلوبه ويؤكد حضوره وبصمته الخاصة، لكنها تحوّلت إلى قاعدة سوف يحتفظ بها خلفه في رئاسة الحكومة، الدكتور سعد الدين العثماني.
« استوحى بنكيران تلك الطريقة في افتتاح المجلس الحكومي، من الاجتماعات التي كان يترأسها عادة داخل الحزب، حيث أصبحت هناك شبه قاعدة تتمثل في إلقائه كلمة افتتاحية، أصبحت مع الزمن تلقى ترحيبا كبيرا ويكون لها في الغالب وقع جيّد، رغم اعتراض البعض عليها »، يقول مصدر مطلع.
تدريجيا تحوّلت هذه الكلمة التي قد يعلّق فيها بنكيران على حدث وطني كبير، أو يكشف عن موقفه من إشكال سياسي حساس، أو يبعث رسائل إلى هذه الجهة أو تلك.
قنوات الإعلام العمومي أحجمت عن بث هذه الكلمة مكتفية بالتقاط صور للدقائق الأولى للمجلس الحكومي، لتصبح الصفحة الرسمية لرئاسة الحكومة القناة التي يبث عبرها بنكيران كلمته هذه، وأصبح التقليد موعدا قارا للإعلاميين المتابعين لاجتماعات مجلس الحكومة، يفوق في أهميته الندوة الصحافية الأسبوعية للمتحدث الرسمي باسم الحكومة، لما تتضمنه من تصريحات مباشرة من رئيس الحكومة.
« تبيّن أن لهذه الكلمة الافتتاحية وقع خاص، ورغم امتناع الإعلام العمومي عن بثها في النشرات الإخبارية، إلا أن نفاذها إلى الجمهور والرأي العام كان في تزايد، وهو ما جعل بعض الوزراء يطلبون بين الفينة والأخرى من بنكيران، تمرير بعض الرسائل وإثارة بعض المواضيع »، يقول مصدر جيّد الاطلاع.
المصدر نفسه أوضح أن المكانة التي باتت تتسم بها هذه الكلمة الافتتاحية، جعلت بعض الوزراء يتوجهون إلى بنكيران بين الفينة والأخرى، قبل انطلاق المجلس الحكومي، ويطلبون منه إثارة موضوع يبدو لهم مهما ويحتاج إلى تواصل مع الرأي العام.
« أكثر هؤلاء الوزراء طلبا لإدراج بعض المواضيع في كلمة رئيس الحكومة، كانا هما وزيرا الداخلية والخارجية. فبعض القضايا الكبرى والحساسة، سواء منها الإنجازات الإيجابية أو المشاكل السلبية، كانت تستأثر باهتمام الرأي العام، وهو ما يجعل الوزراء يعمدون إلى طلب تناولها من طرف بنكيران، بالنظر إلى طريقته الخاصة في التواصل مع الجمهور الواسع ».
أحد أبرز الإشكالات التي وجدها بنكيران في انتظاره بمقر رئاسة الحكومة، كان هو ذلك العدد الكبير من الموظفين والخبراء والملحقين الذين تم تعيينهم في الوزارة الأولى من طرف أسلافه، والذين كان بعضهم دون مهمة محددة، وبعضهم الآخر جرى تعيينهم في إطار توافقات وترضيات سياسية.
« لم يرد بنكيران التسرع في اتخاذ قرارات بشأن هذه الحالات، في انتظار اكتشافه تفاصيل ما يجري في هذه المؤسسة، وفحصه للحالات الموجودة، وتمييز الأطر المرتبطة حقا بمهام داخل رئاسة الحكومة من تلك الموجودة لاعتبارات حزبية أو اعتبارات أخرى، قبل اتخاذ القرارات المناسبة ».
أحس بنكيران بتعاون كبير من طرف المحيطين به داخل رئاسة الحكومة، وواقعة سحب وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لبناية كانت تعيرها لرئاسة الحكومة في السابق، لم تثر لديه أي إحساس خاص.
« سحب تلك البناية من طرف وزارة الأوقاف والشروع في إصلاحها جرى في الفترة التي كان فيها بنكيران يقوم بتشكيل حكومته، وبعدما تم التعيين وتسلم المهام لم يعتبر نفسه معنيا بهذا الإجراء، رغم التأويلات الإعلامية لهذه الخطوة »، يقول مصدر مطلع.
اضطر بنكيران إلى توزيع موظفيه بين بنايات متفرقة، قبل أن يطلق دراسة مفصلة حول كيفية تحسين ظروف العمل داخل رئاسة الحكومة، بكلفة ناهزت المليون درهم.
نتائج تلك الدراسة لم تجد طريقها كاملة إلى التنفيذ، لكن بنكيران لم يخرج من رئاسة الحكومة إلا بعد أن أصبحت تتوفّر على بناية حديثة بالقرب من مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لرجال التعليم، تم كراؤها وتخصيصها لجزء من موظفي وأطر رئاسة الحكومة.
« أما تلك البناية التي سحبتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية من رئاسة الحكومة، فتم إخضاعها للإصلاح والتهيئة، وبعد الانتهاء من ذلك، بقيت البناية مغلقة إلى يومنا هذا ».
الدراسة التي أنجزت حول كيفية تطوير عمل رئاسة الحكومة، كشفت الحاجة الماسة إلى تعزيز طاقمها بخبراء من مستوى عال للإشراف إلى جانب رئيس الحكومة على الملفات الكبرى التي تنتظر تلك الحكومة.
« بالنظر إلى الكلفة الكبيرة التي يتطلبها التعاقد مع خبراء متخصصين، خاصة الذين يشتغلون في القطاع الخاص، فضّل بنكيران اللجوء إلى الأطر والخبراء الموجودين أصلا في الإدارة المغربية.
هؤلاء يتم إلحاقهم برئاسة الحكومة، وتمكينهم من تعويض مالي إضافي بسيط مقارنة مع كلفة 30 إلى 50 ألف درهم التي يتطلبها التعاقد مع خبير من خارج الإدارة.
وهؤلاء الأطر أبانوا بعد التحاقهم للعمل إلى جانب بنكيران، عن كفاءات وقدرات خاصة في الملفات التي كلّفوا بها، وهو ما عكس تنفيذا تدريجيا ومرنا لخلاصات الدراسة التي أجريت على رئاسة الحكومة ». جسّد بنكيران بهذه الخطوات والقرارات الأولى التي اتخذها في رئاسة الحكومة، مقولة الرجل – الأسلوب، حيث ظهرت بصمته الشخصية الخاصة في جميع جوانب تدبيره لهذا الموقع السياسي المهم والجديد في الهرم المؤسساتي للمغرب.
عنوان هذا الأسلوب هو البساطة والتواصل. حكايات الرجل مع القواعد البروتوكولية الجديدة عليه واضطراره لأول مرة إلى ارتداء ربطة العنق والبذلة الرسمية باستمرار، شكّلت أولى « توابل » ولاية حكومية استثنائية، لرئيس حكومة استثنائي.